الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ٢٤

الأحبار و الرهبان ليكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال و الضن بها و أن يراد المسلمون الذين يجمعون المال و يقتنونه و لا يؤدون حقه و يكون اقترانه بالمرتشين من أهل الكتاب للتغليظ. و في المجمع: أي يجمعون المال و لا يؤدون زكاته فقد روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: كل مال لم تؤد زكاته فهو كنز و إن كان ظاهرا و كل مال أديت زكاته فليس بكنز، و إن كان مدفونا في الأرض، و به قال ابن عباس و الحسن و الشعبي و السدي قال الجبائي: و هو إجماع، و روي عن علي (عليه السلام) ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز أدى زكاته أم لم تؤد و ما دونها فهو نفقة، و تقدير الآية: و الذين يكنزون الذهب و لا ينفقونه في سبيل الله و يكنزون الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله، فحذف المفعول من الأول لدلالة الثاني عليه كما حذف المفعول في الثاني لدلالة الأول عليه في قوله" وَ الذّٰاكِرِينَ اللّٰهَ كَثِيراً وَ الذّٰاكِرٰاتِ" و التقدير و الذاكرات الله و أكثر المفسرين على أن قوله وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ، على الاستئناف، و المراد بذلك مانعوا الزكاة من هذه الأمة، و قيل: إنه معطوف على ما قبله، و الأولى أن يكون محمولا على العموم في الفريقين. " فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ" أي أخبرهم بعذاب موجع" يَوْمَ يُحْمىٰ عَلَيْهٰا فِي نٰارِ جَهَنَّمَ" أي توقد على الكنوز أو على الذهب و الفضة في نار جهنم حتى تصير نارا. و قال البيضاوي: أي يوم توقد النار ذات حمي شديدة عليها، و أصله يحمى بالنار فجعل الأحماء للنار مبالغة ثم حذفت النار و أسند الفعل إلى الجار و المجرور تنبيها على المقصود، فانتقل من صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير، و إنما قال عليها و المذكور شيئان لأن المراد بهما دنانير و دراهم كثيرة، و كذا قوله: و لا ينفقونها. و قيل: الضمير فيهما للكنوز أو الأموال فإن الحكم عام و تخصيصهما بالذكر لأنهما قانون التمول أو للفضة و تخصيصها لقربها و دلالة حكمها على أن الذهب أولى بهذا الحكم" فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ" لأن جمعهم و إمساكهم وَ كِتْمَانُ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَ شُرْبُ كان لطلب الوجاهة بالغنى و التنعم بالمطاعم الشهية و الملابس البهية، أو لأنهم ازوروا عن السائل و أعرضوا عنه، و ولوه ظهورهم أو لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة فإنها المشتملة على الأعضاء الرئيسة التي هي الدماغ و القلب و الكبد، أو لأنها أصول الجهات الأربع التي هي مقاديم البدن و مآخيره و جنبتاه. و في المجمع: إنما خص هذه الأعضاء لأنها معظم البدن، و كان أبو ذر الغفاري يقول: بشر الكانزين بكي في الجباة، و كي في الجنوب، و كي في الظهور، حتى يلتقي الحر في أجوافهم، و لهذا المعنى الذي أشار أبو ذر خصت هذه المواضع بالكي لأن داخلها جوف بخلاف اليد و الرجل، و قيل: إنما خصت هذه المواضع بالعذاب لأن الجبهة محل الوسم لظهورها و الجنب محل الألم، و الظهر محل الحدود، و قيل: لأن الجبهة محل السجود لظهورها و الجنب محل الألم، و الظهور محل الحدود، و قيل: لأن الجبهة محل السجود فلم يقم فيه بحقه، و الجنب مقابل القلب الذي لم يخلص في معتقده، و الظهر محل الأوزار قال:" يَحْمِلُونَ أَوْزٰارَهُمْ عَلىٰ ظُهُورِهِمْ" و قيل: لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جبهته و زوى ما بين عينيه و طوى عنه كشحه و ولاه ظهره. " هٰذٰا مٰا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ" أي يقال لهم في حال الكي أو بعده: هذا جزاء ما كنزتم، و جمعتم المال و لم تؤدوا حق الله عنها و جعلتموها ذخيرة لأنفسكم" فَذُوقُوا مٰا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ" أي فذوقوا العذاب بسبب ما كنتم تكنزون أي تجمعون و تمنعون حق الله منه، فحذف لدلالة الكلام عليه و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ما من عبد له مال و لا يؤدي زكاته إلا جمع يوم القيامة صفائح يحمى عليها في نار جهنم فتكوى جبهته و جنباه و ظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة و إما إلى النار. " لأن الله عز و جل يقول" الآية هكذا:" وَ لٰا تَكْتُمُوا الشَّهٰادَةَ" قال البيضاوي الْخَمْرِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ نَهَى عَنْهَا كَمَا نَهَى عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَ تَرْكُ الصَّلَاةِ مُتَعَمِّداً أيها الشهود أو المديونون، و شهادتهم إقرارهم على أنفسهم" وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ" أي يأثم قلبه أو قلبه يأثم، و الجملة خبر إن و إسناد الإثم إلى القلب لأن الكتمان تقترفه، و نظيره: العين زانية و الأذن زانية، أو للمبالغة لأنه رئيس الأعضاء و أفعاله أعظم الأفعال، و كأنه قيل: تمكن الإثم في نفسه و أخذ أشرف أجزائه وفاق سائر ذنوبه. و قال الطبرسي (ره): أضاف الإثم إلى القلب و إن كان الإثم للجملة لأن اكتساب الإثم بكتمان الشهادة يقع بالقلب لأن العزم على الكتمان إنما يقع به، و لأن إضافة الإثم إلى القلب أبلغ في الذم كما أن إضافة الإيمان إلى القلب أبلغ في المدح، قال سبحانه:" أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ" انتهى. و أقول: ثاني الوجهين اللذين ذكراه أوفق بالخبر، فإن تلك المبالغة مما يستلزم وعيد العذاب و العقاب، فإنها تشعر بأنها أفحش من أكثر الذنوب، و يؤثر في القلب الذي هو محل العقائد و يفسده. ثم اعلم أنه (عليه السلام) ذكر شهادة الزور و لم يستدل على كونها كبيرة بشيء، و يحتمل وجهين" أحدهما" أنها تدل عليها أيضا لأن شهادة الزور إنما تكون غالبا مع العلم بخلافه، فمن شهد بالزور فقد كتم الشهادة التي عنده" و ثانيهما" أنها تدل عليها بالطريق الأولى، إذ لو كان كتمان الحق و السكون عنه كبيرة كان إظهار خلاف الحق و التكلم به أولى بذلك، و لذا لم يستدل بقوله تعالى: " وَ الَّذِينَ لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ" لأنه لا يدل على التحريم فضلا عن كونه من الذنوب العظيمة، مع أنه يحتمل أن يكون المراد به لا يحضرون مجالس الباطل بل هو الأظهر، و قال به الأكثر، و عن الصادقين (عليهما السلام) أنه الغناء و لا بقوله تعالى: " فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ" لأنه لا يدل على أكثر من أَوْ شَيْئاً مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَالَ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّداً فَقَدْ التحريم، مع أن الأكثر فسروه بمطلق الكذب و إن كان يشمله كما نهى عن عبادة الأوثان، أي ذكرهما في آية واحدة و سياق واحد، فيدل على مقاربتهما في وجوب تركهما و ترتب العقاب على فعلهما، و لذا ورد: شارب الخمر كعابد الوثن، و أيضا قال سبحانه:" فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" فيدل على أن فاعل كل منهما لا يفلح، و عدم الفلاح إنما يكون بترتب العذاب و العقاب. " أو شيئا مما فرض الله" أي في الصلاة من الواجبات و الشروط و قيل: أي مطلقا فيكون إجمالا بعد تفصيل بعض الكبائر لبعض المصالح. قال الوالد (قدس سره): يمكن التعميم للاختصار ليدخل فيه ترك الحج و الصوم و الجهاد مع الوجوب و غيرها من الواجبات و إن ذكر عقوبة ترك الصلاة فقط ليحال عليها غيرها، و ليتدبر في البواقي كما ذكر تعالى في الحج:" وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ" لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال هذا مما يشعر بأن وعيد النار أو ما يستلزمه أعم من أن يكون في الكتاب أو في السنة، و يمكن أن يكون الخبر ورد تفسيرا لبعض الآيات الواردة في ذلك كقوله تعالى:" وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ" فإن الصلاة من أعظم عهود الله التي أخذها على العباد. و أقول: يؤيده ما سيأتي في كتاب الصلاة بأسانيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: الصلوات الخمس المفروضات من أقام حدودهن و حافظ على مواقيتهن لقي الله يوم القيامة و له عنده عهد يدخله به الجنة و من لم يقم حدودهن و لم يحافظ على مواقيتهن لقي الله و لا عهد له إن شاء عذبه و إن شاء غفر له، و يحتمل أن يكون (عليه السلام) ذكر الحديث استطرادا و لم يتعرض للآيات لكثرتها و ظهورها، كقوله تعالى:" مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" و قوله:" فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ" و أمثال ذلك كثيرة. بَرِئَ مِنْ ذِمَّةِ اللَّهِ وَ ذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ نَقْضُ الْعَهْدِ وَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ لِأَنَّ اللَّهَ و كان هذا أحسن من الأول لأن الظاهر أن الوعيد الذي ورد في أخبار الكبائر ما يفهم من ظاهر القرآن و إلا فعلم كل شيء في القرآن كما ورد في الأخبار الكثيرة. " فقد بريء من ذمة الله و ذمة رسوله" أي من عهدهما كما مر في الخبر أو من أمانهما أي ليس ممن عهد الله إليه أن لا يعذبه و لا ممن آمنه الله من عذابه" و نقض العهد" أي مع الله في العهد و النذر و اليمين، أو مع الإمام في البيعة، و قيل: في جميع الواجبات و ترك المنهيات و حمله على مخالفة الوعد مع المؤمنين و شروطهم مطلقا بعيد. و أما الآية فقد قال سبحانه قبل ذلك:" الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ وَ لٰا يَنْقُضُونَ الْمِيثٰاقَ، وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخٰافُونَ سُوءَ الْحِسٰابِ" و قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله:" الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ" أي يؤدون ما عهد الله إليهم و ألزمهم إياه عقلا و سمعا فالعهد العقلي ما جعله في عقولهم من اقتضاء صحة أمور و فساد أمور أخر كاقتضاء الفعل للفاعل و أن الصانع لا بد أن يرجع إلى صانع غير مصنوع، و إلا أدى إلى ما لا يتناهى، و أن للعالم مدبرا لا يشبهه و العهد الشرعي ما أخذه النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) على المؤمنين من الميثاق المؤكد باليمين أن يطيعوه و لا يعصوه و لا يرجعوا عما ألزموه من أوامر شرعه و نواهيه، و إنما كرر ذكر الميثاق و إن دخل جميع الأوامر و النواهي في لفظة العهد لئلا يظن ظان أن ذلك خاص فيما بين العبد و ربه، فأخبر أن ما بينه و بين العباد من المواثيق كذلك في الوجوب و اللزوم، و قيل: أنه كرره تأكيدا. " وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ" قيل: المراد به الإيمان بجميع الرسل و الكتب، كما في قوله:" لٰا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ" و قيل: هو صلة محمد و موازرته و معاونته و الجهاد معه، و قيل: هو صلة الرحم عن ابن عباس، ثم ذكر عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- أُولٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّٰارِ قَالَ فَخَرَجَ عَمْرٌو وَ لَهُ صُرَاخٌ مِنْ بُكَائِهِ وَ هُوَ يَقُولُ هَلَكَ مَنْ قَالَ بِرَأْيِهِ وَ نَازَعَكُمْ فِي الْفَضْلِ وَ الْعِلْمِ أخبارا كثيرة تدل على المعنى الأخير ثم قال تعالى:" وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّٰارِ". و في القاموس: الصرخة الصيحة الشديدة و كغراب الصوت أو شديدة و الصارخ المغيث و المستغيث ضد و الصارخة الإغاثة. و أقول: قد أحصى والدي (قدس سره) في بعض مؤلفاته ما يستنبط من الأخبار المختلفة أنها من الكبائر فمنها الشرك، و اليأس من روح الله، و الأمن من مكر الله و قتل النفس، و عقوق الوالدين، و القذف، و أكل مال اليتيم بغير حق، و الفرار من الزحف، و الربا، و السحر، و الكهانة، و الزنا، و اللواط، و السرقة لا سيما من الغنيمة، و الحلف كاذبا، و ترك الفرائض: الصلاة و الزكاة و صوم شهر رمضان و تأخير الحج عن سنة الاستطاعة بغير عذر، و شهادة الزور، و كتمان الشهادة، و شرب الخمر بل كل مسكر و نكث الصفقة و نقض العهد مع الله و مع الخلق، و قطع الرحم، و التعرب بعد الهجرة، و الكذب على الله و على رسوله و على الأئمة (عليهم السلام)، و الغيبة، و البهتان و قيل: ترك جميع السنن و منع الزيادة من الماء السابلة مع حاجتهم و عدم حاجته، و عدم الاحتراز عن البول، و التسبب إلى سب الوالدين، و الإضرار في الوصية، و سخط قضاء الله و الاعتراض على قدره على قول فيهما، و التكبر و الحسد و عداوة المؤمنين و الإلحاد في الحرم و في المدينة و النم و قطع عضو مؤمن بغير حق و أكل الميتة و سائر النجاسات، و القيادة، و الإصرار على الصغيرة، و الأمر بالمنكر و النهي عن المعروف، على احتمال و كذا الكذب، و خلف الوعد و الخيانة، و لعن المؤمنين و سبهم و إيذاؤهم بغير سبب، و ضرب الخادم زائدا على ما يستحقه و مانع الماء المباح عن مستحقه، و ساد الطريق المسلوك، و تضييع العيال و التعصب، و الظلم و الغدر، و كونه ذا لسانين، و تحقير المؤمنين و تجسس عيوبهم و تعييرهم و الافتراء عليهم و سبهم و سوء الظن بهم و تخويفهم، و بخس المكيال و الميزان، و ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الجلوس في مجالس الفساق لا سيما شرب الخمر بغير ضرورة، و البدعة في الدين، و الجلوس مع أهلها، و تحقير السيئة و القمار و أكل الحرام، فمن الأمر بالمنكر إلى هنا احتمال كونها كبيرة و الله يعلم. فائدة قال بعض المحققين: قد ذكر بعض العلماء ضابطة يعلم بها كبائر المعاصي عن صغائرها بل مراتب التكاليف الشرعية كلها أو جلها، و ملخصها أنا نعلم بشواهد الشرع و أنوار البصائر جميعا أن مقصود الشرائع كلها سياقة الخلق إلى جوار الله و سعادة لقائه و أنه لا وصول لهم إلى ذلك إلا بمعرفة الله تعالى، و معرفة صفاته و رسله و كتبه، و إليه الإشارة بقوله عز و جل:" وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ" أي ليكونوا عبيدا و لا يكون العبد عبدا ما لم بعرف ربه بالربوبية و نفسه بالعبودية فلا بد و أن يعرف نفسه و ربه، فهذا هو المقصود الأصلي ببعثة الأنبياء، و لكن لا يتم هذا إلا في الحياة الدنيا، و هو المعنى لقوله (عليه السلام): الدنيا مزرعة الآخرة، فصار حفظ الدنيا أيضا مقصودا تابعا للدين، لأنه وسيلة إليه و المتعلق من الدنيا بالآخرة شيئان النفوس و الأموال، فكلما يسد باب معرفة الله فهو أكبر الكبائر و يليه ما يسد باب حياة النفوس، و يلي ذلك ما يسد يأب المعايش التي بها حياة النفوس، فهذه ثلاث مراتب، فحفظ المعرفة على القلوب، و الحياة على الأبدان، و الأموال على الأشخاص ضروري في مقصود الشرائع كلها، و هذه ثلاثة أمور لا يتصور أن تختلف فيها الملل، فلا يجوز أن يبعث الله نبيا يريد ببعثه إصلاح الخلق في دينهم و دنياهم ثم يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته و معرفة رسله و يأمرهم بإهلاك النفوس و إهلاك الأموال. فحصل من هذا أن الكبائر على ثلاث مراتب:" الأولى" ما يمنع عن معرفة الله و معرفة رسله و هو الكفر فلا كبيرة في المعاصي فوق الكفر، كما لا فضيلة فوق الإيمان على مراتبه في قوة المعرفة و ضعفها لأن الحجاب بين العبد و بين الله هو الجهل، و يتلو الجهل بحقائق الإيمان أعني الكفر الأمن من مكر الله، و القنوط من رحمته، فإن هذا باب من الجهل بالله بل عينه، فمن عرف الله لم يتصور أن يكون آمنا من مكره و لا أن يكون آيسا من رحمته و يتلو هذه الرتبة البدع كلها المتعلقة بذات الله و صفاته و أفعاله، و بعضها أشد من بعض. المرتبة الثانية: قتل النفوس إذ ببقائها تدوم الحياة و بدوامها تحصل المعرفة و الإيمان بالله و آياته فهو لا محالة من الكبائر و إن كان دون الكفر لأنه يصدم عن المقصود، و هذا يصدم عن وسيلته، و يتلو هذه الكبيرة قطع الأطراف و كل ما يفضي إلى الهلاك حتى الضرب و بعضها أكبر من بعض، و يقع في هذه المرتبة تحريم الزنا و اللواط لأنه لو اجتمع الناس على الاكتفاء بالذكور لا نقطع النسل، و دفع الوجود قريب من رفعه و أما الزنا فإنه و إن لم يفوت أصل الوجود و لكن يشوش الأنساب و يبطل التوارث و التناصر و ما يتعلق بهما من عدم انتظام العيش و تحريك أسباب يكاد يفضي إلى التقاتل. المرتبة الثالثة: تلف الأموال لأنها معائش الخلق فلا بد من حفظها إلا أنه إذا أخذت أمكن استردادها و إن أكلت أمكن تغريمها، فليس يعظم الأمر فيها، نعم إذا أخذ بطريق يعسر التدارك له فينبغي أن يكون ذلك من الكبائر، و ذلك بطرق خفية كالسرقة و أكل الولي مال اليتيم و تفويته بشهادة الزور و باليمين الغموس فإن في هذه الطرق لا يمكن الاسترداد و التدارك، و لا يجوز أن تختلف الشرائع في تحريمها أصلا، و بعضها أشد من بعض، و كلها دون المرتبة الثانية المتعلقة بالنفوس و أما أكل الربا فلا بد أن تختلف فيه الشرائع إذ ليس فيه إلا أكل مال الغير بالتراضي مع الإخلال بشرط وضعه، إلا أن الشارع عظم الزجر عنه، وعده من الكبائر لمصلحة يراها و إن لم يجعل الغصب الذي هو أكل مال الغير بغير رضاه و بغير رضا الشرع منها و الله أعلم. و قال الشهيد (قدس سره): كل ما توعد الشرع عليه بخصوصه فإنه كبيرة و قد ضبط ذلك بعضهم، فقال: هي الشرك بالله تعالى، و القتل بغير حق، و اللواط، و الزنا، و الفرار من الزحف، و السحر، و الربا، و قذف المحصنات، و أكل مال اليتيم و الغيبة بغير حق، و اليمين الغموس، و شهادة الزور، و شرب الخمر، و استحلال الكعبة و السرقة، و نكث الصفقة، و التعرب بعد الهجرة، و اليأس من روح الله تعالى، و الأمن من مكر الله تعالى، و عقوق الوالدين، و كل هذا ورد في الحديث منصوصا عليه بأنه كبيرة، و ورد أيضا التهمة، و ترك السنة و منع ابن السبيل فضل الماء، و عدم التنزه من البول و التسبب إلى شتم الوالدين، و الإضرار في الوصية. و هناك عبارات أخر في حد الكبيرة، منها كل معصية توجب الحد، و منها التي يلحق بها صاحبها الوعيد الشديد بكتاب أو سنة، و منها كل معصية يوجب في جنسها حد، و هذه الكبائر المعدودة عند الناس يرجع إلى ما يتعلق بالضروريات الخمس التي هي مصلحة الأديان و النفوس و العقول و الأنساب و الأموال لمصلحة الدين، منها ما يتعلق بالاعتقاد، و هو إما كفر و هو الشرك بالله تعالى، أو ليس بكفر و هو ترك السنة إذا لم ينته إلى الكفر، و تدخل فيه مقالات المبتدعة من الأمة كالمرجئة و الخوارج و المجسمة و قد يكون الاعتقاد في نفسه خطاء و إن لم يسم كفرا و لا بدعة كالأمن من مكر الله تعالى، و اليأس من روح الله سبحانه، و يدخل فيه كل ما أشبهه كالسخط بقضاء الله تعالى، و الاعتراض بقدره و قد يكون من أفعال القلوب المتعدية

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْكَبَائِرِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.