الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)إِيَّاكُمْ وَ الْمِرَاءَ وَ الْخُصُومَةَ فَإِنَّهُمَا يُمْرِضَانِ الأوثان أو معبودهم أيضا، لكنه بعيد عن سياق الآيات السابقة، و قال علي بن إبراهيم بعد نقل هذه الرواية مرسلا عن الصادق (عليه السلام): و في خبر آخر قال: هم بنو أمية و الغاوون بنو فلان أي بنو العباس. الحديث الخامس: مجهول. و خيثمة بفتح الخاء المعجمة و سكون الياء و فتح المثلثة" مٰا عِنْدَ اللّٰهِ" أي من المثوبات و الدرجات و القربات. باب المراء و الخصومة و معاداة الرجال الحديث الأول: ضعيف. و المراء بالكسر مصدر باب المفاعلة و قيل: هو الجدال و الاعتراض على كلام الغير من غير غرض ديني، و في مفردات الراغب: الامتراء و المماراة المحاجة فيما فيه مرية، و هي التردد في الأمر، و في النهاية فيه: لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر، المراء الجدال و التماري و المماراة المجادلة على مذهب الشك و الريبة، و يقال للمناظرة مماراة، لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه و يمتريه، كما يمتري الحالب اللبن من الضرع، قال أبو عبيد: ليس وجه الحديث عندنا على الاختلاف في التأويل، و لكنه على الاختلاف في اللفظ و هو أن يقول الرجل على حرف فيقول الآخر: ليس هو هكذا، و لكنه على خلافه و كلاهما منزل مقروء بهما، فإذا جحد كل واحد منهما قراءة صاحبه لم يؤمن أن يكون يخرجه ذلك إلى الكفر لأنه نفى حرفا أنزله الله على نبيه و قيل: إنما جاء هذا في الجدال و المراء في الآيات التي فيها ذكر القدر و نحوه من المعاني على مذهب أهل الكلام و أصحاب الأهواء و الآراء دون ما تضمنت من الأحكام و أبواب الحلال و الحرام لأن ذلك قد جرى بين الصحابة و من بعدهم من العلماء، و ذلك فيما يكون الغرض منه و الباعث عليه ظهور الحق ليتبع دون الغلبة و التعجيز و الله أعلم. و قال: فيه: ما أوتي الجدل قوم إلا ضلوا، الجدل مقابلة الحجة بالحجة و المجادلة المناظرة و المخاصمة و المراد به في الحديث الجدل على الباطل، و طلب المغالبة به، فأما المجادلة لإظهار الحق فإن ذلك محمود، لقوله تعالى:" وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ". و قال الراغب: الخصم مصدر خصمته أي نازعته خصما يقال: خصمته و خاصمته مخاصمة و خصاما، و أصل المخاصمة أن يتعلق كل واحد بخصم الآخر أي جانبه، و أن يجذب كل واحد خصم الجوالق من جانب. و أقول: هذه الألفاظ الثلاثة متقاربة المعنى، و قد ورد النهي عن الجميع في الآيات و الأخبار و أكثر ما يستعمل المراء و الجدال في المسائل العلمية، و المخاصمة في الأمور الدنيوية، و قد يخص المراء بما إذا كان الغرض إظهار الفضل و الكمال، الْقُلُوبَ عَلَى الْإِخْوَانِ وَ يَنْبُتُ عَلَيْهِمَا النِّفَاقُ و الجدال بما إذا كان الغرض تعجيز الخصم و ذلته، و قيل: الجدل في المسائل العلمية و المراء أعم، و قيل: لا يكون المراء إلا اعتراضا بخلاف الجدال فإنه يكون ابتداء و اعتراضا، و الجدل أخص من الخصومة يقال: جدل الرجل من باب علم فهو جدل إذا اشتدت خصومته، و جادل مجادلة و جدالا إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق و وضوح الصواب، و الخصومة لا تعتبر فيها الشدة و لا الشغل و قال الغزالي: يندرج في المراء كل ما يخالف قول صاحبه مثل أن يقول هذا حلو فيقول هذا مر، أو يقول: من كذا إلى كذا فرسخ، فيقول ليس بفرسخ أو يقول شيئا فتقول أنت أحمق أو أنت كاذب، و يندرج في الخصومة كل ما يوجب تأذي خاطر الآخر و ترداد القول بينهما، و إذا اجتمعا يمكن تخصيص المراء بالأمور الدينية و الخصومة بغيرها أو بالعكس. " فإنهما يمرضان القلوب على الإخوان" أي يغيرانها بالعداوة و الغيظ، و إنما عبر عنها بالمرض لأنها توجب شغل القلب و توزع البال و كثرة التفكر و هي من أشد المحن و الأمراض، و أيضا توجب شغل القلب عن ذكر الله و عن حضور القلب في الصلاة، و عن التفكر في المعارف الإلهية و خلوها عن الصفات الحسنة و تلوثها بالصفات الذميمة و هي أشد الأمراض النفسانية و الأدواء الروحانية، كما قال تعالى:" فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. " و ينبت عليهما النفاق" أي التفاوت بين ظاهر كل واحد منهما و باطنه بالنسبة إلى صاحبه، و هذا نفاق، أو النفاق مع الرب تعالى أيضا إذا كان في المسائل الدينية فإنهما يوجبان حدوث الشكوك و الشبهات في النفس و التصلب في الباطل للغلبة على الخصم بل في الأمور الدنيوية أيضا بالإصرار على مخالفة الله تعالى، و كل ذلك من دواعي النفاق. فإن قيل: هذا ينافي ما ورد في الآيات و الأخبار من الأمر بهداية الخلق و الذب عن الحق و دفع الشبهات عن الدين و قطع حجج المبطلين و قال تعالى: " وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ و قال:" وَ لٰا تُجٰادِلُوا أَهْلَ الْكِتٰابِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ". قلت: هذه الأخبار محمولة على ما إذا كان الغرض محض إظهار الفضل أو الغلبة على الخصم أو التعصب و ترويج الباطل، أو على ما إذا كان مع عدم القدرة على الغلبة و إظهار الحق و كشفه، فيصير سببا لمزيد رسوخ الخصم في الباطل، أو على ما إذا أراد إبطال الباطل بباطل آخر، أو مع إمكان الهداية باللين و اللطف يتعدى إلى الغلظة و الخشونة المثيرتان للفتن أو بترك التقية في زمنها، و أما مع عدم التقية و القدرة على تبيين الحق فالسعي في إظهار الحق و إحيائه و إماتة الباطل بأوضح الدلائل و بالتي هي أحسن مع تصحيح النية في ذلك من غير رياء و لا مراء فهو من أعظم الطاعات، لكن للنفس و الشيطان في ذلك طرق خفية ينبغي التحرز عنها و السعي في الإخلاص فيه أهم من سائر العبادات. و يدل على ما ذكرنا ما ذكره الإمام أبو محمد العسكري (عليه السلام) في تفسيره قال: ذكر عند الصادق (عليه السلام) الجدال في الدين و أن رسول الله و الأئمة المعصومين (عليهم السلام) قد نهوا عنه، فقال الصادق (عليه السلام): لم ينه عنه مطلقا لكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن، أ ما تسمعون الله يقول:" وَ لٰا تُجٰادِلُوا أَهْلَ الْكِتٰابِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" و قوله تعالى:" ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين و الجدال بغير التي هي أحسن محرم حرمه الله تعالى على شيعتنا و كيف يحرم الله الجدال جملة و هو يقول:" وَ قٰالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلّٰا مَنْ كٰانَ هُوداً أَوْ نَصٰارىٰ" قال الله تعالى:" تِلْكَ أَمٰانِيُّهُمْ قُلْ هٰاتُوا بُرْهٰانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ" فجعل علم الصدق و الإيمان بالبرهان، و هل يؤتى بالبرهان إلا في الجدال بالتي هي أحسن، قيل: يا ابن رسول الله فما الجدال بالتي هي أحسن و التي ليست بأحسن؟ قال: أما الجدال بغير التي هي أحسن أن تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ترده بحجة قد نصبها الله تعالى، و لكن تجحد قوله أو تجحد حقا يريد ذلك المبطل أن يعين به باطله فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة، لأنك لا تدري كيف المخلص منه، فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم و على المبطلين، أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته و ضعف ما في يده حجة له على باطله، و أما الضعفاء منكم فتغم قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل. و أما الجدال بالتي هي أحسن فهو ما أمر الله تعالى به نبيه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت و إحيائه له فقال الله حاكيا عنه:" وَ ضَرَبَ لَنٰا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قٰالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظٰامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ" فقال الله في الرد عليهم:" قُلْ" يا محمد" يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نٰاراً فَإِذٰا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ" فأراد الله من نبيه أن يجادل المبطل الذي قال كيف يجوز أن يبعث هذه العظام و هي رميم؟ فقال الله تعالى قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ، أ فيعجز من ابتدأ به لا من شيء أن يعيده بعد أن يبلى، بل ابتداءه أصعب عندكم من إعادته ثم قال:" الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نٰاراً" أي إذا كمن النار الحارة في الشجر الأخضر الرطب يستخرجها فعرفكم أنه على إعادة ما بلى أقدر، ثم قال:" أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ بِقٰادِرٍ عَلىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلىٰ وَ هُوَ الْخَلّٰاقُ الْعَلِيمُ" أي إذا كان خلق السماوات و الأرض أعظم و أبعد في أوهامكم و قدركم أن تقدروا عليه من إعادة البالي، فكيف جوزتم من الله خلق هذا الأعجب عندكم و الأصعب لديكم و لم تجوز أ ما هو أسهل عندكم من إعادة البالي. قال الصادق (عليه السلام): فهذا الجدال بالتي هي أحسن، لأن فيها قطع عذر الكافرين و إزالة شبههم و أما الجدال بغير التي هي أحسن بأن تجحد حقا لا يمكنك أن تفرق بينه و بين باطل من تجادله، و إنما تدفعه عن باطله بأن تجحد الحق فهذا هو المحرم لأنك مثله، جحد هو حقا و جحدت أنت حقا آخر، فقال: قام إليه رجل فقال: يا ابن رسول الله أ فجادل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)؟ فقال الصادق (عليه السلام): مهما ظننت برسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من شيء فلا تظن به مخالفة الله أو ليس الله تعالى قال:" وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" و قال:" قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ" لمن ضرب الله مثلا أ فتظن أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) خالف ما أمره الله به فلم يجادل بما أمره الله و لم يخبر عن الله بما أمره أن يخبر به. و روى أبو عمرو الكشي بإسناده عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إن الناس يعيبون علي بالكلام و أنا أكلم الناس فقال: أما مثلك من يقع ثم يطير فنعم، و أما من يقع ثم لا يطير فلا. و روي أيضا بإسناده عن الطيار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) بلغني أنك كرهت مناظرة الناس؟ فقال: أما مثلك فلا يكره، من إذا طار يحسن أن يقع و إن وقع يحسن أن يطير، فمن كان هكذا لا نكرهه.

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْمِرَاءِ وَ الْخُصُومَةِ وَ مُعَادَاةِ الرِّجَالِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.