عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ(عليه السلام)يَقُولُ دَخَلَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)فَلَمَّا الحديث الثاني و العشرون: مجهول. " أهل دعوتنا" أي الذين يدعون إلى الدين الذي ندعو إليه، و يدل على أن الذنوب أو الكبائر يخرج من الإيمان ببعض معانيه كما مر مرارا. الحديث الثالث و العشرون: صحيح. " و كان عذابه أهون" أي كما و كيفا و قد مر شرحه في عاشر الباب. الحديث الرابع و العشرون: صحيح لأن مدح عبد العظيم يربو على التوثيق بمنازل شتى. سَلَّمَ وَ جَلَسَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ- الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ ثُمَّ أَمْسَكَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)مَا أَسْكَتَكَ قَالَ أُحِبُّ أَنْ أَعْرِفَ الْكَبَائِرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ نَعَمْ يَا عَمْرُو أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ يَقُولُ اللَّهُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّٰهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ بَعْدَهُ الْإِيَاسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ " ثم أمسك" يعني عن الكلام" فقال نعم" لعله قبول لالتماس عمرو أو تصديق لقوله أكبر الكبائر الإشراك بالله قال الوالد (ره): إطلاق الكبيرة عليه خلاف مصطلح الأصحاب ثم الظاهر أن المراد بالإشراك ما يستحق به الخلود في النار، فيشمل إنكار كل ما هو من أصول الدين. أقول: و يؤيده أنه فسر في كثير من الأخبار الشرك بترك الولاية، و روي أنه يسلب لا إله إلا الله يوم القيامة من كل أحد إلا من الشيعة، و روي في تفسير قوله تعالى:" وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلّٰا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ" أن المعاصي أيضا داخلة في الشرك، و روي أدنى الشرك أن تقول للحصاة إنها نواة، و للنواة إنها حصاة، ثم تحب عليه و تبغض عليه، و بالجملة الشرك له معان مختلفة و إطلاقات كثيرة، و المراد هنا ما يشمل الإخلال بجميع العقائد الإيمانية. " فَقَدْ حَرَّمَ اللّٰهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" قال في المجمع: التحريم هنا تحريم منع لا تحريم عبادة، و معناه فإن الله يمنعه الجنة و بعده" وَ مَأْوٰاهُ النّٰارُ وَ مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ أَنْصٰارٍ" و قال سبحانه حاكيا عن يعقوب (عليه السلام):" يٰا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لٰا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ" أي من رحمته و فرجه" إِنَّهُ لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ" بالله و بصفاته، فإن العارف لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال. و قال الطبرسي (ره): لا تيأسوا من روح الله أي لا تقنطوا من رحمته، و قيل: من الفرج من قبل الله" إِنَّهُ لٰا يَيْأَسُ" (إلخ) و قال ابن عباس: يريد أن المؤمن من الله يَقُولُ- إِنَّهُ لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ ثُمَّ الْأَمْنُ لِمَكْرِ اللَّهِ- لِأَنَّ اللَّهَ على خير يرجوه في الشدائد و البلاء، و يشكره و يحمده في الرخاء، و الكافر ليس كذلك، و في هذا دلالة على أن الفاسق الملي لا يأس عليه من رحمة الله بخلاف ما يقوله أهل الوعيد، انتهى. و أقول: فيه الوعيد بالنار ضمنا فإن الكافر مستحق للنار، و قال الوالد (قدس سره): الظاهر من الخبر أن المراد بالآية أن اليأس من رحمته تعالى كفر، و يمكن أن يكون المراد أن غير الكفار نهوا عن اليأس أو اليأس من فعلهم، فالمؤمن الآيس بمنزلتهم و الأول أظهر، انتهى. و أقول: كان الظاهر من الخبر أن الكبيرة ما أوعد الله عليه النار أو هدده تهديدا عظيما، أو ذمة ذما بليغا، فعلى أي المعاني حملت الآية تدل على كون اليأس كبيرة، و قال (ره) في قوله: ثم الأمن لمكر الله، أي عذاب الآخرة أو مع عذاب الدنيا أو الاستدراج بالنعم. و قال البيضاوي في قوله تعالى:" أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللّٰهِ" مكر الله استعارة لاستدراج العبد و أخذه من حيث لا يحتسب" فَلٰا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخٰاسِرُونَ" أي الذين خسروا بالكفر و ترك النظر و الاعتبار. و قال الطبرسي (ره): سمي العذاب لنزوله بهم من حيث لا يعلمون كما أن المكر ينزل بالممكور به من جهة الماكر من حيث لا يعلمه، و قيل: إن مكر الله استدراجه إياهم بالصحة و السلامة و طول العمر، و تظاهر النعمة" فَلٰا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّٰهِ" الآية، يسأل عن هذا فيقال: إن الأنبياء و المعصومين آمنوا مكر الله و ليسوا بخاسرين و جوابه من وجوه:" أحدها" أن معناه لا يأمن مكر الله من المذنبين إلا القوم الخاسرون بدلالة قوله سبحانه:" إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقٰامٍ أَمِينٍ"" و ثانيها": أن معناه لا يأمن عذاب الله للعصاة إلا الخاسرون، و المعصومون لا يأمنون عذاب الله للعصاة و لهذا سلموا من مواقعة الذنوب" و ثالثها" لا يأمن عقاب الله جهلا بحكمته إلا الخاسرون و معنى الآية الإبانة عما يجب أن يكون عليه المكلف من الخوف لعقاب الله، ليسارع إلى طاعته و اجتناب معاصيه، و لا يستشعر الأمن من ذلك، فيكون قد خسر من دنياه و آخرته، انتهى. و أقول: الوصف بالخسران يستلزم الوعيد بالعذاب إذ من استحق الثواب و دخل الجنة لا يقال أنه خاسر، بل هو رابح، و إن كان غيره أكثر ربحا، و أيضا لم يصف الله تعالى في القرآن بالخسران إلا الكافرين و المعذبين و حصر الخسران فيهم كقوله تعالى:" وَ مٰا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفٰاسِقِينَ"" الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولٰئِكَ هُمُ الْخٰاسِرُونَ"" وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْخٰاسِرُونَ"" الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كٰانُوا هُمُ الْخٰاسِرِينَ"" مَنْ يَهْدِ اللّٰهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَ مَنْ يُضْلِلْ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْخٰاسِرُونَ"" أُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْخٰاسِرُونَ"" أُوْلٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذٰابِ وَ هُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ"" وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْبٰاطِلِ وَ كَفَرُوا بِاللّٰهِ أُولٰئِكَ هُمُ الْخٰاسِرُونَ"" قُلْ إِنَّ الْخٰاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ أَلٰا ذٰلِكَ هُوَ الْخُسْرٰانُ الْمُبِينُ"" وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيٰاتِ اللّٰهِ أُولٰئِكَ هُمُ الْخٰاسِرُونَ"" لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخٰاسِرِينَ"" وَ قٰالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخٰاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ. أَلٰا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطٰانِ هُمُ الْخٰاسِرُونَ". عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- فَلٰا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخٰاسِرُونَ وَ مِنْهَا عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ و أمثال ذلك في الآيات كثيرة لا تخفى على من تتبعها. " جعل العاق جَبّٰاراً شَقِيًّا" إشارة إلى قوله تعالى حاكيا عن عيسى (عليه السلام):" وَ بَرًّا بِوٰالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبّٰاراً شَقِيًّا" قال الطبرسي (ره): و برا بوالدتي أي و جعلني بارا بها أؤدي شكرها فيما قاسته بسببي" وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبّٰاراً" أي متجبرا" شَقِيًّا" و المعنى أني بلطفه و توفيقه كنت محسنا إلى والدتي متواضعا في نفسي، حتى لم أكن من الجبابرة الأشقياء، انتهى. و أقول: الآية و إن وردت في بر الوالدة لما لم يكن لعيسى (عليه السلام) والد لكن الظاهر شمول الحكم للوالد بطريق أولى، مع أنه تعالى قال في قصة يحيى (عليه السلام)" وَ بَرًّا بِوٰالِدَيْهِ وَ لَمْ يَكُنْ جَبّٰاراً عَصِيًّا" فعلى سياق ما تقدم يدل على أن العاق جبار عاص، و لا يبعد أن يكون أشار (عليه السلام) إلى الآيتين معا لاشتراك الجبار بينهما، و الاكتفاء بالشقي لأنه أبلغ من العصي في الذم و كون الآيتين غاية في الذم ظاهر، و أما استلزام الوعيد بالنار فلان الجبار في الآيات تطلق على الكفار و المعاندين للحق و البالغين في الظلم، قال الراغب: الجبار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها، و هذا لا يقال إلا على طريق الذم كقوله تعالى" وَ خٰابَ كُلُّ جَبّٰارٍ عَنِيدٍ" و قوله:" وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبّٰاراً شَقِيًّا" و قوله:" إِنَّ فِيهٰا قَوْماً جَبّٰارِينَ" و قوله:" كَذٰلِكَ يَطْبَعُ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّٰارٍ" أي متعال عن قبول الحق و الإذعان له، و يقال للقاهر غيره جبارا، انتهى. لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الْعَاقَّ جَبّٰاراً شَقِيًّا وَ قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ و أما الشقاوة فهي سوء العاقبة و المراد هنا في الآخرة، و لا يكون إلا بالعذاب و دخول النار: و قد قال تعالى:" فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّٰارِ لَهُمْ فِيهٰا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ خٰالِدِينَ فِيهٰا" الآية. و أما العصي فالعصيان مما أوعد عليه النار كما قال تعالى:" وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نٰاراً خٰالِداً فِيهٰا" و قال سبحانه:" وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نٰارَ جَهَنَّمَ خٰالِدِينَ فِيهٰا أَبَداً" و مثله كثير. " و قتل النفس الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ" أي قتلها" إِلّٰا بِالْحَقِّ" استثناء عن القتل أو حرم و قالوا: الحق الذي يستباح به قتل النفس المحرم قتلها هي ثلاثة أشياء: القود، و الزنا بعد إحصانه، و الكفر بعد إيمان، و الآية التي استشهد (عليه السلام) بها في سورة النساء هكذا:" وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا وَ غَضِبَ اللّٰهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذٰاباً عَظِيماً" و ظاهر الآية أن التعمد في مقابلة الخطإ الذي ذكره الله في الآية التي قبلها، حيث قال:" وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلّٰا خَطَأً وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ" الآية، و هو الظاهر من هذا الخبر أيضا حيث استشهد (عليه السلام) بها لمطلق القتل، و يشكل حينئذ الحكم بالخلود، و لذا أول بعضهم التعمد بما يرجع إلى الكفر إما بكونه مستحلا للقتل أو قتله لإيمانه، كما ورد في بعض أخبارنا، و قيل: معناه هذا جزاؤه إن جازاه لكنه لا يجازيه، و روي ذلك أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:" إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ" و قالوا الآية اللينة نزلت بعد الشديدة، و قيل: المراد بالخلود المكث الطويل و هذا الوجه أنسب بهذا الخبر، و كذا ما روي أن هذا جزاؤه إن جازاه لا يأبى عنه هذا الخبر، و أما ما روي أن المراد به لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَ قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- لُعِنُوا فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ وَ أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ قتله لإيمانه فيمكن أن يكون من بطون الآية فلا ينافي الاستدلال بظاهرها في هذا الخبر، و سيأتي تمام الكلام في الآية في محله إن شاء الله." و قذف المحصنة" أي رمي العفيفة غير المشهورة بالزنا بها، و صدر الآية: " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ" في المجمع: أي يقذفون العفائف من النساء" الْغٰافِلٰاتِ" عن الفواحش" الْمُؤْمِنٰاتِ" بالله و رسوله" و اليوم الآخر لُعِنُوا فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ" أي أبعدوا من رحمة الله في الدارين، و قيل: استحقوا اللعنة فيهما و قيل: عذبوا في الدنيا بالجلد و رد الشهادة و في الآخرة بعذاب النار" وَ لَهُمْ" مع ذلك" عَذٰابٌ عَظِيمٌ" و هذا الوعيد عام لجميع المكلفين. و آية أكل مال اليتيم هكذا" الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ" فقوله: ظلما حال أو تميز أي ظالمين أو من جهة الظلم و التقييد للبيان و الكشف، فإن أكل أموالهم لا يكون إلا ظلما كما في" يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ" و للتقييد لأنه يجوز أكل ما لهم بالحق كالأكل أجرة بالمعروف، أو عوضا عما أقرضه إياهم أو مستقرضا من مالهم، و المراد بالأكل جميع التصرفات كما مر" إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ" أي ملأ بطونهم، يقال: أكل فلان في بطنه و في بعض بطنه كذا في الكشاف، و قيل: ذكر البطون للتأكيد مثل" يطير بجناحيه" و نظرت بعيني نارا أي ما يجر إلى النار و يؤول إليها و قيل: أكلها كناية عن دخولها، و قيل: المراد به أكلها يوم القيامة لما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يبعث الله قوما من قبورهم تتأجج أفواههم نارا فقيل: من هم؟ فقال: أ لم تر أن الله يقول:" إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ سَعِيراً وَ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّٰا مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ" إلى قوله:" سَعِيراً" سيدخلون نارا و أي نار. و أقول: روي عن الباقر (عليه السلام) مثل ذلك، و روي عنه (عليه السلام) أيضا في تفسير هذه الآية أنه قال: و ذلك أن آكل مال اليتيم يجيء يوم القيامة و النار تلتهب في بطنه حتى تخرج لهب النار من فيه، يعرفه أهل الجمع أنه آكل مال اليتيم، و يظهر من حديث المعراج أن هذا عذابه في البرزخ حيث قال (صلى الله عليه و آله و سلم): أنه رأى قوما يقذف في أفواههم النار و يخرج من أدبارهم، فقيل: هؤلاء الذين أكلوا مال اليتيم في الدنيا و السعير في الآخرة، و قال البيضاوي: يقال صلى النار قاسى حرها، و صليته شويته و أصليته و صليته ألقيته فيها، و السعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت. النار إذا لهبتها. " وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ" في المجمع: أي من يجعل ظهره إليهم يوم القتال، و وجهه إلى جهة الانهزام، و أراد بقوله:" يَوْمَئِذٍ" ذلك الوقت و لم يرد به بياض النهار خاصة دون الليل" إِلّٰا مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ" أي إلا تاركا موقفا إلى موقف آخر أصلح للقتال من الأول، و قيل: معناه إلا متعلقا مستطردا كأنه يطلب عورة يمكنه إصابتها فيتحرف عن وجهه، و يرى أنه يفر ثم يكر و الحرب كر و فر" أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ" أي منحازا منضما إلى جماعة من المسلمين يريدون العود إلى القتال ليستعين بهم" فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ" أي احتمل غضب الله و استحقه و قيل: رجع بغضب من الله" وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ" أي مرجعه إلى جهنم، انتهى. و الخبر يدل على أن حكم الآية عام لكنه مقيد بما إذا لم يزد العدو عن الضعف ردا على من قال أنه مخصوص بأهل بدر. و قال تعالى:" الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا" قال البيضاوي: أي الآخذون له و إنما وَ أَكْلُ الرِّبَا لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ وَ السِّحْرُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- ذكر الأكل لأنه أعظم منافع المال، و لأن الربا شائع في المطعومات" لٰا يَقُومُونَ" إذا بعثوا من قبورهم" إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ" إلا قياما كقيام المصروع، و هو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، و الخبط ضرب على غير اتساق كخبط العشواء" مِنَ الْمَسِّ" أي الجنون، و هذا أيضا من زعماتهم أن الجني يمسه فيختلط عقله، و لذا قيل: جن الرجل، و هو متعلق بلا يقومون أي لا يقومون من المس الذي بهم بسبب أكل الربا، أو يقوم أو يتخبط فيكون نهوضهم و سقوطهم كالمصروعين، لا لاختلال عقلهم، و لكن لأن الله أربى في بطونهم ما أكلوا من الربا فأثقلهم، انتهى. و حاصله كما صرح به بعض الأصحاب أنهم لا يقومون من قبورهم بسبب الربا و وزره و ثقله عليهم قياما مثل قيام صحيح العقل، بل مثل قيام المجانين فيسقطون تارة، و يمشون على غير الاستقامة أخرى، و لا يقدرون على القيام أخرى فكان ما أكلوا من الربا أربى في بطونهم فصار شيئا ثقيلا على ظهورهم، فلا يقدرون على القيام و المشي على الاستقامة. و قال في المجمع: لا يقومون يوم القيامة إلا مثل ما يقوم الذي يصرعه الشيطان من الجنون، و يكون ذلك أمارة لأهل الموقف على أكله الربا عن ابن عباس و جماعة، و قيل: إن هذا على وجه التشبيه لأن الشيطان لا يصرع الإنسان على الحقيقة، و لكن من غلب عليه المرة السوداء و ضعف، ربما يخيل إليه الشيطان أمورا هائلة و يوسوس إليه فيقع الصرع عند ذلك من فعل الله تعالى، و نسب ذلك إلى الشيطان مجازا لما كان ذلك عند وسوسته عن الجبائي، و قيل: يجوز أن يكون الصرع من فعل الشيطان في بعض الناس دون بعض عن ابن الهزيل و ابن الإخشيد وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرٰاهُ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلٰاقٍ وَ الزِّنَا لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قالا: لأن الظاهر من القرآن يشهد به و ليس في العقل ما يمنع منه، و لا يمنع الله سبحانه الشيطان عنه امتحانا لبعض الناس و عقوبة لبعض على ذنب ألم به و لم يتب منه، كما يتسلط بعض الناس على بعض فيظلمه و يأخذ ماله و لا يمنعه الله منه، و يكون هذا علامة لآكلي الربا يعرفون بها يوم القيامة، كما أن على كل عاص من معصية علامة تليق به فيعرف بها صاحبها، و على كل مطيع من طاعته أمارة يليق به فيعرف بها صاحبها. ثم قال: و روى أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): لما أسري بي إلى السماء رأيت أقواما يريد أحدهم أن يقوم و لا يقدر عليه من عظم بطنه، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس و إذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون على النار غدوا و عشيا يقولون ربنا متى تقوم الساعة، انتهى. و أقول: ظاهر هذا الخبر أن هذا عذابهم في البرزخ في أجسادهم المثالية و إن احتمل أن يكون هذا صورة حالهم في القيامة مثلت له (صلى الله عليه و آله و سلم) لكنه بعيد. " و السحر" أي عمله أو الأعم منه و من تعلمه و تعليمه، و اختلف في حقيقته و تعريفه، قال الشهيد الثاني (ره): هو كلام أو كتابة أو رقية أو أقسام و عزائم و نحوها، يحدث بسببها ضرر على الغير، و منه عقد الرجل عن زوجته بحيث لا يقدر على وطيها، و إلقاء البغضاء بينهما، و منه استخدام الملائكة و الجن و استنزال الشياطين في كشف الغائبات و علاج المصاب و استحضارهم و تلبسهم ببدن صبي أو امرأة و كشف الغائب على لسانه فتعلم ذلك و أشباهه و عمله و تعليمه كله حرام، و التكسب به سحت، و يقتل مستحله، و لو تعلمه ليتوقى به أو ليدفع به المتنبي بالسحر فالظاهر جوازه، و ربما وجب على الكفاية كما اختاره الشهيد في دروسه، يَقُولُ- وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً يُضٰاعَفْ لَهُ الْعَذٰابُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً وَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ الْفَاجِرَةُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ و يجوز حله بالقرآن و الأقسام كما ورد في رواية العلاء، و هل له حقيقة أو هو تخيل؟ الأكثر على الثاني، و يشكل بوجدان أثره في كثير من الناس على الحقيقة، و التأثر بالوهم إنما يتم لو سبق للقابل علم بوقوعه، و نحن نجد أثره فيمن لا يشعر به أصلا حتى يضربه، و لو حمل تخييله على ما يظهر من تأثيره في حركات الحيات و الطيران و نحوهما، أمكن لا في مطلق التأثير به و إحضار الجان و شبه ذلك، فإنه أمر معلوم لا يتوجه دفعه، انتهى. و في التخصيص بالضرر و غير ذلك مما أغمضنا عنه نظر. و قال الطبرسي (ره): السحر و الكهانة و الحيلة نظائر و قال صاحب العين: السحر عمل يقرب إلى الشياطين و من السحر الآخذة التي تأخذ العين متى تظن أن الأمر كما ترى، و ليس الأمر كما ترى، فالسحر عمل خفي لخفاء سببه، يصور الشيء بخلاف صورته، و يقلبه من جنسه في الظاهر، و لا يقلبه عن جنسه في الحقيقة، أ لا ترى إلى قول الله تعالى:" يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهٰا تَسْعىٰ" انتهى. و أقول: قد بسطنا القول في ذلك في كتاب السماء و العالم من الكتاب الكبير. " و اليمين الغموس" قال في النهاية: فيه اليمين الغموس تذر الديار بلاقع، هي اليمين الكاذبة الفاجرة كالتي يقتطع بها الحالف مال غيره، سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، و فعول للمبالغة، انتهى. و أقول إسناد الفجور إلى اليمين على المجاز، في المصباح فجر الحالف فجورا كذب. " وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ" صدر الآية هكذا:" وَ الَّذِينَ لٰا يَدْعُونَ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ وَ لٰا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ وَ لٰا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ" و الظاهر اللّٰهِ وَ أَيْمٰانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولٰئِكَ لٰا خَلٰاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ الْغُلُولُ لِأَنَّ اللَّهَ أنه إشارة إلى الزنا كما هو ظاهر الخبر و قول الأكثر، و قيل: إشارة إلى الجميع" يَلْقَ أَثٰاماً" قيل أي جزاء إثم، و في المجمع: أي عقوبة و جزاء لما فعل، قال الفراء: إثمه الله يأثمه إثما و أثاما أي جازاه جزاء الإثم، و قيل: إن أثاما اسم واد في جهنم ثم فسر سبحانه لقي الآثام بقوله:" يُضٰاعَفْ لَهُ الْعَذٰابُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ" يريد سبحانه مضاعفة أجزاء العذاب، لا مضاعفة الاستحقاق، لأنه تعالى لا يجوز أن يعاقب أكثر من الاستحقاق لأن ذلك ظلم و هو منفي عنه، و قيل: معناه أنه يستحق على كل معصية منها عقوبة فيضاعف عليه العذاب، و قيل: المضاعفة عذاب الدنيا و عذاب الآخرة" وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً" أي و يدوم في العذاب مستخفا به، انتهى. و أقول: على تقدير كون ذلك إشارة إلى الزنا و إلى كل واحد مما ذكر لا بد من تأويل في الخلود، أو حمل الفعل على ما إذا كان على وجه الاستحلال كما مر. " إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ" في المجمع: أي يستبدلون بعهد الله أي بأمر الله سبحانه ما يلزمهم الوفاء به" وَ أَيْمٰانِهِمْ" أي و بالأيمان الكاذبة" ثَمَناً قَلِيلًا" أي عوضا نذرا و سماه قليلا لأنه قليل في جنب ما يفوتهم من الثواب، و يحصل لهم من العقاب" أُولٰئِكَ لٰا خَلٰاقَ لَهُمْ" أي لا نصيب وافر لهم في نعيم الآخرة. و أقول: إنما اكتفى (عليه السلام) بهذا الجزء من الآية لأن من لا نصيب له من ثواب الآخرة يكون إما مخلدا أو معذبا عذابا طويلا عظيما مبالغة، أو المراد إلى آخر الآية فإن بعده" وَ لٰا يُكَلِّمُهُمُ اللّٰهُ وَ لٰا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ لٰا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ" و في المجمع: نزلت في جماعة من أحبار اليهود كتموا ما في التوراة من أمر محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) و كتبوا بأيديهم غيره