عَنْهُ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ قَالَ كَتَبَ مَعِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَبِي الْحَسَنِ(عليه السلام)يَسْأَلُهُ عَنِ الْكَبَائِرِ كَمْ هِيَ وَ مَا هِيَ فَكَتَبَ الْكَبَائِرُ مَنِ اجْتَنَبَ مَا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ يحتمل أن يكون الكبائر خبر مبتدإ محذوف و التي صفته، أي الكبائر المذكورة في الآية هي هذه فالصفة إما موضحة أو احترازية، و على الأخير لا ينافي كون جميع الذنوب كبائر لكنه بعيد. الحديث الثاني: صحيح. " كتب معي" أي كنت حامل الكتاب" كم هي؟" سؤال عن عددها" و ما هي؟" سؤال عن حقيقتها، و كان الأنسب تقديم الثاني على الأول و لذا عكس (عليه السلام) الترتيب في الجواب" فكتب: الكبائر" أي سألت عن الكبائر أو هو خبر مبتدإ محذوف، بتقدير مضافين، أي هذا بيان حقيقة الكبائر، و الحاصل أنه كتب لفظ الكبائر في صدر الكتاب ليعلم أن ما بعدها متعلق ببيانها كما هو المتعارف في ذكر العنوانات، ثم بين (عليه السلام) حقيقة الكبائر فقال" من اجتنب" فهو مبتدأ و كفر على بناء المعلوم أو المجهول خبره، و يظهر منه بتوسط الآية المتقدمة حقيقة الكبائر فإنه (عليه السلام) ذكر مضمون الآية، و ذكر مكان الكبائر المذكورة في الآية ما وعد الله عليه النار، و الوعد هنا بمعنى الوعيد، ثم بين (عليه السلام) عدد الكبائر بقوله: و السبع الموجبات، بالكسر، و يحتمل الفتح أي السبع الغير المكفرة الموجبات للنار بمقتضى وعيده، فهو مبتدأ و قتل النفس خبره، و هذا أظهر الوجوه في تأويل الخبر و أولها. و ثانيها: أن يكون الكبائر مبتدأ و جملة من اجتنب خبرا، فيكون من باب إقامة المظهر موضع المضمر، لأن حاصله: الكبائر من اجتنبها كفر عنه سائر سيئاته، و إنما عبر كذلك لبيان معنى الكبيرة كما مر. و ثانيها: أن يكون الكبائر مبتدأ و جملة من اجتنب خبرا، فيكون من باب إقامة المظهر موضع المضمر، لأن حاصله: الكبائر من اجتنبها كفر عنه سائر سيئاته، و إنما عبر كذلك لبيان معنى الكبيرة كما مر. و ثالثها: أن يكون الكبائر مبتدأ و من اجتنب خبره بتقدير مضاف، أي ذنوب من اجتنب، فقوله: كفر عنه سيئاته جملة معترضة و السبع الموجبات معطوف على النَّارَ كَفَّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ إِذَا كَانَ مُؤْمِناً وَ السَّبْعُ الْمُوجِبَاتُ قَتْلُ النَّفْسِ الْحَرَامِ وَ عُقُوقُ الخبر عطفا تفسيريا و لا يخفى بعده. و أقول: على هذا الوجه يمكن التقدير في المبتدأ أي مجتنب الكبائر، و على الوجهين تكون من موصولة لا شرطية. و رابعها: ما أفاده الوالد (قدس الله روحه) و هو أنه (عليه السلام) أراد بيان معنيين للكبائر جمعا بين الأخبار النبوية المختلفة الواردة في ذلك، و حاصله أنه قد تطلق الكبيرة على ما يصير اجتنابها سببا لتكفير غيرها و قد تطلق على الذنوب المغلظة التي تخرج فاعلها من الإيمان و يستوجب بها دخول النار، فالحاصل أنه قال (عليه السلام) سألت عن الكبائر فأما في هذه الآية فالمراد بها ما أوعد الله عليه النار، و هي أكثر من السبع كما يظهر من خبر عمرو بن عبيد، و أما الكبائر الموجبة للنار فسبع، و هذا وجه وجيه. و خامسها: ما قيل أن السبع الموجبات عطف على ما وعد الله، أي من اجتنب السبع الموجبات كفر عنه سيئاته، من باب عطف الخاص على العام، لأن الكبائر أكثر منها أو من عطف المفصل على المجمل. " قتل النفس الحرام" يمكن شموله لقتل النفس أيضا، و قتل المعاهد" و عقوق الوالدين" أصل العق الشق، يقال: عق الولد أباه إذا قطع عنه و عصاه و آذاه، و ترك الإحسان إليه، و أما الإيذاء القليل و ترك بعض الحقوق فلا يسمى عقوقا، و إن كان حراما، كما روى الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن إمام لا بأس به في جميع أمره عارف، غير أنه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما، أقرأ خلفه؟ قال: لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا، و قد مر بعض الكلام فيه و سيأتي إنشاء الله. الْوَالِدَيْنِ- وَ أَكْلُ الرِّبَا- وَ التَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَ قَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ وَ أَكْلُ مَالِ " و أكل الربا" الربا لغة الزيادة، و شرعا بيع أحد المتماثلين المقدرين بالكيل أو الوزن في عهد صاحب الشرع (عليه السلام) أو في العادة، بالآخر مع زيادة في أحدهما حقيقة أو حكما، أو اقتراض أحدهما مع الزيادة و إن لم يكونا مقدرين بهما إذا لم يكن باذل الزيادة حربيا، و لم يكن المتعاقدان والدا مع ولده و لا زوجا مع زوجته، و تحريمه ثابت بالنص و الإجماع، و هو من أعظم الكبائر الموبقات، حتى أن الدرهم منه أعظم من سبعين زنية كلها بذات محرم، رواه هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) و التخصيص بالأكل لأنه أعظم ما يكتسب له حقيقة أو عادة، على أنه شاع في عرف العرب و العجم إطلاق الأكل على جميع وجوه التصرفات. " و التعرب بعد الهجرة" قال في النهاية فيه: ثلاث من الكبائر منها التعرب بعد الهجرة، هو أن يعود إلى البادية و يقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا، و كان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد، انتهى. و اعلم أنه اختلف العلماء في أن الهجرة هل تكون بعد فتح مكة أو نسخ وجوبه بعد ذلك كما روي أنه لا هجرة بعد الفتح، و على القول بكونها بعد الفتح ففي أعصار الأئمة الذين جاهدوا كان يجب الهجرة إليهم لنصرتهم، و في أعصار سائر الأئمة (عليهم السلام) كان يجب الهجرة إليهم لعرض الولاية و النصرة عليهم، و تعلم الأحكام منهم، و أما في أعصار الغيبة فالهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، و من بلاد لا يمكن فيها تعلم الأحكام إلى بلاد يتيسر فيها ذلك، فالتعرب ترك الهجرة بعد الإتيان بها، و لا ينافي ذلك قوله تعالى:" فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" لأنه ذكر في الآية وجهان: أحدهما: أن يكون المراد عدم اتفاقهم على النفور إلى الجهاد، بل يجب أن يبقى جماعة عند النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) للتفقه و هو الجهاد الأكبر، فإذا رجع النافرون من الجهاد أنذرهم المتخلفون، و ثانيهما: هو المعنى الظاهر و هو أن ينفر من كل فرقة طائفة فيأتوا النبي أو الإمام (عليهما السلام) للتفقه ثم يرجعوا بعد التفقه إلى قومهم لإنذارهم و تعليمهم، فعلى أول الوجهين عدم التنافي ظاهر، و على الثاني فيمكن أن يقال: التعرب إنما يكون مذموما إذا كان بغير إذن النبي أو الإمام، فإذا كان بإذن يقال: التعرب إنما يكون مذموما إذا كان بغير إذن النبي أو الإمام، فإذا كان بإذن أحدهما للإنذار فلا تعرب، أو يقال التعرب إنما نهي عنه لاستلزامه ترك الدين و البعد عن العلم و الآداب، كما قال تعالى:" الْأَعْرٰابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفٰاقاً وَ أَجْدَرُ أَلّٰا يَعْلَمُوا حُدُودَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ" فإذا كان بعد الكمال في الفقه و العلم لا يكون تعربا، و لذا ورد أن التعرب هو ترك التعلم أو ترك الدين فإن النهي عن التعرب إنما هو لأحدهما و قد مر في كتاب العقل عن أبي عبد الله (عليه السلام): تفقهوا في الدين فإنه من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي، إن الله تعالى يقول في كتابه" لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ". و قد روي في معاني الأخبار عن حذيفة بن منصور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: المتعرب بعد الهجرة التارك لهذا الأمر بعد معرفته. و قال بعض أصحابنا: التعرب بعد الهجرة في زماننا هذا أن يشتغل الإنسان بتحصيل العلم ثم يتركه و يصير منه غريبا. و قال العلامة (قدس سره) في المنتهى: لما نزل قوله تعالى:" أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا" أوجب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) المهاجرة على من يضعف عن إظهار شعائر الإسلام، و اعلم أن الناس في الهجرة على أقسام ثلاثة: أحدها: من يجب عليه و هو من أسلم في بلاد الشرك، و كان مستضعفا فيهم لا يمكنه إظهار دينه و لا عذر له من مرض و غيره، لقوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ الْمَلٰائِكَةُ ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ قٰالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قٰالُوا كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قٰالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا فَأُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً". الثاني: من لا يجب عليه لكن يستحب له المهاجرة و هو من أسلم من المشركين و له عشيرة تحميه عن المشركين، يمكنه إظهار دينه و يكون آمنا على نفسه مع مقامه بين أظهرهم كالعباس، و لهذا بعث النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يوم الحديبية إلى أهل مكة عثمان لأن عشيرته كانت أقوى بمكة، و إنما لم يجب عليه المهاجرة لتمكنه من إظهار دينه و عدم مبالاته بهم، و إنما استحبت له لأن فيه تكثيرا لعددهم، و اختلاطا بهم. الثالث: من لا تجب عليه و لا تستحب له، و هو من كان له عذر يمنعه من المهاجرة من مرض أو ضعف أو عدم نفقة أو غير ذلك، فلا جناح عليه لقوله تعالى:" إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ" و لأنهم غير متمكنين و كانوا بمنزلة المكرهين، فلا إثم عليهم، و لو تجددت له القدرة وجبت عليه المهاجرة. إذا ثبت هذا فإن الهجرة باقية ما دام الشرك باقيا لوجود المقتضي و هو الكفر الذي يعجز معه من إظهار شعائر الإسلام، و لما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، و لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مشرقها، و أما ما روي عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: لا هجرة بعد الفتح، فله تأويلان: أحدهما: أنه أراد لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح، لأن الهجرة قبل الفتح كانت أفضل منها بعد الفتح، و كذا الإنفاق لقوله تعالى:" لٰا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قٰاتَلَ أُولٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قٰاتَلُوا" الثاني: أنه أراد لا هجرة من مكة لأنها صارت دار الإسلام أبدا، انتهى. و أقول: يخطر بالبال أنه يحتمل أن يكون المراد بالتعرب بعد الهجرة اختيار الأعرابية و ترك الهجرة بعد وجوب الهجرة و نزول حكمها كالربا بعد البينة، و على التقادير ترك الهجرة ابتداء أو بعد ارتكابها مما أوعد الله عليه النار، حيث قال:" فَأُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ" الآية. " و قذف المحصنة" أي رميها بالزنا، و كان رمي المحصن به أو باللواط مثله، و التخصيص لكونه أشنع، و يحتمل الاختصاص لورود اللعن و وعيد العذاب، و الحكم بالفسق فيه، و المحصنة العفيفة غير المشهورة بالزنا و ظاهر الخبر شموله لما إذا كان القاذف رجلا أو امرأة، و إن كان ظاهر الآيات التخصيص بالرجال، لكن أجمعوا على أن حكم النساء أيضا في الحد كذلك. قال الطبرسي (ره) في قوله تعالى:" وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ" أي يقذفون العفائف من النساء بالفجور و الزنا" ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمٰانِينَ جَلْدَةً وَ لٰا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهٰادَةً أَبَداً وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ" ثم قال: و الآية وردت في النساء و حكم الرجال حكمهن في ذلك بالإجماع. و قال المحقق الأردبيلي (قدس الله روحه): و الظاهر أن المذكر في الذين غلب كالتأنيث في المحصنات، فلو قذفت امرأة و قذف رجل محصن به يكون الحكم كذلك بالإجماع المنقول في" ن" و غيره. و أقول: كذا الكلام في قوله سبحانه:" الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ الْغٰافِلٰاتِ الْيَتِيمِ وَ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْكَبَائِرِ