مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(عليه السلام)أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا فَقَالَ إِنَّهُ يُحِبُّ الرِّئَاسَةَ فَقَالَ مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ باب طلب الرئاسة الحديث الأول: صحيح. " أنه ذكر رجلا" ضمائر" أنه" و" ذكر" و" فقال" أولا راجعة إلى معمر و يحتمل رجوعها إلى الإمام (عليه السلام)، و الرئاسة الشرف و العلو على الناس، رأس الرجل يرأس مهموزا بفتحتين رئاسة شرف و على قدره، فهو رئيس، و الجمع رؤساء مثل شريف و شرفاء، و الضاري السبع الذي اعتاد بالصيد و إهلاكه، و الرعاء بالكسر و المد جمع راع اسم فاعل، و بالضم اسم جمع صرح بالأول صاحب المصباح، و بالثاني القاضي و تفرق الرعاء لبيان شدة الضرر، فإن الراعي إذا كان حاضرا يمنع الذئب عن الضرر، و يحمى القطيع، و الظاهر أن قوله: في دين المسلم صلة للضرر المقدر أي ليس ضرر الذئبين في الغنم بأشد من ضرر الرئاسة في دين المسلم، ففي الكلام تقديم و تأخير، و يؤيده ما سيأتي في باب حب الدنيا مثله هكذا: بأفسد فيها من حب المال و الشرف في دين المسلم، و قيل: في دين المسلم حال عن الرئاسة قدم عليه، و لا يخفى ما فيه. و فيه تحذير عن طلب الرئاسة، و للرئاسة أنواع شتى منها ممدوحة و منها مذمومة، فالممدوحة منها الرئاسة التي أعطاها الله تعالى خواص خلقه من الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام)، لهداية الخلق و إرشادهم، و رفع الفساد عنهم، و لما كانوا معصومين مؤيدين بالعنايات الربانية فهم مأمونون من أن يكون غرضهم من ذلك تحصيل فِي غَنَمٍ قَدْ تَفَرَّقَ رِعَاؤُهَا بِأَضَرَّ فِي دِينِ الْمُسْلِمِ مِنَ الرِّئَاسَةِ الأغراض الدنية و الأغراض الدنيوية، فإذا طلبوا ذلك ليس غرضهم إلا الشفقة على خلق الله تعالى، و إنقاذهم من المهالك الدنيوية و الأخروية كما قال يوسف (عليه السلام)" اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ" و أما سائر الخلق فلهم رئاسات حقة و رئاسات باطلة و هي مشتبهة بحسب نياتهم و اختلاف حالاتهم فمنها القضاء و الحكم بين الناس، و هذا أمر خطير و للشيطان فيه تسويلات، و لذا وقع التحذير عنه في كثير من الأخبار، و أما من يأمن ذلك من نفسه و يظن أنه لا ينخدع من الشيطان فإذا كان في زمان حضور الإمام و بسط يده (عليه السلام) و كلفه ذلك يجب عليه قبوله. و أما في زمان الغيبة فالمشهور أنه يجب على الفقيه الجامع لشرائط الحكم و الفتوى ارتكاب ذلك إما عينا و إما كفاية، فإن كان غرضه من ارتكاب ذلك إطاعة إمامه و الشفقة على عباد الله و إحقاق حقوقهم و حفظ فروجهم و أموالهم و أعراضهم عن التلف و لم يكن غرضه الترفع على الناس و التسلط عليهم، و لا جلب قلوبهم و كسب المحمدة منهم، فليست رئاسته رئاسة باطلة، بل رئاسة حقة أطاع الله تعالى فيها و نصح إمامه، و لو كان غرضه كسب المال الحرام و جلب قلوب الخواص و العوام و أمثال ذلك فهي الرئاسة الباطلة التي حذر عنها، و أشد منها من ادعى ما ليس له بحق كالإمامة و الخلافة و معارضة أئمة الحق فإنه على حد الشرك بالله و قريب منه ما فعله الكذابون المتصنعون الذين كانوا في أعصار الأئمة (عليه السلام) و كانوا يصدون الناس عن الرجوع إليهم كالحسن البصري و سفيان الثوري و أبي حنيفة و أضرابهم. و من الرئاسات المنقسمة إلى الحق و الباطل ارتكاب الفتوى و التدريس و الوعظ، فمن كان أهلا لتلك الأمور عالما بما يقول متبعا للكتاب و السنة و كان غرضه هداية الخلق و تعليمهم مسائل دينهم فهو من الرئاسة الحقة، و يحتمل وجوبه إما عينا أو كفاية، و من لم يكن أهلا لذلك و يفسر الآيات برأيه و الأخبار مع عدم فهمها، و يفتي الناس بغير علم فهو ممن قال الله سبحانه فيهم:" قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمٰالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً" و كذلك من هو أهل لتلك الأمور من جهة العلم لكنه مراء متصنع يحرف الكلم عن مواضعه، و يفتي الناس بخلاف ما يعلم، أو كان غرضه محض الشهرة و جلب القلوب أو تحصيل الأموال و المناصب فهو أيضا من الهالكين، و منها أيضا إمامة الجمعة و الجماعة فهذا أيضا إن كان أهله و صحت نيته فهو من الرئاسات الحقة و إلا فهو أيضا من أهل الفساد. و الحاصل أن الرئاسة إن كانت بجهة شرعية و لغرض صحيح فهي ممدوحة و إن كانت على غير الجهات الشرعية أو مقرونة بالأغراض الفاسدة فهي مذمومة فهذه الأخبار محمولة على هذه الوجوه الباطلة، أو على ما إذا كان المقصود نفس الرئاسة و التسلط. قال بعض المحققين: معنى الجاه ملك القلوب و القدرة عليها، فحكمها حكم ملك الأموال فإنه عرض من أعراض الحياة الدنيا و ينقطع بالموت كالمال، و الدنيا مزرعة الآخرة فكل ما خلق الله من الدنيا فيمكن أن يتزود منه إلى الآخرة، و كما أنه لا بد من أدنى مال لضرورة المطعم و الملبس، فلا بد من أدنى جاه لضرورة المعيشة مع الخلق، و الإنسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله، فيجوز أن يحب الطعام و المال الذي يباع به الطعام فكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه و رفيق يعينه و أستاد يعلمه و سلطان يحرسه، و يدفع عنه ظلم الأشرار، فحبه أن يكون له في قلب خادمه من المحل ما يدعوه إلى الخدمة ليس بمذموم، و حبه لأن يكون له في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته و معاونته ليس بمذموم، و حبه لأن يكون في قلب أستاذه من المحل ما يحسن به إرشاده و تعليمه و العناية به ليس بمذموم، و حبه لأن يكون له من المحل في قلب سلطانه ما يحثه ذلك على دفع الشر عنه ليس بمذموم، فإن ألجأه وسيلة إلى الأغراض كالمال، فلا فرق بينهما إلا أن التحقيق في هذا يفضي إلى أن لا يكون المال و الجاه في أعيانهما محبوبين بل ينزل ذلك منزلة حب الإنسان أن يكون في داره بيت ماء لأنه يضطر إليه لقضاء حاجته و بوده لو استغنى عن قضاء الحاجة حتى يستغني عن بيت الماء، و هذا على التحقيق ليس بحب لبيت الماء، فكل ما يراد به التوصل إلى محبوب فالمحبوب هو المقصود المتوسل إليه، و تدرك التفرقة بمثال و هو أن الرجل قد يحب زوجته من حيث أنه يدفع بها فضلة الشهوة، كما يدفع بيت الماء فضلة الطعام، و لو كفى مؤنة الشهوة لكان يهجر زوجته كما لو كفى قضاء الحاجة لكان لا يدخل بيت الماء و لا يدور به، و قد يحب زوجته لذاتها حب العشاق و لو كفى الشهوة لبقي مستصحبا لنكاحها، فهذا هو الحب دون الأول، فكذلك الجاه و المال قد يحب كل واحد منهما من هذين الوجهين فحبهما لأجل التوسل إلى مهمات البدن غير مذموم، و حبهما لأعيانهما فيما يجاوز ضرورة البدن و حاجته مذموم و لكنه لا يوصف صاحبه بالفسق و العصيان ما لم يحمله الحب على مباشرة معصية، و ما لم يتوصل إلى اكتسابه بعبادة، فإن التوصل إلى المال و الجاه بالعبادة جناية على الدين و هو حرام، و إليه يرجع معنى الرياء المخطور كما مر. فإن قلت: طلب الجاه و المنزلة في قلب أستاذه و خادمه و رفيقه و سلطانه و من يرتبط به أمره مباح على الإطلاق كيف ما كان، أو مباح إلى حد مخصوص أو على وجه مخصوص؟. فأقول: يطلب ذلك على ثلاثة أوجه، وجهان منها مباح و وجه منها مخطور أما المخطور فهو أن يطلب قيام المنزلة في قلوبهم باعتقادهم فيه صفة هو منفك عنها مثل العلم و الورع و النسب فيظهر لهم أنه علوي أو عالم أو ورع، و لا يكون كذلك فهذا حرام لأنه تلبيس و كذب إما بالقول و إما بالفعل، و أما المباح فهو أن يطلب المنزلة بصفة هو متصف بها كقول يوسف (عليه السلام):" اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ" فإنه طلب المنزلة في قلبه بكونه حفيظا عليما، و كان محتاجا إليه، و كان صادقا فيه، و الثاني أن يطلب إخفاء عيب من عيوبه و معصية من معاصيه، حتى لا يعلمه فلا تزول منزلته به، فهذا أيضا مباح، لأن حفظ الستر على القبائح جائز و لا يجوز هتك الستر و إظهار القبيح، فهذا ليس فيه تلبيس بل هو سد لطريق العلم بما لا فائدة في العلم به، كالذي يخفى عن السلطان أنه يشرب الخمر و لا يلقى إليه أنه ورع، فإن قوله: إني ورع تلبيس، و عدم إقراره بالشرب لا يوجب اعتقاده الورع بل يمنع العلم بالشرب. و من جملة المخطورات تحسين الصلاة بين يديه لتحسن فيه اعتقاده، فإن ذلك رياء و هو ملبس إذ يخيل إليه أنه من المخلصين الخاشعين لله، و هو مرائي بما يفعله فكيف يكون مخلصا، فطلب الجاه بهذا الطريق حرام، و كذا بكل معصية، و ذلك يجري مجرى اكتساب المال من غير فرق، و كما لا يجوز له أن يتملك مال غيره بتلبيس في عوض أو في غيره، فلا يجوز له أن يتملك قلبه بتزوير و خداع، فإن ملك القلوب أعظم من ملك الأموال.
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ طَلَبِ الرِّئَاسَةِ