و حلفوا أنه من عند الله، لئلا تفوتهم الرئاسة و ما كان لهم على أتباعهم، و قيل: نزلت في الأشعث بن قيس و خصم له في أرض عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ مَنْعُ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ وَ شَهَادَةُ الزُّورِ قام ليحلف عند رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فلما نزلت الآية نكل الأشعث و اعترف بالحق و رد الأرض، و قيل: نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعته، قال: و في تفسير الكلبي عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: من حلف بيمين كاذبة يقتطع بها مال امرء مسلم هو فيها فاجر لقي الله و هو عليه غضبان، و تلا هذه الآية أورده مسلم أيضا في الصحيح. " و الغلول" قال في النهاية: قد تكرر ذكر العلول في الحديث هو الخيانة في المغنم و السرقة من الغنيمة قبل القسمة يقال: غل في المغنم يغل غلولا فهو غال، و كل من خان في شيء خفية فقد غل، و سميت غلولا لأن الأيدي فيها مغلولة أي ممنوعة مجعول فيها غل و هو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، و يقال لها جامعة أيضا و أحاديث الغلول في الغنيمة كثيرة، و قال الجوهري: غل من المغنم غلولا أي خان و أغل مثله، قال ابن السكيت و لم نسمع في المغنم إلا غل غلولا و قرئ: و ما كان لنبي أن يغل و يغل، قال: فمعنى يغل يخون و معنى يغل يحتمل معنيين: أحدهما يخان بمعنى أن يؤخذ من غنيمته و الآخر يخون أي ينسب إلى الغلول، و في الحديث لا أغلال و لا إسلال، أي لا خيانة و لا سرقة، و يقال: لا رشوة، انتهى. و الآية هكذا:" وَ مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ" في المجمع: أي ما كان لنبي الغلول أي لا تجتمع النبوة و الخيانة" وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ" معناه أنه يأتي به حاملا على ظهره، كما روي في حديث طويل: ألا لا يغلن أحد بعيرا فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء، ألا لا يغلن أحد فرسا فيأتي يوم القيامة به على ظهره له حمحمة فيقول: يا محمد يا محمد فأقول قد بلغت قد بلغت فلا أملك لك من الله شيئا عن ابن عباس و غيره، و قال الجبائي: و ذلك ليفتضح به على رؤوس الأشهاد، و قال البلخي يجوز أن يكون ما تضمنه الخبر على وجه المثل، كان الله إذا فضحه يوم القيامة جرى ذلك مجرى أن يكون حاملا له و له صوت. و قد روي في خبر آخر أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يأمر مناديا فينادي في الناس: ردوا الخيط و المخيط لأن الغلول عار و شنار يوم القيامة، فجاء رجل بكبة من شعر فقال: إني أخذتها لأخيط برذعة بعير لي فقال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): أما نصيبي منها فهو لك، فقال الرجل: أما إذا بلغ الأمر هذا المبلغ فلا حاجة لي فيها، و الأولى أن يكون معناه و من يغلل يوافي بما غل يوم القيامة فيكون حمل غلوله على عنقه أمارة يعرف بها، و ذلك حكم الله في كل من وافى القيامة بمعصية لم يتب منها، أو أراد الله سبحانه أن يعامله بالعدل أظهر عليه من معصيته علامة تليق بمعصيته ليعلمه أهل القيامة بها، و يعلموا سبب استحقاقه العقوبة، كما قال سبحانه:" فَيَوْمَئِذٍ لٰا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لٰا جَانٌّ" و هكذا حكمه سبحانه في كل من وافى القيامة بطاعة فإنه سبحانه يظهر من طاعته علامة يعرف بها، انتهى. و أقول: يحتمل أن يكون المراد بالغلول في الآية و هذا الخبر مطلق الخيانة و السرقة. و آية الزكاة هكذا:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبٰارِ وَ الرُّهْبٰانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ النّٰاسِ بِالْبٰاطِلِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لٰا يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ" قال البيضاوي: يجوز أن يراد به الكثير من …
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْكَبَائِرِ