الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١٦

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الْغَنَوِيِّ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صلى الله عليه وآله وسلم أن المراد بالشرك ما يشمل التعرب أيضا، فإنه بمنزلة الشرك لا سيما على بعض التأويلات المتقدمة، فذكره بعده من قبيل ذكر الخاص بعد العام لبيان الفرد الخفي. الحديث الخامس عشر: كالسابق و هو معلق عليه و الاختلاف في آخر السند لكن زياد مجهول، و الظاهر أن الكناسي روى الخبر السابق مع هذه الزيادة فقوله: و الذي، عطف على أكل مال اليتيم بتقدير مضاف، أي عمل الذي إذا دعاه أبوه لحاجة لعن أباه أي شتمه و لم يجبه إلى ما دعاه إليه، و قيل: إذا دعاه لحاجة، كنفقة و غيرها أبعده و لم يقض حاجته، و قوله: يضربه من الضرب أو الإضرار، ثم أنه يحتمل أن لا تكون في هذه الرواية ذكر العدد، و على تقديره يمكن إدخالهما في العقوق، أما الأول فظاهر و ذكره لكونه أشد العقوق أو أخفه على الاحتمالين، و أما الثاني فلأنه يصير سببا للعقوق، و قيل: فيه تنبيه على أن العقوق يكون من جانب الوالد أيضا و من جعل سبعة في الخبر السابق مبتدأ قدر هنا خبرا و قال: تقديره و منها الذي، لئلا يكون من عطف المفرد على الجملة. الحديث السادس عشر: مرفوع. و رواه الصفار في البصائر عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن محمد بن داود عن ابن هارون العبدي عن محمد عن ابن نباتة مثله، و روى أيضا بإسناده عن جابر قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الروح قال: يا جابر إن الله خلق الخلق على ثلاث طبقات فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ نَاساً زَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَزْنِي وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَسْرِقُ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَأْكُلُ الرِّبَا وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَسْفِكُ الدَّمَ الْحَرَامَ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَقَدْ ثَقُلَ عَلَيَّ هَذَا وَ حَرِجَ مِنْهُ صَدْرِي حِينَ أَزْعُمُ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ يُصَلِّي صَلَاتِي وَ يَدْعُو دُعَائِي وَ يُنَاكِحُنِي وَ أُنَاكِحُهُ وَ يُوَارِثُنِي وَ أُوَارِثُهُ وَ قَدْ و أنزلهم ثلاث منازل، و بين ذلك في كتابه حيث قال:" فَأَصْحٰابُ الْمَيْمَنَةِ مٰا أَصْحٰابُ الْمَيْمَنَةِ، وَ أَصْحٰابُ الْمَشْئَمَةِ مٰا أَصْحٰابُ الْمَشْئَمَةِ، وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ" فأما ما ذكر من السابقين و ساق نحو هذا الخبر إلى آخره و قد مر مجمل من هذا الخبر في كتاب الحجة في باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة (عليهم السلام)، و قد تكلمنا هناك في تحقيق معنى الروح. قوله: و حرج منه، أي ضاق" حين أزعم" أي اعتقد و ادعى موافقا لدعواهم" أن هذا العبد يصلي صلاتي" كان قوله صلاتي مفعول مطلق للنوع، و كذا دعائي و المراد الدعوة إلى دين الحق أو الدعاء إلى الرب و طلب الحاجة منه من الصلاة و غيرها و الأول أنسب" و يناكحني" أي يعطيني زوجة كبنته و أخته" و أناكحه" أي أعطيه زوجة كالبنت و الأخت، و قيل: المفاعلة في تلك الأفعال بمعنى الأفعال، في القاموس: النكاح الوطء و العقد له نكح كمنع و ضرب، و أنكحها زوجها، و قال: ورث أباه و منه بكسر الراء يرثه كيعده ورثا و وراثة و إرثا ورثة بكسر الكل، و أورثه أبوه و ورثه جعله من ورثته، و في المصباح: ورث مال أبيه، ثم قيل: ورث أباه مالا و المال موروث و الأب موروث أيضا و أورثه أبوه مالا جعله له ميراثا، و ورثته توريثا أشركته في الميراث، انتهى. و أقول: كان الإسناد هنا مجازي، أي جعل الله له في ميراثي و لي في ميراثه نصيبا، و قيل: الإيراث جعل غيره وارثا بإبقاء المال و عدم إتلافه، و لا يخفى ما فيه. خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ مِنْ أَجْلِ ذَنْبٍ يَسِيرٍ أَصَابَهُ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(صلى الله عليه وآله وسلم)صَدَقْتَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَقُولُ وَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ النَّاسَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ وَ أَنْزَلَهُمْ ثَلَاثَ مَنَازِلَ وَ ذَلِكَ قَوْلُ " من أجل ذنب يسير" كأنه عده يسيرا لأن الخلل في العقائد الإيمانية أعظم منه، و قيل: اليسير في مقابل الكثير فلا ينافي عظمة الذنوب المذكورة و قيل: اليسير هنا ما قل زمانه و انقضت لذته سريعا" صدقت" على بناء المعلوم المخاطب أي صدقت فيما أخبرت عنهم، و إن لم يقبله عقلك، أو صدقت في أنهم لا يخرجون عن الإيمان رأسا بحيث تنتفي المناكحة و الموارثة و أمثالهما، أو في أنهم لا يخرجون بمحض ارتكاب الذنب بل بالإصرار عليه أو المعلوم الغائب، و الضمير راجع إلى الناس أو بناء المجهول المخاطب أي صدقوك فيما أخبروك به. " يقول" المفعول محذوف أي يقول ذلك، و الاستدلال بالكتاب إما بالآيات الدالة على حصر المؤمن في جماعة موصوفين بصفات معلومة، و على الأول كما هو الظاهر الاستدلال بأن الظاهر من التقسيم و ما يأتي بعده أن يكون التقسيم إلى الأنبياء و الأوصياء و إلى المؤمنين و إلى الكافرين، و وصف أصحاب اليمين و جزاءهم بأوصاف لا تليق إلا بمن يستحق عقوبة و لم يرتكب كبيرة موجبة للنار، فلا بد من دخول المصرين على الكبائر في أصحاب الشمال، أو بأنه تعالى ذكر في وصف أصحاب الشمال الذين يصرون على الحنث العظيم، فالإصرار على الذنب العظيم يخرج من الإيمان. قوله (عليه السلام): خلق الله الناس على ثلاث طبقات، قيل: الخلق بمعنى الإيجاد أو التقدير، و وجه الحصر أن الناس على ثلاث طبقات، قيل: الخلق بمعنى الإيجاد أو التقدير، و وجه الحصر أن الناس إما كافر أو مؤمن، و المؤمن إما أن تكون له قوة قدسية مقتضية للعصمة أو لم تكن، و الأول أصحاب المشيمة، و الأخير أصحاب الميمنة، و الثاني السابقون" و ذلك قول الله" إشارة إلى قوله سبحانه في سورة الواقعة اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْكِتَابِ فَأَصْحٰابُ الْمَيْمَنَةِ وَ أَصْحٰابُ الْمَشْئَمَةِ وَ السّٰابِقُونَ فَأَمَّا مَا ذَكَرَ مِنْ أَمْرِ السَّابِقِينَ فَإِنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ مُرْسَلُونَ وَ غَيْرُ مُرْسَلِينَ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ خَمْسَةَ أَرْوَاحٍ رُوحَ الْقُدُسِ وَ رُوحَ الْإِيمَانِ وَ رُوحَ الْقُوَّةِ وَ رُوحَ الشَّهْوَةِ وَ رُوحَ الْبَدَنِ فَبِرُوحِ الْقُدُسِ بُعِثُوا أَنْبِيَاءَ مُرْسَلِينَ وَ غَيْرَ مُرْسَلِينَ وَ بِهَا عَلِمُوا الْأَشْيَاءَ وَ بِرُوحِ الْإِيمَانِ عَبَدُوا اللَّهَ وَ لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِرُوحِ الْقُوَّةِ جَاهَدُوا عَدُوَّهُمْ وَ عَالَجُوا مَعَاشَهُمْ وَ بِرُوحِ الشَّهْوَةِ أَصَابُوا لَذِيذَ الطَّعَامِ وَ نَكَحُوا الْحَلَالَ مِنْ شَبَابِ النِّسَاءِ وَ بِرُوحِ الْبَدَنِ دَبُّوا وَ دَرَجُوا " وَ كُنْتُمْ أَزْوٰاجاً ثَلٰاثَةً، فَأَصْحٰابُ الْمَيْمَنَةِ مٰا أَصْحٰابُ الْمَيْمَنَةِ، وَ أَصْحٰابُ الْمَشْئَمَةِ مٰا أَصْحٰابُ الْمَشْئَمَةِ، وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنّٰاتِ النَّعِيمِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ قَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ" إلى آخر الآيات و قد مر تفسير الآيات في كتاب الحجة. و الثلة الجماعة الكثيرة أي هم جماعة كثيرة العدد من الأمم الماضية" وَ قَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ" أي أمة محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) و ذلك لأن السابقين من الأمم الماضية أعني الأنبياء و الأوصياء مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا من الأنبياء و مثلهم من الأوصياء، و في هذه الأمة أربعة عشر، فالسابقون من هذه الأمة قليلون بالنسبة إلى الأولين" فإنهم" بكسر الهمزة و قد يقرأ بفتحها أي فلأنهم أنبياء كأنه (عليه السلام) غلب الأنبياء على الأوصياء، لأن الأوصياء في الأمم السابقة كان أكثرهم أو كلهم أنبياء فهذا يشمل الأئمة (عليهم السلام)، و قد مر في حديث جابر عن الصادق (عليه السلام) فالسابقون هم رسل الله و خاصة الله من خلقه، و في رواية أخرى: الأنبياء و الأوصياء، و يمكن عطف غير مرسلين على أنبياء لكنه أبعد، و كان فيه نوع تقية، و في البصائر مرسلين و غير مرسلين، و في القاموس: عالجه علاجا و معالجة زواله و داواه، و قال: الشباب الفتاء كالشبيبة و جمع الشاب كالشبان، و قال: دب يدب دبا و دبيبا مشى على هنيئة، و قال: درج دروجا مشى، و في الصحاح دب الشيخ مشى مشيا رويدا. فَهَؤُلَاءِ مَغْفُورٌ لَهُمْ مَصْفُوحٌ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ثُمَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنٰا بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّٰهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجٰاتٍ وَ آتَيْنٰا عِيسَى " فهؤلاء مغفور لهم و مصفوح عن ذنوبهم" و هاتان الفقرتان ليستا في البصائر في شيء من الروايتين في الموضعين، و على ما في الكتاب كان الذنب هنا مأول بترك الأولى كما مر مرارا، أو كنايتان عن عدم صدورها عنهم. " تِلْكَ الرُّسُلُ" قال البيضاوي: إشارة إلى الجماعة المذكورة قصصها في السورة أو المعلومة للرسول أو جماعة الرسل، و اللام للاستغراق" فَضَّلْنٰا بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ" بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره" مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّٰهُ" و هو موسى و قيل: موسى و محمد (عليهما السلام)، كلم موسى ليلة الحيرة و في الطور، و محمدا ليلة المعراج حين كان قاب قوسين أو أدنى، و بينهما بون بعيد" وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجٰاتٍ" بأن فضله على غيره من وجوه متعددة و بمراتب متباعدة، و هو محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) فإنه خص بالدعوة العامة و الحجج المتكاثرة و المعجزات المستمرة و الآيات المتراقية المتعاقبة بتعاقب الدهر، و الفضائل العلمية و العملية الفائتة للحصر و الإبهام، لتفخيم شأنه كأنه العلم المتعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين، و قيل: إبراهيم خصصه بالخلة التي هي أعلى المراتب، و قيل: إدريس لقوله تعالى:" وَ رَفَعْنٰاهُ مَكٰاناً عَلِيًّا" و قيل: أولو العزم من الرسل. " وَ آتَيْنٰا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنٰاتِ" المعجزات الواضحات كإحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص، و الإخبار بالمغيبات أو الإنجيل" وَ أَيَّدْنٰاهُ" و قويناه" بِرُوحِ الْقُدُسِ" بالروح المقدسة كقولك حاتم الجود و رجل صدق، أراد به جبرئيل أو روح عيسى و وصفها به لطهارته عن مس الشيطان أو لكرامته على الله، و لذلك أضافها إلى نفسه، أو لأنه لم تضمها الأصلاب و الأرحام الطوامث أو الإنجيل أو اسم الله الأعظم الذي كان يحيى به الموتى، و خص عيسى (عليه السلام) بالتعيين لإفراط اليهود و النصارى في ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنٰاتِ وَ أَيَّدْنٰاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ثُمَّ قَالَ فِي جَمَاعَتِهِمْ- وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ يَقُولُ أَكْرَمَهُمْ بِهَا فَفَضَّلَهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ فَهَؤُلَاءِ مَغْفُورٌ لَهُمْ مَصْفُوحٌ عَنْ ذُنُوبِهِمْ تحقيره و تعظيمه، و جعل معجزاته سبب تفضيله لأنها آيات واضحة و معجزات عظيمة لم يستجمعها غيره. " ثم قال في جماعتهم" ظاهره أن المراد أنه قال ذلك في عموم الأنبياء و الرسل، و هو مخالف لظاهر سياق الآيات، و المشهور بين المفسرين. و الآيات هكذا:" كَتَبَ اللّٰهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللّٰهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ، لٰا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كٰانُوا آبٰاءَهُمْ أَوْ أَبْنٰاءَهُمْ أَوْ إِخْوٰانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ" و قال البيضاوي: أولئك، أي الذين لم يوادوهم. و أقول: يمكن توجيهه بوجوه: الأول: أن يكون أولئك إشارة إلى الرسل في قوله: و رسلي، و هو و إن كان بعيدا لفظا فليس ببعيد معنى، و لا ينافي ما مر في بعض الأخبار أنه الروح الذي في المؤمنين جميعا و يفارقهم في وقت المعصية، لأنهم أكمل المؤمنين، و فيهم هذا الروح أيضا على وجه الكمال و إن كان في سائر المؤمنين صنف منه، و هذا غير روح القدس كما مر في الخمسة. الثاني: أن يكون إشارة إلى المؤمنين و ذكره (عليه السلام) هذه الآية لبيان أنهم أيضا مؤيدون بهذا الروح لأنهم أكمل المؤمنين كما عرفت. الثالث: أن يكون المراد بجماعتهم الجماعة المخصوصين بالرسل من خواص أممهم و أتباعهم، و كونه في خواص أتباعهم يستلزم كونه فيهم أيضا، و في البصائر في حديث جابر بعد قوله و روح البدن: و بين ذلك في كتابه حيث قال:" تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنٰا" الآية، و بعدها ثم قال: في جميعهم:" وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ" و هذا ثُمَّ ذَكَرَ أَصْحَابَ الْمَيْمَنَةِ وَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا بِأَعْيَانِهِمْ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ أَرْبَعَةَ أَرْوَاحٍ رُوحَ الْإِيمَانِ وَ رُوحَ الْقُوَّةِ وَ رُوحَ الشَّهْوَةِ وَ رُوحَ الْبَدَنِ فَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ- يَسْتَكْمِلُ هَذِهِ الْأَرْوَاحَ الْأَرْبَعَةَ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَيْهِ حَالاتٌ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذِهِ الْحَالاتُ فَقَالَ أَمَّا أُولَاهُنَّ فَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لٰا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً فَهَذَا يَنْتَقِصُ مِنْهُ جَمِيعُ الْأَرْوَاحِ وَ يأبى عن هذا الحمل، بل عن الثاني أيضا إلا بتكلف. " و هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا" أي يكون إيمانهم واقعيا و لا يكون باطنهم مخالفا لظاهرهم فيكونون منافقين على بعض الاحتمالات السابقة أو المراد بهم المؤمنون الذين لا يتركون الفرائض و لا يرتكبون الكبائر إلا اللمم، فالذين يفعلون ذلك و لا يتوبون داخلون في أصحاب الشمال، لكنه يأبى عنه ما سيأتي من التخصيص بأهل الكتاب، و سيأتي القول فيه. و قوله: بأعيانهم، ليس في رواية جابر، و كان المعنى بخصوصهم أو بأنفسهم من غير أن يلحق بهم أتباعهم يستكمل هذه الأرواح، أي يطلب كمالها و تمامها، أو يتصف بها كاملة، و في البصائر بهذه الأرواح، و أي يطلب كمالها و تمامها، أو يتصف بها كاملة، و في البصائر بهذه الأرواح، و في رواية جابر مستكملا بهذه الأرواح، و هما أظهر، و هما على بناء المفعول، في القاموس استكمله و كمله أتمه و جمله" إِلىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ" في مجمع البيان: أي أدون العمر و أوضعه، أي يبقيه حتى يصير إلى حال الهرم و الخرف، فيظهر النقصان في جوارحه و حواسه و عقله، و روي عن علي (عليه السلام) أن أرذل العمر خمس و سبعون سنة، و روي مثل ذلك عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و عن قتادة تسعون سنة" لِكَيْ لٰا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً" أي ليرجع إلى حال الطفولية لنسيان ما كان علمه لأجل الكبر، فكأنه لا يعلم شيئا مما كان عليه، و قيل: ليقل علمه بخلاف ما كان عليه في حال شبابه، انتهى. لَيْسَ بِالَّذِي يَخْرُجُ مِنْ دِينِ اللَّهِ لِأَنَّ الْفَاعِلَ بِهِ رَدَّهُ إِلَى أَرْذَلِ عُمُرِهِ فَهُوَ لَا يَعْرِفُ لِلصَّلَاةِ وَقْتاً وَ لَا يَسْتَطِيعُ التَّهَجُّدَ بِاللَّيْلِ وَ لَا بِالنَّهَارِ وَ لَا الْقِيَامَ فِي الصَّفِّ مَعَ النَّاسِ فَهَذَا نُقْصَانٌ مِنْ رُوحِ الْإِيمَانِ وَ لَيْسَ يَضُرُّهُ شَيْئاً وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَقِصُ مِنْهُ رُوحُ الْقُوَّةِ و قال البيضاوي: و قيل هو خمس و تسعون سنة، و أقول: سيأتي في الروضة إنه مائة سنة، و قيل: الكاف في قوله كما قال الله، لبيان أن القريب من أرذل العمر أيضا داخل في المراد و ليس بالذي يخرج من دين الله، قال بعض المحققين: إن قيل: قد ثبت أن الإنسان إنما يبعث على ما مات عليه فإذا مات الكبير على غير معرفة فكيف يبعث عارفا؟ قلنا: لما كان مانعة عن الالتفات إلى معارفه أمرا عارضا و هو اشتغاله بتدبير البدن فلما زال ذلك بالموت برزت له معارفه التي كانت كامنة في ذاته، بخلاف من لم يحصل المعرفة أصلا فإنه ليس في ذاته شيء ليبرز له. " لأن الفاعل به رده" أي أن الله الفاعل به المدبر لأمره رده، أو الرب الفاعل به القوي الأربع و خالقها فيه رده، أو فاعل آخر غير نفسه رده، و لا تقصير له فيه، و الأول أظهر و في البصائر: لأن الله الفاعل ذلك به، و هو أصوب" و لا يستطيع التهجد بالليل و لا بالنهار" كأنه استعمل التهجد هنا في مطلق العبادة أو يقدر فعل آخر كقولهم:" علفته تبنا و ماءا باردا" و قيل: المراد بالتهجد هنا التيقظ من نوم الغفلة، و أصل التهجد مجانبة الهجود في الليل للصلاة، و في القاموس: الهجود النوم كالتهجد، و بالفتح المصلي بالليل، و الجمع بالضم، و هجد و تهجد استيقظ كهجد ضد، و في البصائر: و لا الصيام بالنهار و هو أصوب" و لا القيام في الصف" أي لصلاة الجماعة، و يحتمل الجهاد. " و ليس يضره شيئا" لأن ترك الأفعال مع القدرة عليها يوجب نقص الإيمان، لا مع العذر و لا يوجب نقص ثوابه أيضا لما ورد في الأخبار أنه يكتب له مثل ما كان فَلَا يَسْتَطِيعُ جِهَادَ عَدُوِّهِ وَ لَا يَسْتَطِيعُ طَلَبَ الْمَعِيشَةِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَقِصُ مِنْهُ رُوحُ الشَّهْوَةِ فَلَوْ مَرَّتْ بِهِ أَصْبَحُ بَنَاتِ آدَمَ لَمْ يَحِنَّ إِلَيْهَا وَ لَمْ يَقُمْ وَ تَبْقَى رُوحُ الْبَدَنِ فِيهِ فَهُوَ يَدِبُّ وَ يَدْرُجُ حَتَّى يَأْتِيَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَهَذَا الْحَالُ خَيْرٌ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ هُوَ الْفَاعِلُ بِهِ وَ قَدْ تَأْتِي عَلَيْهِ حَالاتٌ فِي قُوَّتِهِ وَ شَبَابِهِ فَيَهُمُّ بِالْخَطِيئَةِ فَيُشَجِّعُهُ رُوحُ الْقُوَّةِ وَ يُزَيِّنُ لَهُ رُوحُ الشَّهْوَةِ وَ يَقُودُهُ رُوحُ الْبَدَنِ حَتَّى تُوْقِعَهُ فِي الْخَطِيئَةِ فَإِذَا لَامَسَهَا نَقَصَ يعمله في حال شبابه و قوته و صحته" و فيهم" أي في أصحاب الميمنة أو في أصحاب تلك الحالات من ينتقص منه روح القوة أي هي فقط، أو بسبب غير الكبر في السن و" منهم" يحتمل الوجهين المتقدمين، و ثالثا و هو إرجاع الضمير إلى الذين ينتقص منهم روح القوة، و على الوجهين الأخيرين كان المراد مع نقص الروح السابقة لقوله: و يبقى روح البدن. " لم يحن إليها" أي لا يشتاق إليها" و لم يقم" أي إليها لطلبها و مراودتها، و قيل: أي لم تقم آلته لها، و لا يخفى بعده، و في رواية جابر: و قد يأتي على العبد تارات ينقص منه بعض هذه الأربعة، و ذلك قول الله تعالى:" وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لٰا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً" فينتقص روح القوة و لا يستطيع مجاهدة العدو و لا معالجة المعيشة و ينتقص منه روح الشهوة فلو مرت به أحسن بنات بني آدم لم يحن إليها و تبقى فيه روح الإيمان و روح البدن، و فبروح الإيمان يعبد الله، و بروح البدن يدب و يدرج حتى يأتيه مالك الموت، إلى آخر الخبر، و كأنه أظهر. " فهذا مجال خير" أي لا يضره هذا النقص في الأرواح، و قيل: المعنى أنه يسقط عنه بعض التكاليف الشرعية كالجماع في كل أربعة أشهر و القسمة بين النساء و لا يخفى ما فيه. " في قوته" كلمة في للسببية أو للظرفية أي في وقت قوته" نقص" النقص يكون لازما و متعديا و هنا يحتملهما فعلى الأول المعنى نقص بعض الإيمان، فمن مِنَ الْإِيمَانِ وَ تَفَصَّى مِنْهُ فَلَيْسَ يَعُودُ فِيهِ حَتَّى يَتُوبَ فَإِذَا تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ إِنْ عَادَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ نَارَ جَهَنَّمَ فَأَمَّا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ فَهُمُ الْيَهُودُ وَ النَّصَارَى يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- الَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ الْكِتٰابَ يَعْرِفُونَهُ كَمٰا يَعْرِفُونَ أَبْنٰاءَهُمْ يَعْرِفُونَ مُحَمَّداً وَ الْوَلَايَةَ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ كَمَا بمعنى البعض، أو نقص شيء منه فيكون فاعلا، و على الثاني يكون مفعولا" و تفصى منه" بالفاء أي خرج من الإيمان أو خرج الإيمان منه، في القاموس: أفصى تخلص من خير أو شر كتفصى، و في النهاية: يقال تفصيت من الأمر تفصيا إذا خرجت منه و تخلصت، و ربما يقرأ بالقاف أي بعد منه و هو تصحيف. " و إن عاد" أي من غير توبة على وجه الإصرار، و قيل: هو من العادة" أدخله الله نار جهنم" أي يستحق ذلك و يدخله إن لم يعف عنه، لكن يخرجه بعد ذلك إلا أن يصير مستحلا أو تاركا لولاية أهل البيت (عليهم السلام)، و يؤيده أن في البصائر هكذا فإذا مسها انتقص من الإيمان، و نقصانه من الإيمان ليس بعائد فيه أبدا أو يتوب فإن تاب و عرف الولاية تاب الله عليه، و إن عاد و هو تارك الولاية أدخله الله نار جهنم. و أقول: كأنه لم يذكر العود مع الولاية و أبهم ذلك إما لعدم اجتراء الشيعة على المعصية أو لأن الإصرار يصير سببا لترك الولاية غالبا أو أحيانا كما مر. " فهم اليهود و النصارى" كان ذكرهما على المثال، و المراد جميع الكفار و المنكرين للعقائد الإيمانية الذين تمت عليهم الحجة و يؤيده ما في رواية جابر حيث قال: و أما ما ذكرت من أصحاب المشيمة فمنهم أهل الكتاب. " الَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ الْكِتٰابَ" قال البيضاوي: يعني علماءهم" يَعْرِفُونَهُ" الضمير لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و إن لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه، و قيل: للعلم أو القرآن أو التحويل يعني تحويل القبلة" كَمٰا يَعْرِفُونَ أَبْنٰاءَهُمْ" يشهد للأول أي يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبنائهم و لا يلتبسون عليهم بغيرهم" وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ- وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أَنَّكَ الرَّسُولُ إِلَيْهِمْ- فَلٰا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فَلَمَّا جَحَدُوا مَا عَرَفُوا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَسَلَبَهُمْ رُوحَ الْإِيمَانِ وَ أَسْكَنَ أَبْدَانَهُمْ ثَلَاثَةَ أَرْوَاحٍ رُوحَ الْقُوَّةِ وَ رُوحَ الشَّهْوَةِ وَ رُوحَ الْبَدَنِ ثُمَّ أَضَافَهُمْ إِلَى الْأَنْعَامِ فَقَالَ إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ" تخصيص لمن عاند و استثناء لمن آمن" الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ" كلام مستأنف و الحق إما مبتدأ خبره من ربك، و اللام للعهد و الإشارة إلى ما عليه الرسول أو الحق الذي يكتمونه، أو للجنس و المعنى أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه لا ما لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب، و إما خبر مبتدإ محذوف أي هو الحق و من ربك حال أو خبر بعد خبر، و قرأ بالنصب على أنه بدل من الأول أو مفعول يعلمون. " فَلٰا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ" الشاكين في أنه من ربك أو في كتمانهم الحق عالمين به، و ليس المراد به نهي رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن الشك فيه لأنه غير متوقع منه، و ليس بقصد و اختيار، بل إما تحقيق الأمر و أنه بحيث لا يشك فيه ناظر أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك، على الوجه الأبلغ. قوله: و الولاية، أي يعرفون محمدا بالنبوة و أوصياءهم بالإمامة و الولاية، و إنما اكتفى بذكر محمد لأن معرفته على وجه الكمال يستلزم معرفة أوصيائه، أو لأنه الأصل و العمدة" إنك الرسول إليهم" بيان للحق، و في البصائر الحق من ربك الرسول من الله إليهم بالحق، و الظاهر أن قراءتهم (عليهم السلام) كان على النصب" ابتلاهم الله بذلك" أي بسبب ذلك الجحود، فقوله: فسلبهم بيان للابتلاء. و أقول: يحتمل أن يكون الغرض من ذكر الآية بيان سلب روح الإيمان من هؤلاء بقوله تعالى:" فَلٰا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ" فإن الظاهر أن هذا تعريض لهم لِأَنَّ الدَّابَّةَ إِنَّمَا تَحْمِلُ بِرُوحِ الْقُوَّةِ وَ تَعْتَلِفُ بِرُوحِ الشَّهْوَةِ وَ تَسِيرُ بِرُوحِ الْبَدَنِ فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ أَحْيَيْتَ قَلْبِي بِإِذْنِ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْكَبَائِرِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.