عَنْهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ رَفَعَهُ قَالَ خَطَبَ النَّاسَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَخٍ لِي كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الأكابر: إنما كان الفكر أفضل لأنه عمل القلب و هو من أفضل الجوارح فعمله أشرف من عملها، أ لا ترى إلى قوله تعالى:" أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي" فجعل الصلاة وسيلة إلى ذكر القلب، و المقصود أشرف من الوسيلة، و خامسها الذكر و المراد به الذكر اللساني و قد اختاروا له كلمة التوحيد لاختصاصها بمزايا ليس هذا محل ذكرها، و سادسها نظر الاعتبار كما قال سبحانه:" فَاعْتَبِرُوا يٰا أُولِي الْأَبْصٰارِ" و سابعها النطق بالحكمة و المراد بهما ما تضمن صلاح النشأتين أو صلاح النشأة الأخرى من العلوم و المعارف، أما ما تضمن صلاح الحال في الدنيا فقط فليس من الحكمة في شيء، و ثامنها وصول بركتهم إلى الناس، و تاسعها و عاشرها الخوف و الرجاء، و هذه الصفات العشر إذا اعتبرتها وجدتها أمهات صفات السائرين إلى الله تعالى يسر الله لنا الاتصاف بها بمنه و كرمه. الحديث السادس و العشرون: مرسل. و قد روي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) هكذا، و قال (عليه السلام): كان لي فيما مضى أخ في الله، و قال ابن أبي الحديد: قد اختلف الناس في المعنى بهذا الكلام و من هذا الأخ المشار إليه؟ فقال قوم: هو رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و استبعده قوم لقوله (عليه السلام): و كان ضعيفا مستضعفا فإنه لا يقال في صفاته (صلى الله عليه و آله و سلم) مثل هذه الكلمة و إن أمكن تأويلها على لين كلامه و سجاحة أخلاقه إلا أنها غير لائقة به (عليه السلام). و قال قوم: هو أبو ذر الغفاري و استبعده قوم لقوله (عليه السلام): فإن جاء الجد فهو ليث غاد و صل واد فإن أبا ذر لم يكن من المعروفين بالشجاعة و البسالة، و قال النَّاسِ فِي عَيْنِي وَ كَانَ رَأْسُ مَا عَظُمَ بِهِ فِي عَيْنِي صِغَرَ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ كَانَ خَارِجاً مِنْ قوم: هو مقداد بن عمر و المعروف بمقداد بن الأسود و كان من شيعة علي (عليه السلام) و كان شجاعا مجاهدا حسن الطريقة، و قد روي في فضله حديث صحيح مرفوع، و قال قوم: إنه ليس بإشارة إلى أخ معين و لكنه كلام خارج مخرج المثل، كقولهم: فقلت لصاحبي، و يا صاحبي، و هذا عندي أقوى الوجوه، انتهى. و لا يبعد أن يقال: إن قوله (عليه السلام): فإن جاء الجد فهو ليث غاد إلى آخره لا يقتضي الشجاعة و البسالة في الحرب، بل المراد الوصف بالتصلب في ذات الله، و ترك المداهنة في أمر الدين و إظهار الحق بل في العدول عن لفظ الحرب إلى الجد بعد الوصف بالضعف إشعار بذلك، و قد كان أبو ذر معروفا بذلك و إفصاحه عن فضائح بني أمية في أيام عثمان و تصلبه في إظهار الحق أشهر من أن يحتاج إلى البيان، و قال الشارح ابن ميثم: ذكر هذا الفصل ابن المقفع في أدبه، و نسبه إلى الحسن بن علي (عليهما السلام)، و المشار إليه قيل: هو أبو ذر الغفاري، و قيل: هو عثمان بن مظعون، انتهى. و أقول: لا يبعد أن يكون المراد به أباه (عليه السلام) عبر هكذا لمصلحة. " و كان رأس ما عظم به في عيني" أي و كان أقوى و أعظم الصفات التي صارت أسبابا لعظمته في عيني، فإن الرأس أشرف ما في البدن، و في القاموس: الرأس أعلى كل شيء، و الصغر وزان عنب و قفل خلاف الكبر، و بمعنى الذل و الهوان، و هو خبر كان، و فاعل عظم ضمير الأخ و ضمير به عائد إلى الموصول، و الباء للسببية، و في النهج و كان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، و في القاموس: الصغر كعنب خلاف العظم، صغر ككرم و فرح صغارة و صغرا كعنب و صغرا محركة و صغره و أصغره جعله صغيرا، و الصاغر الراضي بالذل، و الجمع صغرة ككتبة و قد صغر ككرم صغرا كعنب و صغرا بالضم و أصغره جعله صاغرا و استصغره عده صغيرا. انتهى. سُلْطَانِ بَطْنِهِ فَلَا يَشْتَهِي مَا لَا يَجِدُ وَ لَا يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ " كان خارجا" و في النهج: و كان من سلطان بطنه، أي سلطنته كناية عن شدة الرغبة في المأكول و المشروب كما و كيفا ثم ذكر (عليه السلام) لذلك علامتين حيث قال: فلا يشتهي ما لا يجد، و في النهج: فلا يتشهى، و يقال: تشهي فلان إذا اقترح شهوة بعد شهوة و هو أنسب" و لا يكثر" أي في الأكل" إذا وجد" و الإكثار من الشيء الإتيان بالكثير منه، و المراد به إما الاقتصار على ما دون الشبع أو ترك الإفراط في الأكل أو ترك الإسراف في تجويد المأكول و المشروب. " كان خارجا من سلطان فرجه" أي لم يكن لشهوة فرجه عليه سلطنة بأن توقعه في المحرمات أو الشبهات و المكروهات، فذكر لذلك أيضا علامتين فقال:" فلا يستخف له عقله و لا رأيه" في القاموس: استخفه ضد استثقله و فلانا عن رأيه حمله على الجهل و الخفة و أزاله عما كان عليه من الصواب، و قال الراغب:" فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ" أي حملهم على أن يخفوا معه أو وجدهم خفافا في أبدانهم و عزائمهم، و قيل: معناه وجدهم طائشين، و قوله عز و جل:" وَ لٰا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لٰا يُوقِنُونَ" أي لا يزعجنك و يزيلنك عن اعتقادك بما يوقعون من الشبه، و قال البيضاوي في قوله سبحانه:" فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ" فطلب منهم الخفة في مطاوعته أو فاستخف أحلامهم، و قال في قوله تعالى:" وَ لٰا يَسْتَخِفَّنَّكَ" و لا يحملنك على الخفة و القلق" الَّذِينَ لٰا يُوقِنُونَ" بتكذيبهم و إيذائهم. و أقول: هذه الفقرة تحتمل وجوها:" الأول" أن يكون المستتر في فلا يستخف راجعا إلى الفرج، و الضمير في" له" راجعا إلى الأخ، و يكون عقله و رأيه منصوبين أي كان لا تجعل شهوة الفرج عقله و رأيه خفيفين مطيعين لها. الثاني: أن يكون الضمير في يستخف راجعا إلى الأخ، و في" له" إلى الفرج فَرْجِهِ- فَلَا يَسْتَخِفُّ لَهُ عَقْلَهُ وَ لَا رَأْيَهُ- كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ الْجَهَالَةِ فَلَا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَّا عَلَى ثِقَةٍ لِمَنْفَعَةٍ كَانَ لَا يَتَشَهَّى وَ لَا يَتَسَخَّطُ وَ لَا يَتَبَرَّمُ كَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَمَّاتاً فَإِذَا قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ كَانَ لَا يَدْخُلُ فِي مِرَاءٍ وَ لَا يُشَارِكُ فِي دَعْوَى وَ لَا يُدْلِي بِحُجَّةٍ أي لا يجعل عقله و رأيه أو لا يجدهما خفيفين سريعين في قضاء حوائج الفرج. الثالث: أن يقرأ يستخف على بناء المجهول، و عقله و