أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُيَسِّرٍ قَالَ ذُكِرَ الْغَضَبُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)فَقَالَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ فَمَا يَرْضَى أَبَداً حَتَّى يَدْخُلَ النَّارَ فَأَيُّمَا رَجُلٍ غَضِبَ عَلَى قَوْمٍ وَ هُوَ قَائِمٌ بالشدة و الحمية فقال:" أَشِدّٰاءُ عَلَى الْكُفّٰارِ" و قال تعالى:" يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ جٰاهِدِ الْكُفّٰارَ وَ الْمُنٰافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ" و إنما الغلظة و الشدة من آثار قوة الحمية و هو الغضب و أما الإفراط فهو الإقدام على ما ليس بجميل و استعمالها فيما هو مذموم عقلا و شرعا مثل الضرب و البطش و الشتم و النهب و القتل و القذف و أمثال ذلك فيما لا يجوزه العقل و الشرع. و أما الاعتدال فهو غضب ينتظر إشارة العقل و الدين فينبعث حيث تجب الحمية و ينطفئ حيث يحسن الحلم، و حفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله تعالى بها عباده، و هو الوسط الذي وصفه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حيث قال: خير الأمور أوساطها، فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس نفسه ضعف الغيرة و خمسة النفس و احتمال الذل و الضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه، و من مال غضبه إلى الإفراط حتى جره إلى التهور و اقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه ليسكن من ثورة الغضب و يقف على الوسط الحق بين الطرفين، فهو الصراط المستقيم و هو أدق من الشعر و أحد من السيف، فينبغي أن يسعى في ذلك بحسب جهده و يتوسل إلى الله تعالى في أن يوفقه لذلك. الحديث الثاني: حسن. " فيما يرضى أبدا" فيه تنبيه على أنه ينبغي أن لا يغضب و إن غضب لا يستمر عليه بل يعالجه قريبا بالسعي في الرضا عنه إذ لو استمر عليه اشتد غضبه آنا فآنا و شيئا فشيئا إلى أن يصدر عنه ما يوجب دخوله النار كالقتل و الجرح و أمثالهما، أو فَلْيَجْلِسْ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ سَيَذْهَبُ عَنْهُ رِجْزُ الشَّيْطَانِ وَ أَيُّمَا رَجُلٍ غَضِبَ عَلَى ذِي رَحِمَ فَلْيَدْنُ مِنْهُ فَلْيَمَسَّهُ فَإِنَّ الرَّحِمَ إِذَا مُسَّتْ سَكَنَتْ يصير الغضب له عادة و خلقا فلا يمكنه تركه حتى يدخل بسببه النار. و اعلم أن علاج الغضب أمران: علمي و فعلي أما العلمي فبأن يتفكر في الآيات و الروايات التي وردت في ذم الغضب و مدح كظم الغيظ و العفو و الحلم و يتفكر في توقعه عفو الله عن ذنبه و كف غضبه عنه، و أما الفعلي فذكر (عليه السلام) هنا أمران: الأول قوله" فأيما رجل" ما زائدة" من فوره" كان من بمعنى في، و قال الراغب: الفور شدة الغليان، و يقال ذلك في النار نفسها إذا هاجت و في القدر و في الغضب و يقال فعلت كذا من فوري أي في غليان الحال و قبل سكون الأمر. و قال البيضاوي في قوله تعالى:" وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هٰذٰا" أي من ساعتهم هذه، و هو في الأصل مصدر فارت القدر إذا غلت فاستعير للسرعة ثم أطلق للحال التي لا ريث فيها و لا تراخي، و المعنى أن يأتوكم في الحال، و قال في المصباح: فار الماء يفور فورا نبع و جرى، و فارت القدر فورا و فورانا، و قولهم الشفعة على الفور من هذا، أي على الوقت الحاضر الذي لا تأخير فيه ثم استعمل في الحالة التي لا بطؤ فيها يقال: جاء فلان في حاجته ثم رجع من فوره أي حركته التي وصل فيها و لم يسكن بعدها، و حقيقته أن يصل ما بعد المجيء بما قبله من غير لبث، انتهى. و ضمير فوره للرجل، و قيل: للغضب و الأول أنسب بالآية، و" ذلك" صفة فوره" فإنه سيذهب" كيمنع و الرجز فاعله، أو على بناء الأفعال و الضمير المستتر فاعله و راجع إلى مصدر فليجلس و الرجز مفعوله، و في النهاية الرجز بكسر الراء العذاب و الإثم و الذنب، و رجز الشيطان وساوسه، انتهى. و ذهاب ذلك بالجلوس مجرب كما أن من جلس عند حملة الكلب وجده ساكنا لا يحوم حوله، و فيه سر لا يعلمه إلا الله و الراسخون في العلم، و ربما يقال: السر فيه هو الإشعار بأنه من التراب و عبد ذليل لا يليق به الغضب، أو التوسل بسكون الأرض و ثبوتها، و أقول: كأنه لقلة دواعيه إلى المشي للقتل و الضرب و أشباههما، أو للانتقال من حال إلى حال أخرى، و الاشتغال بأمر آخر فإنهما مما يذهل عن الغضب في الجملة، و لذا ألحق بعض العلماء الاضطجاع و القيام إذا كان جالسا و الوضوء بالماء البارد و شربه، الجلوس في ذهاب الرجز. و أقول: يؤيده ما رواه الصدوق في مجالسه عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن فضال عن علي بن عقبة عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليهما السلام) أنه ذكر عنده الغضب فقال: إن الرجل ليغضب حتى ما يرضى أبدا و يدخل بذلك النار، و أيما رجل غضب و هو قائم فليجلس فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان و إن كان جالسا فليقم و أيما رجل غضب على ذي رحمه فليقم إليه و ليدن منه و ليمسه فإن الرحم إذا مست الرحم سكنت، و ما رواه العامة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا غضب و هو قائم جلس و إذا غضب و هو جالس اضطجع فيذهب غيظه. و قال بعضهم: علاج الغضب أن تقول بلسانك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يقال عند الغيظ، و كان (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا غضبت عائشة أخذ بأنفها و قال: يا عويش قولي: اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي و أذهب غيظ قلبي و أجرني من مضلات الفتن، و يستحب أن تقول ذلك، و إن لم يزل بذلك فاجلس إن كنت قائما و اضطجع إن كنت جالسا، و أقرب من الأرض التي منها خلقت لتعرف بذلك ذل نفسك، و اطلب بالجلوس و الاضطجاع السكون فإن سبب الغضب الحرارة و سبب الحرارة الحركة، إذ قال (صلى الله عليه و آله و سلم) إن الغضب جمرة تتوقد أ لم تر إلى انتفاخ أوداجه و حمرة عينيه، فإن وجد أحدكم من ذلك شيئا فإن كان قائما فليجلس و إن كان جالسا فلينم، فإن لم يزل ذلك فليتوضأ بالماء البارد و ليغتسل، فإن النار لا يطفئها إلا الماء، و قد قال (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا غضب أحدكم فليتوضأ و ليغتسل فإن الغضب من النار، و في رواية أن الغضب من الشيطان و أن الشيطان خلق من النار، و إنما يطفئ النار الماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ، و قال ابن عباس قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إذا غضبت فاسكت، و قال أبو سعيد الخدري: قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أ لا ترون إلى حمرة عينيه و انتفاخ أوداجه، فمن وجد من ذلك شيئا فليلصق خده بالأرض، و كان هذا إشارة إلى السجود و هو تمكين أعز الأعضاء من أذل المواضع و هو التراب ليستشعر به النفس الذل و تزايل به العزة و الزهو الذي هو سبب الغضب. و أما العلاج الثاني فهو خاص بذي الرحم حيث قال: و أيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه أي الغاضب من ذي رحمه" إذا مست" على بناء المجهول أي بمثلها و يحتمل المعلوم أي مثلها، و ما في رواية المجالس المتقدم ذكره أظهر و يظهر منها أنه سقط من رواية الكتاب بعض الفقرات متنا و سندا فتفطن، إذ هي عين هذه الرواية و الظاهر أن سكنت على بناء المعلوم المجرد، و يحتمل المجهول من بناء التفعيل. و قيل: ضمير فليدن راجع إلى ذي الرحم و ضمير منه إلى الرجل و هو بعيد هنا و إن كان له شواهد من بعض الأخبار، منها ما رواه الصدوق (ره) في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بإسناده عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: لما دخلت على الرشيد سلمت عليه فرد على السلام ثم قال: يا موسى بن جعفر خليفتين يجبي إليهما الخراج؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تبوأ بإثمي و إثمك و تقبل الباطل من أعدائنا علينا فقد علمت أنه قد كذب علينا منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْغَضَبِ