عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَ لَهُ أُذُنَانِ عَلَى إِحْدَاهُمَا مَلَكٌ مُرْشِدٌ وَ عَلَى الْأُخْرَى شَيْطَانٌ مُفْتِنٌ هَذَا يَأْمُرُهُ وَ هَذَا يَزْجُرُهُ الشَّيْطَانُ يَأْمُرُهُ بِالْمَعَاصِي وَ الْمَلَكُ يَزْجُرُهُ عَنْهَا باب أن للقلب أذنين ينفث فيهما الملك و الشيطان الحديث الأول: حسن كالصحيح. اعلم أن معرفة القلب و حقيقته و صفاته مما خفي على أكثر الخلق و لم يبين أئمتنا (عليهم السلام) ذلك إلا بكنايات و إشارات، و الأحوط لنا أن نكتفي من ذلك بما بينوه لنا من صلاحه و فساده و آفاته و درجاته، و نسعى في تكميل هذه الخلقة العجيبة و اللطيفة الربانية و تهذيبها عن الصفات الذميمة الشيطانية و تحليتها بالأخلاق الملكية الروحانية لنستعد بذلك للعروج إلى أعلى مدارج الكمال و إفاضة المعارف من حضرة ذي الجلال، و لا يتوقف ذلك على معرفة حقيقة القلب ابتداء فإنه لو كان متوقفا على ذلك لأوضح موالينا و أئمتنا (عليهم السلام) لنا ذلك بأوضح البيان و حيث لم يبينوا ذلك لنا فالأحوط بنا أن نسكت عما سكت عنه الكريم المنان. لكن نذكر هنا بعض ما قيل في هذا المقام و نكتفي بذلك و الله المستعان. فاعلم أن المشهور بين الحكماء و من يسلك مسلكهم أن المراد بالقلب النفس الناطقة و هي جوهر روحاني متوسط بين العالم الروحاني الصرف و العالم الجسماني يفعل فيما دونه و ينفعل عما فوقه، و إثبات الأذن له على الاستعارة و التشبيه، قال بعض المحققين: القلب شرف الإنسان و فضيلته التي بها فاق جملة من أصناف الخلق باستعداده لمعرفة الله سبحانه، التي في الدنيا جماله و كماله و فخره، و في الآخرة عدته وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمٰالِ قَعِيدٌ مٰا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلّٰا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ و ذخره، و إنما استعد للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه، فالقلب هو العالم بالله، و هو عامل لله و هو الساعي إلى الله و هو المتقرب إليه، و إنما الجوارح أتباع له و خدم و آلات يستخدمها القلب، و يستعملها استعمال الملك للعبيد و استخدام الراعي للرعية، و الصانع للآلة، و القلب هو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله، و هو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقا بغير الله، و هو المطالب و المخاطب و هو المثاب و المعاقب و هو الذي يستسعد بالقرب من الله تعالى فيفلح إذا زكاه، و هو الذي يخيب و يشقي إذا دنسه و دساه، و هو المطيع لله بالحقيقة. و إنما الذي ينتشر على الجوارح من العبادات أنواره و هو المعاصي المتمرد على الله، و إنما الساري على الأعضاء من الفواحش آثاره و بإظلامه و استنارته تظهر محاسن الظاهر و مساويه، إذ كل إناء يترشح بما فيه، و هو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه، و إذا عرف نفسه فقد عرف ربه، و هو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه، و إذا جهل نفسه فقد جهل ربه، و من جهل بقلبه فهو بغيره أجهل. و أكثر الخلق جاهلون بقلوبهم و أنفسهم و قد حيل بينهم و بين أنفسهم، فإن الله يحول بين المرء و قلبه، و حيلولته بأن لا يوفقه لمشاهدته و مراقبته و معرفة صفاته و كيفية تقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن، و أنه كيف يهوي مرة إلى أسفل السافلين و ينخفض إلى أفق الشياطين و كيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين، و يرتقي إلى عالم الملائكة المقربين، و من لم يعرف قلبه ليراقبه و يراعيه و يترصد ما يلوح من خزائن الملكوت عليه و فيه فهو ممن قال الله تعالى فيه:" وَ لٰا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللّٰهَ فَأَنْسٰاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ" فمعرفة القلب و حقيقة أوصافه أصل الدين و أساس طريق السالكين. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن النفس و الروح و القلب و العقل ألفاظ متقاربة المعاني فالقلب يطلق لمعنيين أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر، و هو لحم مخصوص و في باطنه تجويف، و في ذلك التجويف دم أسود و هو منبع الروح و معدنه، و هذا القلب موجود للبهائم بل هو موجود للميت، و المعنى الثاني هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق، و قد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته فإن تعلقها به يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام و الأوصاف بالموصوفات أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان، و تحقيقه يقتضي إفشاء سر الروح و لم يتكلم فيه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فليس لغيره أن يتكلم فيه. و الروح أيضا يطلق على معنيين أحدهما جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، و ينتشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن، و جريانها في البدن و فيضان أنوار الحياة و الحس و السمع و البصر و الشم منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا الدار، فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا و يستنير به فالحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان، و الروح مثالها السراج، و سريان الروح و حركتها في الباطن مثاله مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه، و الأطباء إذا أطلقوا اسم الروح أرادوا به هذا المعنى، و هو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب. و المعنى الثاني هو اللطيفة الربانية العالمة المدركة من الإنسان، و هو الذي شرحناه في أحد معنيي القلب، و هو الذي أراده الله تعالى بقوله:" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي" و هو أمر عجيب رباني يعجز أكثر العقول و الأفهام عن درك كنه حقيقته. و النفس أيضا مشترك بين معاني، و ما يتعلق بغرضنا منه معنيان: أحدهما: أن يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب و الشهوة في الإنسان، و هذا الاستعمال هو الغالب على الصوفية، لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون لا بد من مجاهدة النفس و كسرها، و إليه الإشارة بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، المعنى الثاني: هو اللطيفة التي ذكرناها، التي هو الإنسان في الحقيقة، و هي نفس الإنسان و ذاته، و لكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها، فإذا سكنت تحت الأمر و زايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة، قال تعالى:" يٰا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةً" فالنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله فإنها مبعدة عن الله تعالى، و هو من حزب الشيطان، و إذا لم يتم سكونها و لكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية و معترضة عليها سميت النفس اللوامة، لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاها، قال الله تعالى:" وَ لٰا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّٰامَةِ" و إن تركت الاعتراض و أذعنت و أطاعت مقتضى الشهوات و دواعي الشيطان، سميت النفس الأمارة بالسوء قال الله تعالى إخبارا عن يوسف (عليه السلام):" وَ مٰا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّٰارَةٌ بِالسُّوءِ" و قد يجوز أن يقال: الأمارة بالسوء هي النفس بالمعنى الأول. فإذا النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم و بالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الإنسان أي ذاته و حقيقته العالمة بالله تعالى و بسائر المعلومات. و العقل أيضا مشتركة لمعان مختلفة، و المناسب هنا معنيان: أحدهما: العلم بحقائق الأمور أي صفة العلم الذي محله القلب، و الثاني أنه قد يطلق و يراد به المدرك المعلوم، فيكون هو القلب أعني تلك اللطيفة. فإذا قد انكشف لك أن معاني هذه الأسامي موجودة و هو القلب الجسماني، و الروح الجسماني، و النفس الشهوانية و العقل العلمي، و هذه أربعة معان يطلق عليها الألفاظ الأربعة، و معنى خامس و هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان، فالألفاظ الأربعة بجملتها يتوارد عليها، فالمعاني خمسة و الألفاظ أربعة، و كل لفظ أطلق لمعنيين، و أكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف هذه الألفاظ و تواردها، فتراهم يتكلمون في الخواطر، و يقولون هذا خاطر العقل، و هذا خاطر الروح، و هذا خاطر النفس، و هذا خاطر القلب، و ليس يدري الناظر اختلاف معاني الأسماء. و حيث ورد في الكتاب و السنة لفظ القلب، فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان، و يعرف حقيقة الأشياء، و قد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر، لأن بين تلك اللطيفة و بين جسم القلب علاقة خاصة، فإنها و إن كانت متعلقة بسائر البدن و مستعملة له، و لكنها تتعلق به بواسطة القلب، فتعلقها الأول بالقلب فكأنه محلها و مملكتها و عالمها و مطيتها، و لذا شبه القلب بالعرش و الصدر بالكرسي. ثم قال في بيان تسلط الشيطان على القلب: اعلم أن القلب مثال قبة لها أبواب تنصب إليها الأحوال من كل باب، و مثاله أيضا مثال هدف تنصب إليه السهام من الجوانب، أو هو مثال مرآة منصوبة يجتاز عليها أنواع الصور المختلفة، فيتراءى فيها صورة بعد صورة و لا يخلو عنها، أو مثال حوض ينصب إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة إليه، و إنما مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب في كل حال، أما من الظاهر فالحواس الخمس و أما من الباطن فالخيال و الشهوة و الغضب و الأخلاق المركبة في مزاج الإنسان، فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب، و إن كف عن الإحساس و الخيالات الحاصلة في النفس تبقى و ينتقل الخيال من شيء إلى شيء، و بحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال، و المقصود أن القلب في التقلب و التأثر دائما من هذه الآثار، و أخص الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر، و أعني بالخواطر ما يعرض فيه من الأفكار و الأذكار، و أعني به إدراكاته علوما إما على سبيل التجدد و إما على سبيل التذكر، فإنها تسمى خواطر من حيث إنها تخطر بعد أن كان القلب غافلا عنها، و الخواطر هي المحركات للإرادات فإن النية و العزم و الإرادة إنما تكون بعد خطور المنوي بالبال لا محالة، فمبدأ الأفعال الخواطر، ثم الخاطر يحرك الرغبة، و الرغبة تحرك العزم و يحرك العزم النية، و النية تحرك الأعضاء. و الخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني ما يضر في العاقبة و إلى ما يدعو إلى الخير أعني ما ينفع في الآخرة، فهما خاطران مختلفان، فافتقر إلى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى إلهاما، و الخاطر المذموم أعني الداعي إلى الشر يسمى وسواسا، ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة و كل حادث لا بد له من سبب، و مهما اختلفت الحوادث دل على اختلاف الأسباب. هذا ما عرف من سنة الله عز و جل في ترتيب المسببات على الأسباب، فمهما استنار حيطان البيت بنور النار و أظلم سقفه و أسود بالدخان، علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة، كذلك لأنوار القلب و ظلماته سببان مختلفان، فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا و سبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا، و اللطف الذي به يتهيأ القلب لقبول إلهام الملك يسمى توفيقا، و الذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى إغواء و خذلانا، فإن المعاني المختلفة تفتقر إلى أسامي مختلفة، و الملك عبارة عن خلق خلقه الله شأنه إفاضة الخير و إفادة العلم و كشف الحق و الوعد بالمعروف، و قد خلقه الله و سخره لذلك، و الشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك، و هو الوعد بالشر و الأمر بالفحشاء و التخويف عند الهم بالخير بالفقر، و الوسوسة في مقابلة الإلهام، و الشيطان في مقابلة الملك، و التوفيق في مقابلة الخذلان، و إليه الإشارة بقوله تعالى:" وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنٰا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ". فإن الموجودات كلها متقابلة مزدوجة إلا الله تعالى فإنه لا مقابل له، بل هو الواحد الحق الخالق للأزواج كلها، و القلب متجاذب بين الشيطان و الملك، فقد قال (صلى الله عليه و آله و سلم): للقلب لمتان لمة من الملك إيعاد بالخير، و تصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، و لمة من العدو إيعاد بالشر و تكذيب بالحق و نهي عن الخير، فمن وجد ذلك فليتعوذ من الشيطان ثم تلا:" الشَّيْطٰانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ" الآية. و لتجاذب القلب بين هاتين اللمتين قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، و الله سبحانه منزه عن أن يكون له إصبع مركبة من دم و لحم و عظم ينقسم بالأنامل، و لكن روح الإصبع سرعة التقليب و القدرة على التحريك و التغيير، فإنك لا تريد إصبعك لشخصها بل لفعلها في التقليب و الترديد، و كما أنك تتعاطى الأفعال بأصابعك فالله تعالى إنما يفعل ما يفعله باستسخار الملك و الشيطان، و هما مسخران بقدرته في تقليب القلوب كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا، و القلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملائكة و لقبول آثار الشياطين صلاحا متساويا، ليس يترجح أحدهما على الآخر، و إنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى و الإكباب على الشهوات أو الإعراض عنها و مخالفتها، فإن اتبع الإنسان مقتضى الشهوة و الغضب ظهر تسلط الشيطان بواسطة الهوى، و صار القلب عش الشيطان و معدنه، لأن الهوي هو مرعى الشيطان و مرتعه، و إن جاهد الشهوات و لم يسلطها على نفسه و تشبه بأخلاق الملائكة صار قلبه مستقر الملائكة و مهبطهم، و لما كان لا يخلو قلب عن شهوة و غضب و حرص و طمع و طول أمل إلى غير ذلك من صفات البشرية المتشعبة عن الهوى لا جرم لم يخل قلب عن أن يكون للشيطان فيه جولان بالوسوسة، و لذلك قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ما منكم من أحد إلا و له شيطان قالوا: و لا أنت يا رسول الله؟ قال: و لا أنا إلا أن الله عز و جل أعانني عليه فأسلم فلم يأمرني إلا بخير. و إنما كان هذا لأن الشيطان لا يتصرف إلا بواسطة الشهوة، فمن أعانه الله على شهوته حتى صار لا ينبسط إلا حيث ينبغي و إلى الحد الذي ينبغي، فشهوته لا تدعوه إلى الشر، فالشيطان المتدرع بها لا يأمر إلا بالخير، و مهما غلب على القلب ذكر الدنيا و متقضيات الهوى وجد الشيطان مجالا فوسوس، و مهما انصرف القلب إلى ذكر الله تعالى ارتحل الشيطان و ضاق مجالة و أقبل الملك و ألهم، فالتطارد بين جندي الملائكة و الشيطان في معركة القلب دائم إلى أن ينفتح القلب لأحدهما فيسكن و يستوطن، و يكون اجتياز الثاني اختلاسا، و أكثر القلوب قد فتحها جنود الشيطان و ملكوها، فامتلأت بالوساوس الداعية إلى إيثار العاجلة و اطراح الآخرة، و مبدء استيلائها اتباع الهوى، و لا يمكن فتحها بعد ذلك إلا بتخلية القلب عن قوت الشيطان و هو الهوى و الشهوات، و عمارته بذكر الله إذ هو مطرح أثر الملائكة، و لذلك قال الله تعالى:" إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ". و كل من اتبع الهوى فهو عبد الهوى لا عبد الله، فلذلك تسلط عليه الشيطان و قال تعالى:" أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ" إشارة إلى أن الهوى إلهه و معبوده فهو عبد الهوى لا عبد الله، و لا يمحو وسوسة الشيطان عن القلب إلا ذكر شيء سوى ما يوسوس به، لأنه إذا حضر في القلب ذكر شيء انعدم عنه ما كان فيه من قبل، و لكن كل شيء سوى ذكر الله و سوى ما يتعلق به، فيجوز أن يكون أيضا مجالا للشيطان، فذكر الله سبحانه هو الذي يؤمن جانبه، و يعلم أنه ليس للشيطان فيه مجال، و لا يعالج الشيطان إلا بضده و ضد جميع وساوس الشيطان ذكر الله تعالى، و الاستعاذة به و التبري عن الحول و القوة، و هو معنى قولك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، و ذلك لا يقدر عليه إلا المتقون الذين الغالب عليهم ذكر الله، و إنما الشيطان يطوف بقلوبهم في أوقات الفلتات على سبيل الخلسة، قال الله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذٰا مَسَّهُمْ طٰائِفٌ مِنَ الشَّيْطٰانِ تَذَكَّرُوا فَإِذٰا هُمْ مُبْصِرُونَ" و قال مجاهد في قوله:" مِنْ شَرِّ الْوَسْوٰاسِ الْخَنّٰاسِ" قال: هو منبسط على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله سبحانه خنس و انقبض، و إذا غفل انبسط على عقله فالتطارد بين ذكر الله و وسوسة الشيطان كالتطارد بين النور و الظلام و بين الليل و النهار، و لتطاردهما قال الله تعالى:" اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطٰانُ فَأَنْسٰاهُمْ ذِكْرَ اللّٰهِ" و في الحديث: أن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله خنس و إن نسي الله التقم قلبه. و كما أن الشهوات ممتزجة بلحم الآدمي و دمه فسلطنة الشيطان أيضا سارية في لحمه و دمه و محيطة بالقلب من جوانبه، و لذا قال (صلى الله عليه و آله و سلم): إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع، و ذلك لأن الجوع يكسر الشهوة و مجرى الشيطان الشهوات و لأجل اكتناف الشهوات للقلب من جوانبه قال الله تعالى إخبارا عن إبليس:" لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمٰانِهِمْ وَ عَنْ شَمٰائِلِهِمْ" و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال له: أ تسلم و تترك دينك و دين آبائك فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أ تهاجر و تدع أرضك و نساءك فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: أ تجاهد و هو تلف النفس و المال فتقاتل فتقتل فتنكح نساؤك و تقسم مالك فعصاه فجاهد، قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): فمن فعل ذلك فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة فقد ذكر (صلى الله عليه و آله و سلم) معنى الوسوسة فإذا الوسواس معلوم بالمشاهدة، و كل خاطر فله سبب و يفتقر إلى اسم تعرفه، فاسم سببه الشيطان و لا يتصور أن ينفك عنه آدمي و إنما يختلفون بعصيانه و متابعته، و لذا قال (صلى الله عليه و آله و سلم): ما من أحد إلا و له شيطان. و قد اتضح بهذا النوع من الاستبصار معنى الوسوسة و الإلهام و الملك و الشيطان و التوفيق و الخذلان، فبعد هذا نظر من ينظر في ذات الشيطان، و أنه جسم لطيف أو ليس بجسم، و إن كان جسما فكيف يدخل في بدن الإنسان ما هو جسم، فهذا الآن غير محتاج إليه في علم المعاملة، بل مثال الباحث عن هذا كمثال من دخل في ثوبه حية و هو محتاج إلى دفع ضرارتها، فاشتغل بالبحث عن لونها و طولها و عرضها، و ذلك عين الجهل لمصادفة الخواطر الباعثة على الشرور، و قد علمت، و دل ذلك على أنه عن سبب لا محالة، و علم أن الداعي إلى الشر المحذور المستقبل عدو فقد عرف العدو فينبغي أن يشتغل بمجاهدته. و قد عرف الله سبحانه عداوته في مواضع كثيرة من كتابه ليؤمن به و يحترز عنه فقال تعالى:" إِنَّ الشَّيْطٰانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمٰا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحٰابِ السَّعِيرِ" و قال تعالى:" أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لٰا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ" فينبغي للعبد أن يشتغل بدفع العدو عن نفسه لا بالسؤال عن أصله و نسبه و مسكنه، نعم ينبغي أن يسأل عن سلاحه ليدفعه عن نفسه، و سلاح الشيطان الهوى و الشهوات، و ذلك كاف للعالمين، فأما معرفة صفة ذاته و حقيقة الملائكة فذلك ميدان العارفين المتغلغلين في علوم المكاشفات، و لا يحتاج في المعاملة إلى معرفته" إلى آخر ما حققه في هذا المقام". و أقول: ما ذكره أن دفع الشيطان لا يتوقف على معرفته حق لكن تأويل الملك و الشيطان بما أومأ إليه في هذا المقام و صرح به في غيره مع تصريح الكتاب بخلافه جرأة على الله تعالى و على رسوله، كما حققناه في كتابنا الكبير و التوكل على الله العليم الخبير، و إنما بسطنا الكلام في هذا المقام ليسهل عليك فهم الأخبار الماضية و الآتية. " و شيطان مفتن" بكسر التاء المشددة أو المخففة أي مضل، في القاموس: الفتنة بالكسر الخبرة و إعجابك بالشيء، فتنة يفتنه فتنا و فتونا و افتنه، و الضلال و الإثم و الكفر و الفضيحة و العذاب، و إذابة الذهب و الفضة، و الإضلال و الجنون و المحنة، و اختلاف الناس في الآراء، و فتنة يفتنه أوقعه في الفتنة كفتنه و افتنه. قال سبحانه:" إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيٰانِ" قال البيضاوي: مقدر بأذكر، أو متعلق بأقرب، يعني في قوله:" وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" أي هو أعلم بحاله من كل قريب حين يتلقى أي يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به" عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمٰالِ قَعِيدٌ" أي عن اليمين قعيد و عن الشمال قعيد، أي مقاعد كالجليس، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كقوله:" فإني و قيار بها لغريب" و قيل: يطلق الفعيل للواحد و المتعدد كقوله:" وَ الْمَلٰائِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ"" مٰا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ" ما يرمى به من فيه" إِلّٰا لَدَيْهِ رَقِيبٌ" ملك يرقب عمله" عَتِيدٌ" معد حاضر و لعله يكتب عليه ما فيه ثواب أو عقاب، انتهى.
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ أَنَّ لِلْقَلْبِ أُذُنَيْنِ يَنْفُثُ فِيهِمَا الْمَلَكُ وَ الشَّيْطَانُ