رأيه مرفوعين و ضمير له إما راجع إلى الأخ أو إلى الفرج، و ما قيل: إن يستخف على بناء المعلوم و عقله و رأيه مرفوعان و ضمير له للأخ فلا يساعده ما مر من معاني الاستخفاف. " كان خارجا من سلطان الجهالة" بفتح الجيم و هي خلاف العلم و العقل" فلا يمد يده" أي إلى أخذ شيء، كناية عن ارتكاب الأمور" إلا على ثقة" و اعتماد بأنه ينفعه نفعا عظيما في الآخرة أو في الدنيا أيضا إذا لم يضر بالآخرة" كان لا- يتشهى" أي لا يكثر شهوة الأشياء كما مر" و لا يتسخط" أي لا يسخط كثيرا لفقد المشتهيات أو لا يغضب لإيذاء الخلق له أو لقلة عطائهم، في القاموس: السخط بالضم و كعنق و جبل ضد الرضا، و قد سخط كفرح و أسخطه أغضبه و تسخطه تكرهه و عطاءه استقله و لم يقع منه موقعا" و لا يتبرم" أي لا يمل و لا يسأم من من حوائج الخلق و كثرة سؤالهم و سوء معاشرتهم، في القاموس: البرم السأمة و الضجر، و أبرمه فبرم كفرح و تبرم أمله فمل. " كان أكثر دهره" أي عمره، و أكثر منصوب على الظرفية" صماتا" بفتح الصاد و تشديد الميم، و قرأ بضم الصاد و تخفيف الميم مصدرا فالحمل على المبالغة. و في النهج: صامتا فإن قال بذ القائلين و نقع غليل السائلين، قال في النهاية: في الحديث بذ القائلين أي سبقهم و غلبهم، يبذهم بذا، انتهى. و نقع الماء العطش أي سكنه، و الغليل مرارة العطش، و يمكن أن يكون البذ بالفصاحة و النقع بالعلم و الجواب الشافي" كان لا يدخل في مراء" أي مجادلة في العلوم للغلبة و إظهار الكمال، قال في المصباح: ماريته أمارية مماراة و مراء حَتَّى يَرَى قَاضِياً وَ كَانَ لَا يَغْفُلُ عَنْ إِخْوَانِهِ وَ لَا يَخُصُّ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ دُونَهُمْ كَانَ ضَعِيفاً جادلته، و يقال ماريته أيضا إذا طعنت في قوله تزييفا للقول و تصغيرا للقائل، و لا يكون المراء إلا اعتراضا" و لا يشارك في دعوى" أي في دعوى غيره لإعانته أو وكالة عنه" و لا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا" في المصباح: أدلى بحجة أثبتها فوصل بها إلى دعواه، و في القاموس: أدلى بحجته أحضرها، و إليه بماله دفعه، و منه" وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ". أقول: و في النهج حتى يأتي قاضيا، و هذه الفقرة تحتمل وجوها:" الأول" ما ذكره بعض شراح النهج أي لا يدلي بحجته حتى يجد قاضيا، و هو من فضيلة العدل في وضع الأشياء مواضعها، انتهى. و أقول: المعنى أنه ليس من عادته إذا ظلمه أحد أن يبث الشكوى عند الناس، كما هود أب أكثر الخلق، بل يصير إلى أن يجد حاكما يحكم بينه و بين خصمه، و ذلك في الحقيقة يؤول إلى الكف عن فضول الكلام و التكلم في غير موضعه. الثاني: أن يكون المراد أنه يصبر على الظلم و يؤخر المطالبة إلى يوم القيامة فالمراد بالقاضي الحاكم المطلق، و هو الله سبحانه أو لا ينازع الأعداء إلا عند زوال التقية فالمراد بالقاضي الإمام الحق النافذ الحكم. الثالث: أن يكون المراد نفي إتيانه القاضي لكفه عن المنازعة و الدعوى و صبره على الظلم أي لا ينشئ دعوى و لا يأتي بحجة حتى يحتاج إلى إتيان القاضي. الرابع: ما ذكره بعض الأفاضل حيث قرأ يرى على بناء الأفعال، و فسر القاضي بالبرهان القاطع الفاصل بين الحق و الباطل أي كان لا يتعرض للدعوى إلا أن يظهر حجة قاطعة و لعله أخذه من قول الفيروزآبادي: القضاء الحتم و البيان و سم قاض قاتل و لا يخفى بعده مع عدم موافقته لما في النهج. " و كان لا يغفل عن إخوانه" أي كان يتفقد أحوالهم في جميع الأحوال كتفقد الأهل و العيال" و لا يخص نفسه" بشيء من الخيرات" دونهم" بل كان يجعلهم شركاء مُسْتَضْعَفاً- فَإِذَا جَاءَ الْجِدُّ كَانَ لَيْثاً عَادِياً كَانَ لَا يَلُومُ أَحَداً فِيمَا يَقَعُ الْعُذْرُ فِي مِثْلِهِ لنفسه فيما خوله الله و يحب لهم ما يحب لنفسه، و يكره لهم ما يكره لنفسه" كان ضعيفا مستضعفا" أي فقيرا منظورا إليه بعين الذلة و الفقر كما قيل، أو ضعيفا في القوة البدنية خلقة، و لكثرة الصيام و القيام" مستضعفا" أي في أعين الناس للفقر و الضعف و قلة الأعوان، يقال: استضعفه أي عده ضعيفا و قال بعض شراح النهج: استضعفه أي عده ضعيفا و وجده ضعيفا و ذلك لتواضعه و إن كان قويا. " و إذا جاء الجد كان ليثا عاديا" في أكثر النسخ بالعين المهملة و في بعضها بالمعجمة، و في النهاية فيه: ما ذئبان عاديان، العادي الظالم الذي يفترس الناس، انتهى. و الجد بالكسر ضد الهزل، و الاجتهاد في الأمر و المراد به هنا المحاربة و المجاهدة، و في النهج: فإن جاء الجد فهو ليث غاد، وصل واد، و في أكثر نسخه غاد بالمعجمة من غدا عليه أي بكر، و قال بعض شارحيه: الوصف بالغادي لأنه إذا غدا كان جائعا فصولته أشد و المناسب حينئذ أن يكون ليث منونا و في النسخ ليث غاد بالإضافة فكأنه من إضافة الموصوف إلى الصفة، و في بعض نسخه بالمهملة كما مر، و في بعضها غاب بالباء الموحدة بعد الغين المعجمة و هو الأجمة، و يسكنها الأسد و المناسب حينئذ الإضافة، و قال الجوهري: الصل بالكسر الحية التي لا تنفع منها الرقية يقال: أنها لصل صفا إذا كانت منكرة مثل الأفعى، و يقال للرجل إذا كان داهيا منكرا إنه لصل أصلال أي حية من الحيات و أصله في الحيات شبه الرجل بها، انتهى. و ذكر الوادي لأن الأودية لانخفاضها تشتد فيها الحرارة فيشتد السم في حيتها. " كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا" فيما يقع العذر حَتَّى يَرَى اعْتِذَاراً كَانَ يَفْعَلُ مَا يَقُولُ وَ يَفْعَلُ مَا لَا يَقُولُ كَانَ إِذَا ابْتَزَّهُ أَمْرَانِ أي فيما يمكن أن يكون له فيه عذر، و في كلمة المثل إشعار بعدم العلم بكون فاعله معذورا إذ من الجائز أن يكون الفاعل غير معذور فيجب التوقف حتى يسمع الاعتذار و يظهر الحق فإن لم يكن عذره مقبولا لأمه، و يحتمل أن يكون حتى للتعليل أي كان لا يلومه بل يتفحص العذر حتى يجد له عذرا و لو على سبيل الاحتمال، و في النهج: و كان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره، و في بعض النسخ على ما لا يجد بزيادة حرف النفي، فالمعنى لا يلوم على أمر لا يجد فيه عذرا بمجرد عدم الوجدان إذ يحتمل أن يكون له عذر لا يخطر بباله" و كان يفعل ما يقول و يفعل ما لا يقول" أي يفعل ما يأمر غيره به من الطاعات، إشارة إلى قوله تعالى:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ". و قد قيل: إن المعنى لم لا تفعلون ما تقولون؟ فإنه إذا قال و لم يفعل فعدم الفعل قبيح لا القول، و يفعل من الخيرات و الطاعات ما لا يقوله لمصلحة تقية أو عدم انتهاز فرصة أو عدم وجدان قابل كما قال تعالى:" فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرىٰ" كذا فهمه الأكثر، و يخطر بالبال أنه يحسن إلى غيره سواء وعده الإحسان أو لم يعده، كما فسرت الآية المتقدمة في كثير من الأخبار بخلف الوعد، و في النهج و كان يقول ما يفعل و لا يقول ما لا يفعل، و في بعض نسخة في الأول و كان يفعل ما يقول. " كان إذا ابتزه أمران" كذا في أكثر النسخ بالباء الموحدة و الزاي على بناء الافتعال، أي استلبه و غلبه و أخذه قهرا كناية عن شدة ميلة إليهما و حصول الدواعي في كل منهما، في القاموس: البز الغلبة و أخذ الشيء بجفاء و قهر كالابتزاز، و بزبز الشيء سلبه كابتزه، و لا يبعد أن يكون في الأصل انبراه بالنون و الباء الموحدة على الحذف و الإيصال، أي اعترض له، و في النهج و كان إذا بدهه أمران نظر أيهما لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا أَفْضَلُ نَظَرَ إِلَى أَقْرَبِهِمَا إِلَى الْهَوَى فَخَالَفَهُ كَانَ لَا يَشْكُو وَجَعاً إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَرْجُو عِنْدَهُ الْبُرْءَ وَ لَا يَسْتَشِيرُ إِلَّا مَنْ يَرْجُو عِنْدَهُ النَّصِيحَةَ كَانَ لَا يَتَبَرَّمُ أقرب إلى الهوي فخالفه، يقال: بدهه أمر كمنعه أي بغتة و فاجأه. و هذا الكلام يحتمل معنيين: الأول أن يكون المعنى إذا عرضت له طاعتان كان يختار أشقهما على نفسه لكونها أكثر ثوابا كالوضوء بالماء البارد و الحار في الشتاء، كما ورد ذلك في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام). و الثاني: أن يكون معيارا لحسن الأشياء و قبحها، كما إذا ورد عليه فعل لا يدري فعله أفضل أو تركه فينظر إلى نفسه فكلما تهواه يخالفها كما ورد: لا تترك النفس و هواها، و هذا هو الغالب لكن جعلها قاعدة كلية كما يقوله المتصوفة مشكل كما نقل عن بعضهم أنه مر بعذرة فعرضها على نفسه فأبت فأكلها، و الظاهر أن أكلها عين هواها لتعده الرعاع من الناس شيخا كاملا. " إلا عند من يرجو عنده البرء" أي ربه تعالى فإنه الشافي حقيقة، أو المراد به الطبيب الحاذق الذي يرجو بمعالجته البرء، فإنه ليس بشكاية، بل هو طلب لعلاجه فالاستثناء منقطع، و في النهج: و كان لا يشكو وجعا إلا عند برئه أي يحكيه بعد البرء للشكر، و التحدث بنعمة الله، فالاستثناء منقطع أو أطلقت الشكاية عليها على المشاكلة، و قيل: أي كان يكتم مرضه عن إخوانه لئلا يتجشموا زيارته. " و لا يستشير" في المصباح: شاورته في كذا و استشرته راجعته لأرى رأيه فيه فأشار علي بكذا، أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إشارته حسنة، و الاسم المشورة، و فيه لغتان سكون الشين و فتح الواو، و الثانية ضم الشين و سكون الواو وزان معونة، و يقال: هي من شار الدابة إذا عرضه في المشوار، و يقال: من أشرت العسل، شبه حسن النصيحة بشرى العسل. " إلا من يرجو عنده النصيحة" أي خلوص الرأي و عدم الغش و كمال وَ لَا يَتَسَخَّطُ وَ لَا يَتَشَكَّى وَ لَا يَتَشَهَّى وَ لَا يَنْتَقِمُ وَ لَا يَغْفُلُ عَنِ الْعَدُوِّ فَعَلَيْكُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ إِنْ أَطَقْتُمُوهَا فَإِنْ لَمْ تُطِيقُوهَا كُلَّهَا فَأَخْذُ الْقَلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْكَثِيرِ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · المؤمن و علاماته و صفاته أقول: كان المراد بالمؤمن الكامل أو المراد بها الصفات التي ينبغي أن يكون المؤمن متصفا بها.