عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)إِنَّ النَّاسَ يَرْوُونَ أَنَّ عَلِيّاً(عليه السلام)قَالَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ سَتُدْعَوْنَ إِلَى سَبِّي فَسُبُّونِي ثُمَّ تُدْعَوْنَ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنِّي فَلَا تَبَرَّءُوا مِنِّي فَقَالَ مَا أَكْثَرَ مَا يَكْذِبُ النَّاسُ عَلَى عَلِيٍّ(عليه السلام)ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا قَالَ إِنَّكُمْ سَتُدْعَوْنَ إِلَى سَبِّي فَسُبُّونِي ثُمَّ سَتُدْعَوْنَ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنِّي وَ إِنِّي لَعَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ وَ لَمْ يَقُلْ لَا تَبَرَّءُوا مِنِّي فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ أَ رَأَيْتَ إِنِ اخْتَارَ الْقَتْلَ دُونَ الْبَرَاءَةِ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا ذَلِكَ الحديث التاسع: مجهول. و في القاموس شق عليه الأمر شقا و مشقة صعب، و عليه أوقعه في المشقة" ما أحسن" ما نافية، أي لم يفعل الحسن حيث ترك التقية، و سلم علي على وجه المعرفة و الإكرام بمحضر المخالفين" و لا أجمل" أي و لا فعل الجميل و قيل: أي ما أجمل حيث قدم الظرف على السلام و هو يدل على الحصر و عبر بالكنية و كل منهما يدل على التعظيم. الحديث العاشر: ضعيف على المشهور. " إنكم ستدعون" هذا من معجزاته (صلوات الله عليه) فإنه أخبر بما سيقع و قد وقع لأن بني أمية لعنهم الله أمروا الناس بسبه (عليه السلام) و كتبوا إلى عما لهم في البلاد أن يأمروهم بذلك، و شاع ذلك حتى إنهم سبوه (عليه السلام) على المنابر" و ما له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر" روى العامة و الخاصة أن قريشا أكرهوا عَلَيْهِ وَ مَا لَهُ إِلَّا مَا مَضَى عَلَيْهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ حَيْثُ أَكْرَهَهُ أَهْلُ مَكَّةَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ عمارا و أبويه ياسرا و سمية على الارتداد فلم يقبله أبواه فقتلوهما و أعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها، فقيل: يا رسول الله إن عمارا كفر فقال: كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه و اختلط الإيمان بلحمه و دمه، فأتى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عمار و هو يبكي فجعل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يمسح عينيه فقال: ما لك إن عادوا فعد لهم بما قلت. أقول: و ينافي هذا الخبر ظاهرا ما رواه السيد رضي الله عنه في نهج البلاغة أنه قال (عليه السلام): لأصحابه: أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم مندحق البطن يأكل ما يجد و يطلب ما لا يجد فاقتلوه و لن تقتلوه إلا و إنه سيأمركم بسبي و البراءة مني، فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة و لكم نجاة، و أما البراءة فلا تتبرءوا مني فإني ولدت على الفطرة و سبقت إلى الإيمان و الهجرة" و البلعوم" مجرى الطعام في الحلق" و مندحق البطن" أي بارزه، و قيل: واسعه" و أكل ما يجد" كناية عن كثرة أكله أو عن الإسراف و التبذير و طلب ما لا يجد عن الحرص أو عدم الظفر بالمقصد الأصلي، و اختلف في هذا الرجل فقيل: هو زياد بن أبيه أو الحجاج أو المغيرة بن شعبة أو معاوية عليهم اللعنة، و قد كان معاوية معروفا بكثرة الأكل حتى يضرب به المثل قال الشاعر: و صاحب لي بطنه كالهاوية كان في أمعائه معاوية " فإنه لي زكاة" أي زيادة في حسناتي أو لا ينقص من قدري في الدنيا شيئا بل أزيد شرفا و علو قدر و شياع ذكر، و أما ولادته (عليه السلام) على الفطرة فاستشكل فيها بأن ميلاده (عليه السلام) كان متقدما على الإسلام و لو أريد بالفطرة ما يولد عليه كل مولود فذلك مما لا يختص به أحد مع أن الولادة على الإسلام ليس خاصة له (عليه السلام). بِالْإِيمَانِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِ- إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ فَقَالَ لَهُ و أجيب بأن المراد بالولادة على الفطرة أنه لم يولد في الجاهلية لأنه (عليه السلام) ولد لثلاثين عاما مضت من عام الفيل، و النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أرسل لأربعين مضت منها. و قد جاء في الأخبار الصحيحة أنه (عليه السلام) مكث قبل الرسالة سنين عشرا يسمع الصوت و يرى الضوء و لا يخاطبه أحد، و كان ذلك إرهاصا لرسالته فحكم تلك السنين العشر أيام رسالته، فالمولود فيها إذا كان في حجره و هو المتولي لتربيته كان مولودا في أيام كأيام النبوة و ليس بمولود في الجاهلية ففارقت حاله حال من يدعى له الفضل من الصحابة، و يقصد بالتبري منه (عليه السلام) توليهم. و روي أن السنة التي ولد (عليه السلام) فيها كان يسمع الهتاف من الأحجار و الأشجار و ابتدأ فيها بالتبتل و الانقطاع و العزلة في جبل حراء، فلم يزل كذلك حتى كوشف بالرسالة و أنزل عليه الوحي، و قال لأهله ليلة ولادته و فيها شاهد ما شاهد من الكرامات و القدرة الإلهية التي لم يشاهدها قبلها: لقد ولد لنا الليلة مولود يفتح الله به علينا أبوابا من النعمة و الرحمة. و قيل: المراد الولادة على الفطرة التي لم يتغير و لم يتبدل بفساد العقائد باتباع الآباء و متابعة الشبهات و إضلال المضلين، و ذلك أمر لا يعم كل مولود و إن كانت الولادة على الفطرة بمعنى الاستعداد للمعارف لو لم يمنع مانع من الأمور المذكورة مشتركة بين الجميع. و قيل: يمكن أن يراد بالفطرة الخلقة التي لم يطرء عليها مخالفة أمر الله و نهيه و هي العصمة، أي لم أخرج عن اتباع أمر الله مذ ولدت، و أما السبق إلى الهجرة فقيل: إنه (عليه السلام) لم يسبق على جميع الصحابة و قد بات على فراشه (صلى الله عليه و آله و سلم) لما هاجر إلى المدينة و مكث أياما لرد الودائع التي كانت عنده (صلى الله عليه و آله و سلم). و أجيب: بأن المراد بالهجرة الجنس و أول هجرة هاجرها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) خروجه إلى بني عامر بن صعصعة لما مات أبو طالب (عليه السلام)، و أوحى إليه: أن اخرج فقد مات ناصرك، و كانت مدة تلك الغيبة عشرة أيام و لم يصحبه في تلك الهجرة إلا علي (عليه السلام) وحده. ثم هاجر إلى شيبان و كان معه هو (عليه السلام) و أبو بكر و قد كان تخلفه (عليه السلام) في الهجرة إلى المدينة أسبق إلى الرتبة من السبق إليها كما لا يخفى على من له أدنى فطنة، و أما السبق إلى الإيمان فمن خصائصه (عليه السلام) عندنا و عند كثير من مشاهير العامة و قد أشبعنا الكلام في ذلك في الكتاب الكبير، و ينافيه أيضا ما رواه الكشي بإسناده عن حجر بن عدي قال: قال لي علي (عليه السلام): كيف تصنع أنت إذا ضربت و أمرت بلعني؟ قال: قلت له: كيف أصنع؟ قال العني و لا تبرأ مني فإني على دين الله، و هذا يدل على أن اللعن في حكم السب، و يؤيد خبر الكتاب ما رواه صاحب كتاب الغارات بإسناده عن الباقر قال: خطب علي (عليه السلام) على منبر الكوفة فقال: سيعرض عليكم سبي فسبوني و إن عرض عليكم البراءة مني فإني على دين محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) و لم يقل فلا تبرءوا مني، و روي أيضا عن الصادق (عليه السلام) قال: قال علي (عليه السلام): لتذبحن على سبي و أشار بيده إلى حلقه، ثم قال: فإن أمروكم بسبي فسبوني و إن أمروكم أن تبروا مني فإني على دين محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) و لم ينههم عن إظهار البراءة. و أقول: الجمع بين تلك الروايات في غاية الإشكال و يمكن الجمع بينها بحمل البراءة المنهي عنها على البراءة القلبية و المجوزة على اللفظية، لكن ينافيه بعض ما سيأتي من الأخبار، و حمل ابن أبي الحديد البراءة على اللفظية و قال: لما لم تطلق البراءة في الكتاب الكريم إلا في حق المشركين كقوله تعالى:" بَرٰاءَةٌ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عِنْدَهَا يَا عَمَّارُ إِنْ عَادُوا فَعُدْ فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عُذْرَكَ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عٰاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" و قوله عز و جل:" أَنَّ اللّٰهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ" فيحمل النهي في كلامه (عليه السلام) على أن التحريم في البراءة أشد و إن كان الحكم في كل من السب و البراءة التحريم، و يرد عليه أن النهي عن البراءة في كلامه (عليه السلام) في حال الإكراه، و قد صرح هذا القائل بجواز كل من السب و التبري على وجه التقية و أنه يجوز للمكلف أن لا يفعلهما و إن قتل إذا قصد بذلك إعزاز الدين إلا أن يحمل النهي على التنزيه، و يقول بالكراهة في إظهار البراءة و يجعل الصبر على القتل مستحبا بخلاف السب إلا أنه لم يصرح بهذا الفرق، و لم أطلع عليه في كلام غيره، و يمكن أن يقال: بكراهة الأمرين و شدتها في الثاني و يحمل الأمر بالسب في كلامه (عليه السلام) على الجواز و لو على وجه الكراهة، و يظهر من الشهيد (قدس سره) التخيير في التبري بين الفعل و الترك و في كل كلمة كفر حيث قال في قواعده: إن التقية تبيح كل شيء حتى إظهار كلمة الكفر و لو تركها حينئذ أثم إلا في هذا المقام و مقام التبري من أهل البيت (عليهم السلام) فإنه لا يأثم بتركها بل صبره إما مباح أو مستحب خصوصا إذا كان ممن يقتدى به، انتهى. و لا يظهر من كلامه الفرق بل لا يبعد شمول كلمة الكفر للسب و إن قابلها بالتبري و ما ذكره مناف لبعض الروايات كما عرفت، و قد ذكر أبو الصلاح (قدس سره) في الكافي فصلا طويلا نذكر منه موضع الحاجة، قال: فأما ما يقع به الإكراه فالخوف على النفس متى فعل الحسن و اجتنب القبيح لحصول الإجماع بكون ذلك إكراها مؤثرا و عدم دليل بما دونه من ضروب الخوف، ثم قال (ره): فإذا حصل شرط الإكراه فما أكره عليه المكلف على ضربين، أحدهما لا يصح فيه الإكراه، و الثاني يصح. فالأول أفعال القلوب كلها لأن المكره لا سبيل له إلى علمها فلا يصح الإلجاء إلى شيء منها و ما يصح فيه الإكراه أفعال الجوارح، و هو على ضربين: أحدهما لا يؤثر فيه الإكراه و الثاني يؤثر، فالأول القبائح العقلية كلها كالظلم و الكذب و من السمعيات الزنا بإجماع الأمة و شرب الخمر بإجماع الفرقة، و الثاني الواجبات العقلية و السمعية و ما عدا ما ذكرناه من المحرمات، فأما الواجبات فيؤثر فيها التأخير عن أوقاتها و تغير كيفياتها و النيابة فيها و سقوط ما لا يصح ذلك فيه، و أما المحرمات فيؤثر إباحتها كالميتة و لحم الخنزير و الصيد في الحرم أو الإحرام و ساق الكلام في ذلك إلى قوله: فأما إظهار كلمة الكفر و إنكار الإيمان أو إنكار كلمته مع الخوف على النفس مع الإمساك عن الأولة و إظهار الثانية فيختلف الحال فيه فإن كان مظهر الإيمان و الحجة به و منكر الكفر و الممتنع من إظهار شعاره في رتبة من يكون ذلك منه إعزازا للدين كرؤساء المسلمين في العلم و الدين و العبادة و تنفيذ الأحكام، فالأولى به إظهار الإيمان و الامتناع من كلمة الكفر فإن قتل فهو شهيد و يجوز له ما أكره عليه، و إن كان من أطراف الناس و ممن لا يؤثر فعله ما أكره عليه أو اجتنابه غضاضة في الدين ففرضه ما دعي إليه فليور في كلامه ما يخرج به عن الكذب و لا يحل له ما جاز لمن ذكرناه من رؤساء الملة على حال، انتهى. و قال صاحب الجامع: إن أكره المكلف على إظهار كلمة الكفر بالقتل جاز له إظهارها، و لو احتملها و لم يظهرها كان مأجورا، و إن أكره بالقتل على الإخلال بواجب سمعي أو عقلي أو على فعل قبيح سمعي جاز له ذلك، و إن أكره على قبيح عقلي فإن كان مما له عنه مندوحة، كالكذب ورى في نفسه، و إن كان غيره كالظلم لم يحسنه الإكراه. وَ أَمَرَكَ أَنْ تَعُودَ إِنْ عَادُوا
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ التَّقِيَّةِ