الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)أَنَّهُ قَالَ لِعَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ الْبَصْرِيِّ فِي الْمَسْجِدِ وَيْلَكَ يَا عَبَّادُ إِيَّاكَ وَ الرِّيَاءَ فَإِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ ذريته باستحلال قتلهم أو ضربهم أو شتمهم أو إهانتهم أو ترك مودتهم أو غصب حقهم أو عدم القول بإمامتهم أو ترك تعظيمهم" و المستأثر بالفيء المستحل له" في النهاية الاستئثار الانفراد بالشيء، و قال: الفيء ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب و لا جهاد، انتهى. و أقول: الفيء يطلق على الغنيمة و الخمس و الأنفال و كل ذلك يتعلق بالإمام كلا أو بعضا كما حقق في محله. باب الرياء الحديث الأول: ضعيف. " وكله الله إلى من عمل له" أي في الآخرة كما سيأتي أو الأعم منها و من الدنيا و قيل: و كل ذلك العمل إلى الغير و لا يقبله أصلا، و قد روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر؟ قالوا: و ما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء يقول الله عز و جل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا هل تجدون عندهم ثواب أعمالكم. و قال بعض المحققين: اعلم أن الرياء مشتق من الرؤية، و السمعة مشتقة من السماع، و إنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإراءتهم خصال الخير، إلا أن الجاه و المنزلة يطلب في القلب بأعمال سوى العبادات و يطلب بالعبادات، و اسم الرياء مخصوص بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادات و إظهارها فحد الرياء هو إرادة المنزلة بطاعة الله تعالى، فالمرائي هو العابد، و المرائي هو الناس المطلوب رؤيتهم لطلب المنزلة في قلوبهم، و المرائي به هي الخصال التي قصد المرائي إظهارها، و الرياء هو هو قصده إظهار ذلك. و المرائي به كثيرة و يجمعها خمسة أقسام، و هي مجامع ما يتزين العبد به للناس فهو البدن و الزي و القول و العمل و الأتباع و الأشياء الخارجة، و لذلك أهل الدنيا يراءون بهذه الأسباب الخمسة، إلا أن طلب الجاه و قصد الرياء بأعمال ليست من جملة الطاعات أهون من الرياء بالطاعات، و الرياء في الدين من جهة البدن، و ذلك بإظهار النحول و الصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد و عظم الحزن على أمر الدين، و غلبة خوف الآخرة، و ليدل بالنحول على قلة الأكل، و بالصفار على سهر الليل، و كثرة الأرق في الدين، و كذلك يرائي بتشعث الشعر ليدل به على استغراق الهم بالدين و عدم التفرغ لتسريح الشعر، و يقرب من هذا خفض الصوت و إغارة العينين و ذبول الشفتين، فهذه مراءاة أهل الدين في البدن، و أما أهل الدنيا فيراءون بإظهار السمن و صفاء اللون و اعتدال القامة و حسن الوجه و نظافة البدن و قوة الأعضاء. و ثانيها: الرياء بالزي و الهيئة أما الهيئة فتشعث شعر الرأس و حلق الشارب و إطراق الرأس في المشي و الهدء في الحركة و إبقاء أثر السجود على الوجه، و غلظ الثياب، و ليس الصوف و تشميرها إلى قريب من نصف الساق، و تقصير الأكمام و ترك تنظف الثوب و تركه مخرقا، كل ذلك يرائي به ليظهر من نفسه أنه يتبع السنة فيه و مقتد فيه بعباد الله الصالحين، و أما أهل الدنيا فمراءاتهم بالثياب النفيسة و المراكب الرفيعة و أنواع التوسع و التجمل. الثالث: الرياء بالقول، و رياء أهل الدين بالوعظ و التذكير و النطق بالحكمة و حفظ الأخبار و الآثار لأجل الاستعمال في المحاورة إظهارا لغزارة العلم و لدلالته على شدة العناية بأقوال السلف الصالحين، و تحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بمشهد الخلق و إظهار الغضب للمنكرات و إظهار الأسف على مقارفة الناس بالمعاصي، و تضعيف الصوت في الكلام، و أما أهل الدنيا فمراءاتهم بالقول بحفظ الأشعار و الأمثال و التفاصح في العبارات و حفظ النحو الغريب للأعراب على أهل الفضل و إظهار التودد إلى الناس لاستمالة القلوب. الرابع: الرياء بالعمل، كمراءاة المصلي بطول القيام و مده و تطويل الركوع و السجود، و إطراق الرأس و ترك الالتفات و إظهار الهدء و السكون، و تسوية القدمين و اليدين، و كذلك بالصوم و بالحج و بالصدقة و بإطعام الطعام و بالإخبات بالشيء عند اللقاء، كإرخاء الجفون و تنكيس الرأس و الوقار في الكلام حتى أن المرائي قد يسرع في المشي إلى حاجته فإذا اطلع عليه واحد من أهل الدين رجع إلى الوقار و إطراق الرأس خوفا من أن ينسبه إلى العجلة و قلة الوقار، فإن غاب الرجل عاد إلى عجلته فإذا رآه عاد إلى خشوعه، و منهم من يستحيي أن يخالف مشيته في الخلوة لمشيته بمرأى من الناس، فيكلف نفسه المشية الحسنة في الخلوة حتى إذا رآه الناس لم يفتقر إلى التغيير و يظن أنه تخلص به من الرياء، و قد تضاعف به رياؤه فإنه صار في خلواته أيضا مرائيا، و أما أهل الدنيا فمراءاتهم بالتبختر و الاختيال و تحريك اليدين و تقريب الخطا و الأخذ بأطراف الذيل و إدارة العطفين ليدلوا بذلك على الجاه و الحشمة. الخامس: المراءاة بالأصحاب و الزائرين و المخالطين كالذي يتكلف أن يزور عالما من العلماء ليقال أن فلانا قد زار فلانا أو عابدا من العباد لذلك، أو ملكا من الملوك و أشباهه ليقال إنهم يتبركون به، و كالذي يكثر ذكر الشيوخ ليرى أنه لقي شيوخا كثيرة و استفاد منهم فيباهي بشيوخه، و منهم من يريد انتشار الصيت في البلاد لتكثر الرحلة إليه، و منهم من يريد الاشتهار عند الملوك لتقبل شفاعته، و منهم من يقصد التوصل بذلك إلى جمع حطام و كسب مال، و لو من الأوقاف و أموال اليتامى و غير ذلك. و أما حكم الرياء فهل هو حرام أو مكروه أو مباح أو فيه تفصيل؟ فأقول: فيه تفصيل، فإن الرياء هو طلب الجاه، و هو إما أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات فإن كان بغير العبادات فهو كطلب المال فلا يحرم من حيث أنه طلب منزله في قلوب العباد، و لكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات و أسباب مخطورة فكذلك الجاه، و كما أن كسب قليل من المال و هو ما يحتاج إليه الإنسان محمود فكسب قليل من الجاه و هو ما يسلم به عن الآفات محمود، و هو الذي طلبه يوسف (عليه السلام) حيث قال:" إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ" و كما أن المال فيه سم ناقع و ترياق نافع فكذلك الجاه، و أما انصراف الهم إلى سعة الجاه فهو مبدء الشرور كانصراف الهم إلى كثرة المال، و لا يقدر محب الجاه و المال على ترك معاصي القلب و اللسان و غيرها و أما سعة الجاه من غير حرص منك على طلبه و من غير اهتمام بزواله إن زال فلا ضرر فيه، فلا جاه أوسع من جاه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و من بعده من علماء الدين، و لكن انصراف الهم إلى طلب الجاه نقصان في الدين و لا يوصف بالتحريم، و بالجملة المراءاة بما ليس من العبادات قد يكون مباحا و قد يكون طاعة و قد يكون مذموما، و ذلك بحسب الغرض المطلوب به. و أما العبادات كالصدقة و الصلاة و الغزو و الحج، فللمرائي فيه حالتان: إحداهما أن لا يكون له قصد إلا الرياء المحض دون الأجر، و هذا يبطل عبادته لأن الأعمال بالنيات، و هذا ليس بقصد العبادة، ثم لا يقتصر على إحباط عبادته حتى يقول صار كما كان قبل العبادة، بل يعصي بذلك و يأثم لما دلت عليه الأخبار و الآيات و المعنى فيه أمران، أحدهما يتعلق بالعبادة، و هو التلبيس و المكر لأنه خيل إليهم أنه مخلص مطيع لله و أنه من أهل الدين، و ليس كذلك و التلبيس في أمر الدنيا أيضا حرام حتى لو قضى دين جماعة و خيل إلى الناس أنه متبرع عليهم ليعتقدوا سخاوته أثم بذلك لما فيه من التلبيس و تملك القلوب بالخداع و المكر، و الثاني يتعلق بالله و هو أنه مهما قصد بعبادة الله خلق الله فهو مستهزئ بالله، فهذا من كبائر المهلكات، و لهذا سماه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الشرك الأصغر فلو لم يكن في الرياء إلا أنه يسجد و يركع لغير الله لكان فيه كفاية، فإنه إذا لم يقصد التقرب إلى الله فقد قصد غير الله، لعمري لو قصد غير الله بالسجود لكفر كفرا جليا إلا أن الرياء هو الكفر الخفي. و اعلم أن بعض أبواب الرياء أشد و أغلظ من بعض، و اختلافه باختلاف أركانه و تفاوت الدرجات فيه، و أركانه ثلاثة المرايا به و المرايا و نفس قصد الرياء، الركن الأول نفس قصد الرياء و ذلك لا يخلو إما أن يكون مجردا دون إرادة الله و الثواب، فإن كان كذلك فلا يخلو إما أن يكون إرادة الثواب أقوى و أغلب أو أضعف أو مساويا لإرادة العبادة، فيكون الدرجات أربعا. الأولى: و هو أغلظها أن لا يكون مراده الثواب أصلا كالذي يصلي بين أظهر الناس، و لو انفرد لكان لا يصلي فهذه الدرجة العليا من الرياء. الثانية: أن يكون له قصد الثواب أيضا و لكن قصدا ضعيفا بحيث لو كان في في الخلوة لكان لا يفعله، و لا يحمله ذلك القصد على العمل، و لو لم يكن الثواب لكان قصد الرياء يحمله على العمل فهذا قريب مما قبله. الثالثة: أن يكون قصد الثواب و قصد الرياء متساويين بحيث لو كان كل واحد خاليا عن الآخر لم يبعثه على العمل، فلما اجتمعا انبعثت الرغبة فكان كل واحد لو انفرد لا يستقل بحمله على العمل، فهذا قد أفسد مثل ما أصلح فنرجو أن يسلم رأسا برأس لا له و لا عليه، أو يكون له من الثواب مثل ما كان عليه من العقاب، و ظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسلم. الرابعة: أن يكون اطلاع الناس مرجحا و مقويا لنشاطه، و لو لم يكن لكان لا يترك العبادة و لو كان قصد الرياء وحده لما أقدم، و الذي نظنه و العلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثواب، و لكنه ينقص منه، أو يعاقب على مقدار قصد الرياء و يثاب على مقدار قصد الثواب، و أما قوله تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان أو كان الرياء أرجح. الركن الثاني: المرايا به و هو الطاعات، و ذلك ينقسم إلى الرياء بأصول العبادات و إلى الرياء بأوصافها، القسم الأول و هو الأغلظ الرياء بالأصول و هو على ثلاث درجات. الأولى: الرياء بأصل الإيمان و هو أغلظ أبواب الرياء، و صاحبه مخلد في النار و هو الذي يظهر كلمتي الشهادة و باطنه مشحون بالتكذيب، و لكنه يرائي بظاهر الإسلام، و هم المنافقون الذين ذمهم الله سبحانه في مواضع كثيرة، و قد قال:" يُرٰاؤُنَ النّٰاسَ وَ لٰا يَذْكُرُونَ اللّٰهَ إِلّٰا قَلِيلًا". و كان النفاق في ابتداء الإسلام ممن يدخل في ظاهر الإسلام ابتداء لغرض و ذلك مما يقل في زماننا، و لكن يكثر نفاق من ينسل من الدين باطنا فيجحد الجنة و النار و الدار الآخرة ميلا إلى قول الملحدة، أو يعتقد طي بساط الشرع و الأحكام ميلا إلى أهل الإباحة، و يعتقد كفرا أو بدعة و هو يظهر خلافه فهؤلاء من المرائين المنافقين المخلدين في النار، و حال هؤلاء أشد من حال الكفار المجاهرين لأنهم جمعوا بين كفر الباطن و نفاق الظاهر. الثانية: الرياء بأصول العبادات مع التصديق بأصل الدين، و هذا أيضا عظيم عند الله، و لكنه دون الأول بكثير، و مثاله أن يكون مال الرجل في يد غيره فيأمره بإخراج الزكاة خوفا من ذمه و الله يعلم منه أنه لو كان في يده لما أخرجها، أو يدخل وقت الصلاة و هو في جمع فيصلي معهم، و عادته ترك الصلاة في الخلوة، و كذا سائر العبادات، فهو مراء معه أصل الإيمان بالله، يعتقد أنه لا معبود سواه، و لو كلف أن يعبد غير الله أو يسجد لغير الله لم يفعل، و لكنه يترك العبادات للكسل و ينشط عند اطلاع الناس، فتكون منزلته عند الخلق أحب إليه من منزلته عند الخالق، و خوفه من مذمة الناس أعظم من خوفه من عقاب الله، و رغبته في محمدتهم أشد من رغبته في ثواب الله، و هذا غاية الجهل، و ما أجدر صاحبه بالمقت و إن كان غير منسل عن أصل الإيمان من حيث الاعتقاد. الثالثة: أن لا يرائي بالإيمان و لا بالفرائض و لكن يرائي بالنوافل و السنن التي لو تركها لا يعصي، و لكن يكسل عنها في الخلوة لفتور رغبته في ثوابها، و لا يثأر لذة الكسل على ما يرجى من الثواب، ثم يبعثه الرياء على فعله، و ذلك كحضور الجماعة في الصلاة و عيادة المريض و اتباع الجنائز و كالتهجد بالليل و صيام السنة و التطوع و نحو ذلك، فقد يفعل المرائي جملة ذلك خوفا من المذمة أو طلبا للمحمدة و يعلم الله تعالى منه لو خلي بنفسه لما زاد على أداء الفرائض فهذا أيضا عظيم، و لكن دون ما قبله، و كأنه على الشطر من الأول و عقابه نصف عقابه. القسم الثاني: الرياء بأوصاف العبادات لا بأصولها، و هي أيضا على ثلاث درجات الأولى: أن يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة كالذي غرضه أن يخفف الركوع و السجود و لا يطول القراءة فإذا رآه الناس أحسن الركوع و ترك الالتفات و تمم القعود بين السجدتين و قد قال ابن مسعود من فعل ذلك فهو استهانة يستهين بها ربه، فهذا أيضا من الرياء المخطور لكنه دون الرياء بأصول التطوعات، فإن قال المرائي: إنما فعلت ذلك صيانة لألسنتهم عن الغيبة فإنهم إذا رأوا تخفيف الركوع و السجود و كثرة الالتفات أطلقوا اللسان بالذم و الغيبة فإنما قصدت صيانتهم عن هذه المعصية فيقال له: هذه مكيدة للشيطان و تلبيس، و ليس الأمر كذلك، فإن ضررك من نقصان صلاتك و هي خدمة منك لمولاك أعظم من ضررك من غيبة غيرك، فلو كان باعثك الدين لكان شفقتك على نفسك أكثر، نعم للمرائي فيه حالتان: إحداهما: أن يطلب بذلك المنزلة و المحمدة عند الناس، و ذلك حرام قطعا، و الثانية أن يقول: ليس يحضرني الإخلاص في تحسين الركوع و السجود، و لو خففت كان صلاتي عند الله ناقصة، و آذاني الناس بذمهم و غيبتهم و استفيد بتحسين الهيئة دفع مذمتهم و لا أرجو عليه ثوابا فهو خير من أن أترك تحسين الصلاة فيفوت الثواب و تحصل المذمة فهذا فيه أدنى نظر، فالصحيح أن الواجب عليه أن يحسن و يخلص، فإن لم تحضره النية فينبغي أن يستمر على عبادته في الخلوة و ليس له أن يدفع الذم بالمراءاة بطاعة الله، فإن ذلك استهزاء. الثانية أن يرائي بفعل ما لا نقصان في تركه، و لكن فعله في حكم التكملة و التتمة لعبادته، كالتطويل في الركوع و السجود و مد القيام و تحسين الهيئة في رفع اليدين، و الزيادة في القراءة على السورة المعتادة و أمثال ذلك، و كل ذلك مما لو خلي و نفسه لكان لا يقدم عليه. الثالثة: أن يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل، كحضوره الجماعة قبل القوم، و قصده الصف الأول و توجهه إلى يمين الإمام و ما يجري مجراه، و كل ذلك مما يعلم الله منه أنه لو خلي بنفسه لكان لا يبالي من أين وقف و متى يحرم بالصلاة فهذه درجات الرياء بالإضافة إلى ما يرائي به، و بعضه أشد من بعض و الكل مذموم. الركن الثالث: المرايا لأجله، فإن للمرائي مقصودا لا محالة فإنما يرائي لإدراك مال أو جاه أو غرض من الأغراض لا محالة، و له أيضا ثلاث درجات: الأولى: و هي أشدها و أعظمها أن يكون مقصده التمكن من معصية كالذي يرائي بعباداته ليعرف بالأمانة فيولي القضاء أو الأوقاف أو أموال الأيتام، فيحكم بغير الحق، و يتصرف في الأموال بالباطل و أمثال ذلك كثيرة. الثانية: أن يكون غرضه نيل حظ مباح من مال أو نكاح امرأة جميلة أو شريفة فهذا رياء مخطور، لأنه طلب بطاعة الله متاع الدنيا، و لكنه دون الأول. الثالثة: أن لا يقصد نيل حظ و إدراك مال أو شبهه و لكن يظهر عبادته خيفة من أن ينظر إليه بعين النقص و لا يعد من الخاصة و الزهاد كان يسبق إلى الضحك أو يبدر منه المزاح فيخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار فيتبع ذلك بالاستغفار و تنفس الصعداء و إظهار الحزن و يقول: ما أعظم غفلة الإنسان عن نفسه، و الله يعلم منه أنه لو كان في الخلوة لما كان يثقل عليه ذلك، فهذه درجات الرياء. و مراتب أصناف المرائين، و جميعهم تحت مقت الله و غضبه، و هي من أشد المهلكات. و أما ما يحبط العمل من الرياء الخفي و الجلي و ما لا يحبط فنقول: إذا عقد العبد العبادة على الإخلاص ثم ورد وارد الرياء فلا يخلو إما أن ورد عليه بعد فراغه من العمل أو قبل الفراغ، فإن ورد بعد الفراغ سرور من غير إظهار فلا يحبط العمل إذ العمل قد تم على نعت الإخلاص سالما من الرياء فما يطرء بعده فنرجو أن لا ينعطف عليه أثره لا سيما إذا لم يتكلف هو إظهاره و التحدث به و لم يتمن ذكره و إظهاره، و لكن اتفق ظهوره بإظهار الله إياه و لم يكن منه إلا ما دخل من السرور و الارتياح على قلبه، و يدل على هذا ما سيأتي في آخر الباب و قد روي أن رجلا قال لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): يا رسول الله أسر العمل لا أحب أن يطلع عليه أحد فيطلع عليه فيسرني؟ قال: لك أجران أجر السر و أجر العلانية، و قال الغزالي: نعم لو تم العمل على الإخلاص من غير عقد رياء، و لكن ظهرت له بعده رغبة في الإظهار فتحدث به و أظهره فهذا مخوف، و في الأخبار و الآثار ما يدل على أنه محبط، و يمكن حملها على أن هذا دليل علي أن قلبه عند العبادة لم يخل عن عقد الرياء و قصده لما أن ظهر منه التحدث به، إذ يبعد أن يكون ما يطرء بعد العمل مبطلا للثواب، بل الأقيس أن يقال أنه مثاب على عمله الذي مضى و معاقب على مراءاته بطاعة الله بعد الفراغ منها، بخلاف ما لو تغير عقده إلى الرياء قبل الفراغ فإنه مبطل. ثم قال المحقق المذكور: و أما إذا ورد وارد الرياء قبل الفراغ من الصلاة مثلا، و كان قد عقد على الإخلاص، و لكن ورد في أثنائها وارد الرياء فلا يخلو إما أن يكون مجرد سرور لا يؤثر في العمل فهو لا يبطله، و أما أن يكون رياء باعثا على العمل، و ختم به العمل، فإذا كان كذلك حبط أجره، و مثاله أن يكون في تطوع فتجددت له نظارة أو حضر ملك من الملوك و هو يشتهي أن ينظر إليه أو يذكر شيئا نسيه من ماله، و هو يريد أن يطلبه، و لو لا الناس لقطع الصلاة فاستتمها خوفا من مذمة الناس فقد حبط أجره و عليه الإعادة إن كان في فريضة و قد قال (صلى الله عليه و آله و سلم): العمل كالوعاء إذا طاب آخره طاب أوله، أي النظر إلى خاتمته، و روي من راءى بعمله ساعة حبط عمله الذي كان قبله، و هو منزل على الصلاة في هذه الصورة، لا على الصدقة و لا على القراءة فإن كل جزء منها منفرد، فما يطرء يفسد الباقي دون الماضي و الصوم و الحج من قبيل الصلاة. فأما إذا كان وارد الرياء بحيث لا يمنعه من قصد الاستتمام لأجل الثواب كما لو حضر جماعة في أثناء صلاة ففرح بحضورهم، و اعتقد الرياء و قصد تحسين الصلاة لأجل نظرهم، و كان لو لا حضورهم لكان يتمها أيضا فهذا رياء قد أثر في العمل، و انتهض باعثا على الحركات فإن غلب حتى انمحق معه الإحساس بقصد العبادة و الثواب، و صار قصد العبادة مغمورا فهذا أيضا ينبغي أن يفسد العبادة مهما مضى ركن من أركانها على هذا الوجه، لأنا نكتفي بالنية السابقة عند الإحرام بشرط أن لا يطرء ما يغلبها و يغمرها، و يحتمل أن يقال لا تفسد العبادة نظرا إلى حالة العقد و إلى بقاء أصل قصد الثواب و إن ضعف بهجوم قصد هو أغلب منه، و الأقيس أن هذا القدر إذا لم يظهر أثره في العمل بل بقي العمل صادرا عن باعث الدين، و إنما انضاف إليه سرور بالاطلاع فلا يفسد العمل، لأنه لم ينعدم به أصل نيته، و بقيت تلك النية باعثة على العمل، و حاملة على الإتمام، و روي في الكافي عن أبي جعفر (عليه السلام) ما يدل عليه. و أما الأخبار التي وردت في الرياء فهي محمولة على ما إذا لم يرد به إلا الخلق، و أما ما ورد في الشركة فهو محمول على ما إذا كان قصد الرياء مساويا لقصد الثواب أو أغلب منه، أما إذا كان ضعيفا بالإضافة إليه فلا يحبط بالكلية ثواب الصدقة و سائر الأعمال، و لا ينبغي أن تفسد الصلاة، و لا يبعد أيضا أن يقال: إن الذي أوجب عليه صلاة خالصة لوجه الله، و الخالصة ما لا يشوبه شيء، فلا يكون مؤديا للواجب مع هذا الشوب و العلم عند الله فيه، فهذا حكم الرياء الطاري بعد عقد العبادة، إما قبل الفراغ أو بعده. القسم الثالث: الذي يقارن حال العقد بأن يبتدئ الصلاة على قصد الرياء، فإن تم عليه حتى يسلم فلا خلاف في أنه يعصي و لا يعتد بصلاته، و إن ندم عليه في أثناء ذلك و استغفر و رجع قبل التمام ففيما يلزمه ثلاثة أوجه، قالت فرقة لم تنعقد صلاته مع قصد الرياء فليستأنف، و قالت فرقة تلزمه إعادة الأفعال كالركوع و السجود و يفسد أعماله دون تحريمة الصلاة لأن التحريم عقد و الرياء خاطر في قلبه لا يخرج التحريم عن كونه عقدا، و قالت فرقة: لا تلزمه إعادة شيء بل يستغفر الله بقلبه و يتم العبادة على الإخلاص، و النظر إلى خاتمة العبادة، كما لو ابتدأها بالإخلاص و ختم بالرياء لكان يفسد عمله، و شبهوا ذلك بثوب أبيض لطخ بنجاسة عارضة، فإذا أزيل العارض عاد إلى الأصل، فقالوا: إن الصلاة و الركوع و السجود لا يكون إلا لله، و لو سجد لغير الله لكان كافرا، و لكن قد اقترن به عارض الرياء. ثم إن زال بالندم و التوبة و صار إلى حالة لا يبالي بحمد الناس و ذمهم فتصح صلاته، و مذهب الفريقين الآخرين خارج عن قياس الفقه جدا، خصوصا من قال يلزمه إعادة الركوع و السجود دون الافتتاح، لأن الركوع و السجود إن لم يصح صارت أفعالا زائدة في الصلاة فتبطل الصلاة، و كذلك قول من يقول لو ختم بالإخلاص صح نظرا إلى الآخر فهو أيضا ضعيف، لأن الرياء يقدح في النية و أولى الأوقات بمراعاة أحكام النية حالة الافتتاح، فالذي يستقيم على قياس الفقه هو أن يقال: إن كان باعثه مجرد الرياء في ابتداء العقد دون طلب الثواب و امتثال الأمر لم ينعقد افتتاحه، و لم يصح ما بعده، و ذلك من إذا خلا بنفسه لم يصل و لما رآه الناس يحرم بالصلاة، و كان بحيث لو كان ثوبه أيضا نجسا كان يصلي لأجل الناس، فهذه صلاة لا نية فيها إذ النية عبارة عن إجابة باعث الدين، و هيهنا لا باعث و لا إجابة. فأما إذا كان بحيث لو لا الناس أيضا لكان يصلي إلا أنه ظهرت له الرغبة في المحمدة أيضا فاجتمع الباعثان فهذا إما أن يكون في صدقة أو قراءة و ما ليس فيه تحليل و تحريم، أو في عقد صلاة و حج فإن كان في صدقة فقد عصى بإجابة باعث الرياء و أطاع بإجابة باعث الثواب، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره، و له ثواب بقدر قصده الصحيح، و عقاب بقدر قصده الفاسد، و لا يحبط أحدهما الآخر، و إن كان في صلاة يقبل الفساد بتطرق خلل إلى النية فلا يخلو إما أن يكون نفلا أو فرضا، فإن كانت نفلا فحكمها أيضا حكم الصدقة فقد عصى من وجه و أطاع من وجه، إذا اجتمع في قلبه الباعثان، و أما إذا كان في فرض و اجتمع الباعثان و كان كل واحد منهما لا يستقل، و إنما يحصل الانبعاث بمجموعهما فهذا لا يسقط الواجب عنه، لأن الإيجاب لم ينتهض باعثا في حقه بمجرده و استقلاله و إن كان كل باعث مستقلا حتى لو لم يكن باعث الرياء لأدى الفرض، و لو لم يكن باعث الفرض لأنشأ صلاة تطوعا لأجل الرياء فهذا في محل النظر و هو محتمل جدا فيحتمل أن يقال: أن الواجب صلاة خالصة لوجه الله، و لم يؤد الواجب الخالص، و يحتمل أن يقال: أن الواجب امتثال الأمر بواجب مستقل بنفسه و قد وجد، فاقتران غيره به لا يمنع سقوط الفرض عنه، كما لو صلى في دار مغصوبة فإنه و إن كان عاصيا بإيقاع الصلاة في الدار المغصوبة فإنه مطيع بأصل الصلاة و مسقط للفرض عن نفسه، و تعارض الاحتمال في تعارض البواعث في أصل الصلاة. أما إذا كان الرياء في المبادرة مثلا دون أصل الصلاة، مثل من بادر في الصلاة في أول الوقت لحضور الجماعة، و لو خلا لأخرها إلى وسط الوقت، و لو لا الفرض لكان لا يبتدأ صلاة لأجل الرياء، فهذا مما يقطع بصحة صلاته، و سقوط الفرض به لأن باعث أصل الصلاة من حيث إنها صلاة لم يعارضها غيره، بل من حيث تعيين الوقت، فهذا أبعد من القدح في النية. هذا في رياء يكون باعثا على العمل و حاملا عليه، فأما مجرد السرور باطلاع الناس إذا لم يبلغ أثره حيث يؤثر في العمل فبعيد أن يفسد الصلاة فهذا ما نراه لائقا بقانون الفقه و المسألة غامضة من حيث أن الفقهاء لم يتعرضوا لها في فن الفقه، و الذين خاضوا فيه و تصرفوا لم يلاحظوا قوانين الفقه، و مقتضى فتاوى العلماء في صحة الصلاة و فسادها، بل حملهم الحرص على تصفية القلوب و طلب الإخلاص على إفساد العبادات بأدنى الخواطر، و ما ذكرناه هو الأقصد فيما نراه و العلم عند الله تعالى، انتهى كلامه. و قال الشهيد (قدس الله روحه) في قواعده: النية يعتبر فيها القربة، و دل عليه الكتاب و السنة، قال تعالى:" وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" و الإخلاص فعل الطاعة خالصة لله وحده، و هنا غايات ثمان: فالأول الرياء، و لا ريب في أنه مخل بالإخلاص فيتحقق الرياء بقصد مدح الرائي أو الانتفاع به، أو دفع ضرره، فإن قلت: فما تقول في العبادة المشوبة بالتقية؟ قلت: أصل العبادة واقع على وجه الإخلاص و ما فعل منها تقية فإن له اعتبارين بالنظر إلى أصله، و هو قربة، و بالنظر إلى ما طرأ من استدفاع الضرر، و هو لازم لذلك فلا يقدح في اعتباره، أما لو فرض إحداثه صلاة مثلا تقية فإنها من باب الرياء. الثاني قصد الثواب أو الخلاص من العقاب أو قصدهما معا. الثالث فعلها شكرا لنعم الله تعالى و استجلابا لمزيده. الرابع فعلها حياء من الله تعالى. الخامس فعلها حبا لله تعالى. السادس فعلها تعظيما لله تعالى و مهابة و انقيادا و إجابة. السابع فعلها موافقة لإرادته و طاعة لأمره. الثامن فعلها لكونه أهلا للعبادة، و هذه الغاية مجمع على كون العبادة تقع بها معتبرة و هي أكمل مراتب الإخلاص و إليه أشار الإمام الحق أمير المؤمنين (عليه السلام): ما عبدتك طمعا في جنتك و لا خوفا من نارك، و لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك. و أما غاية الثواب و العقاب فقد قطع الأصحاب بكون العبادة لا يفسد بقصدها و كذا ينبغي أن يكون غاية الحياء و الشكر، و باقي الغايات الظاهر أن قصدها مجز لأن الغرض بها الله في الجملة، و لا يقدح كون تلك الغايات باعثة على العبادة أعني الطمع و الرجاء و الشكر و الحياء، لأن الكتاب و السنة مشتملة على المرهبات من الحدود و التعزيرات و الذم و الإيعاد بالعقوبات، و على المرغبات من المدح و الثناء في العاجل و نعيمها في الآجل، و أما الحياء فغرض مقصود و قد جاء في الخبر عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): استحيوا من الله حق الحياء، أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فإنه إذا تخيل الرؤية انبعث على الحياء و التعظيم و المهابة، و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و قد قال له ذعلب اليماني- بالذال المعجمة المكسورة و العين المهملة الساكنة، و اللام المكسورة- هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام) أ فأعبد ما لا أرى؟ فقال: و كيف تراه؟ فقال: لا يدركه العيون بمشاهدة العيان، و لكن يدركه القلوب بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد منها غير مباين، متكلم بلا رؤية، مريد بلا هم، صانع لا بجارحة، لطيف لا يوصف بالخفاء، بصير لا يوصف بالحاسة، رحيم لا يوصف بالرقة، تعنو الوجوه لعظمته، و تجل القلوب من مخافته. و قد اشتمل هذا الكلام الشريف على أصول صفات الجلال و الإكرام التي عليها مدار علم الكلام، و أفاد أن العبادة تابعة للرؤية، و يفسر معنى الرؤية و أفاد الإشارة إلى أن قصد التعظيم بالعبادة حسن، و إن لم يكن تمام الغاية، و كذلك الخوف منه تعالى. ثم لما كان الركن الأعظم في النية هو الإخلاص، و كان انضمام تلك الأربعة غير قادح فيه فخليق أن يذكر ضمائم آخر و هي أقسام: الأول ما يكون منافية له كضم الرياء و يوصف بسببه العبادة بالبطلان بمعنى عدم استحقاق الثواب، و هل يقع مجزيا بمعنى سقوط التعبد به و الخلاص من العقاب؟ الأصح أنه لا يقع مجزيا و لم أعلم فيه خلافا إلا من السيد الإمام المرتضى قدس الله لطيفه، فإن …

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الرِّيَاءِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.