عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)الْغَضَبُ مَمْحَقَةٌ لِقَلْبِ الْحَكِيمِ وَ قَالَ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ غَضَبَهُ لَمْ يَمْلِكْ عَقْلَهُ " أوفيكموه" على بناء الأفعال أو التفعيل، و الضمير راجع إلى الموصول أي على دية ما ذكر، و الإيفاء و التوفية إعطاء الحق تاما. الحديث الثاني عشر: حسن كالصحيح. و الجمرة القطعة الملتهبة من النار شبه بها الغضب في الإحراق و الإهلاك، و نسبها إلى الشيطان لأن بنفخ نزعاته و وساوسه تحدث و تشتد و توقد في قلب ابن آدم و تلتهب التهابا عظيما و يغلي بها دم القلب غليانا شديدا كغلي الحميم فيحدث منه دخان بتحليل الرطوبات و ينتشر في العروق و يرتفع إلى أعالي البدن، و الدماغ و الوجه كما يرتفع الماء و الدخان في القدر، فلذلك تحمر العين و الوجه و البشرة و تنتفخ الأوداج و العروق و حينئذ يتسلط عليه الشيطان كمال التسلط و يدخل فيه و يحمله على ما يريد، فيصدر منه أفعال شبيهة بأفعال المجانين و لزوم الأرض يشمل الجلوس و الاضطجاع و السجود كما عرفت. الحديث الثالث عشر: مرفوع. و المحقة مفعلة من المحق و هو النقص و المحو و الإبطال، أي مظنة له و إنما خص قلب الحكيم بالذكر لأن المحق الذي هو إزالة النور إنما يتعلق بقلب له نور و قلب غير الحكيم يعلم بالأولوية و إذا عرفت أن الغضب يمحق قلب الحكيم يعني عقله ظهر لك حقيقة قوله: من لم يملك غضبه لم يملك عقله. قال بعض المحققين: مهما اشتدت نار الغضب و قوي اضطرامها أعمى صاحبه و أصمه عن كل موعظة، فإذا وعظ لم يسمع بل تزيده الموعظة غيظا، و إن أراد أن يستضيء بنور عقله و راجع نفسه لم يقدر على ذلك، إذ ينطفئ نور العقل و ينمحي في الحال بدخان الغضب، فإن معدن الفكر الدماغ و يتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخان إلى الدماغ مظلم مستولي على معادن الفكر، و ربما يتعدى إلى معادن الحس فيظلم عينه حتى لا يرى بعينه و يسود عليه الدنيا بأسرها و يكون دماغه على مثال كهف أضرمت فيه نار، فاسود جوه و حمى مستقره و امتلاء بالدخان جوانبه، و كان فيه سراج ضعيف فانطفأ و انمحى نوره فلا يثبت فيه قدم و لا يسمع فيه كلام، و لا ترى فيه صورة، و لا يقدر على إطفائه لا من داخل و لا من خارج، بل ينبغي أن يصبر إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق، فكذلك يفعل الغضب بالقلب و الدماغ، و ربما يقوى نار الغضب فتفنى الرطوبة التي بها حياة القلب فيموت صاحبه غيظا كما يقوى النار في الكهف فيتشقق و تنهد أعاليه على أسافله، و ذلك لإبطال النار ما في جوانبه من القوة الممسكة الجامعة لأجزائه، فهكذا حال القلب مع الغضب. و من آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون و شدة الرعدة في الأطراف، و خروج الأفعال عن الترتيب و النظام، و اضطراب الحركة و الكلام، حتى يظهر الزبد على الأشداق و تحمر الأحداق و تنقلب المناخر و تستحيل الخلقة، و لو رأى الغضبان في حال غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته، و استحالة خلقته، و قبح باطنه أعظم من قبح ظاهره فإن الظاهر عنوان الباطن، و إنما قبحت صورة الباطن أولا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا فهذا أثره في الجسد، و أما
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْغَضَبِ