الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(عليه السلام)إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِي بِأَيِّ بَادِرَةٍ فَيَكْفُرُ وَ إِنَّ الْحَسَدَ لَيَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ باب الحسد الحديث الأول: صحيح، و في القاموس: البادرة ما يبدر من حدتك في الغضب من قول أو فعل، و في النهاية: البادرة من الكلام الذي يسبق من الإنسان في الغضب و إذا عرفت هذا فهذه الفقرة تحتمل وجوها: الأول: أن يكون المعنى أن عدم منع النفس عن البوادر و عدم إزالة مواد الغضب عن النفس و إرخاء عنان النفس فيها ينجر إلى الكفر أحيانا أو غالبا كما ترى من كثير من الناس يصدر منهم عند الغضب التلفظ بما يوجب الكفر من سب الله سبحانه، و سب الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) أو ارتكاب أعمال يوجب الارتداد، كوطي المصحف الكريم بالرجل، و رميه. الثاني: أن يراد به الحث على ترك البوادر مطلقا، فإن كل بادرة تصير سببا لنوع من أنواع الكفر المقابل للإيمان الكامل. الثالث: أن يقرأ فتكفر على بناء المجهول من باب التفعيل، أي البوادر عند الغضب مكفرة غالبا لعذر الإنسان فيه في الجملة، لا سيما إذا تعقبتها ندامة و قلما لم تتعقبها بخلاف الحسد، فإنها صفة راسخة في النفس تأكل الإيمان، و يمكن حملها حينئذ على ما إذا غلب عليه الغضب بحيث ارتفع عنه القصد، و يمكن أن يقرأ بالياء كما في النسخ على هذا البناء أيضا أي ينسب إلى الكفر و إن كان معذورا عند الله لرفع الاختيار فيكون ذكر البعض مفاسد البادرة، في النهاية: الحسد أن يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنى زوالها عنه، و تكون له دونه، و الغبطة أن يتمنى أن يكون له مثلها و لا يتمنى زوالها عنه، انتهى. و اعلم أنه لا حسد إلا على نعمة، فإذا أنعم الله على أخيك نعمة فلك فيها حالتان أحدهما أن تكره تلك النعمة و تحب زوالها، سواء أردت وصولها إليك أم لا، فهذه الحالة تسمى حسدا، و الثانية أن لا تحب زوالها و لا تكره وجودها و دوامها و لكنك تشتهي لنفسك مثلها، و هذه تسمى غبطة، و قد يخص باسم المنافسة، فأما الأول فهو حرام مطلقا كما هو المشهور، أو إظهارها كما يظهر من بعض الأخبار إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر و هو يستعين بها على تهييج الفتنة و إفساد ذات البين و إيذاء الخلق فلا يضرك كراهتك لها و محبتك لزوالها، فإنك لا تحب زوالها من حيث إنها نغمة بل من حيث هي آلة الفساد، و لو آمنت فساده لم تغمك تنعمه. و أما الحسد المذموم فمع قطع النظر عن الآيات الكثيرة و الأخبار المتواترة الواردة في ذمها و النهي عنها، و صريح العقل أيضا يحكم بقبحها فإنه سخط لقضاء الله في تفضيل بعض عباده على بعض، و أي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك فيها مضرة و سيأتي ذكر بعض مفاسدها. و أما المنافسة فليست بحرام بل هي إما واجبة أو مندوبة أو مباحة، كما قال تعالى:" وَ فِي ذٰلِكَ فَلْيَتَنٰافَسِ الْمُتَنٰافِسُونَ" و قال سبحانه:" سٰابِقُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ" فأما الواجبة فهي ما إذا كانت في نعمه دينية واجبة كالإيمان و الصلاة و الزكاة، فإنه إن لم يحب أن يكون له مثل ذلك يكون راضيا بالمعصية و هو حرام، و المندوبة فيما إذا كانت النعمة من الفضائل كإنفاق الأموال في المكارم و الصدقات، و المباحة فيما إذا كانت لغيره نعمة مباحة يتنعم فيها على وجه مباح، فيتمنى أن يكون له مثلها يتنعم بها من غير أن يريد زوالها عنه في الجميع. و أقول: يمكن أن يفرض فيها فرد حرام كان يتمنى منصبا حراما أو مالا حراما أو مالا حلالا ليصرفها في الحرام، بل مكروه أيضا كان يتمنى مال شبهة أو مالا حلالا ليصرفها في المصارف المكروهة. و قيل: للحسد أسباب كثيرة يحصر جملتها سبعة: العداوة و التعزز و الكبر، و التعجب، و الخوف من فوت المقاصد المحبوبة، و حب الرئاسة، و خبث النفس و بخلها، فإنه إنما يكره النعمة عليه إما لأنه عدوه فلا يريد له الخير، و إما أن يكون من حيث يعلم أنه يستكبر بالنعمة عليه، و هو لا يطيق احتمال كبره و تفاخره لعزة نفسه و هو المراد بالتعزز، و إما أن يكون في طبعه أن يتكبر على المحسود و يمتنع ذلك عليه بنعمته، و هو المراد بالتكبر، و إما أن تكون النعمة عظيمة و المنصب كبيرا فيتعجب من فوز مثله بمثل تلك النعمة كما أخبر الله تعالى عن الأمم الماضية إذ قالوا مٰا أَنْتُمْ إِلّٰا بَشَرٌ مِثْلُنٰا، و قالوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنٰا، و أمثال ذلك كثيرة، فتعجبوا من أن يفوز برتبة الرسالة و الوحي و القرب من الله بشر مثلهم فحسدوهم و هو المراد بالتعجب، و إما أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمته بأن يتوصل بها إلى مزاحمته في أغراضه، و إما أن يكون بحب الرئاسة التي يبتني على الاختصاص بنعمة لا يساوي فيها، و إما أن لا يكون بسبب من هذه الأسباب بل لخبث النفس و شحها بالخير لعباد الله. فهذه أسباب الحسد و قد يجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد، فيعظم الحسد لذلك و يقوى قوة لا يقدر معها على الإخفاء و المجاملة، بل يهتك حجاب المجاملة و يظهر العداوة بالمكاشفة، و أكثر المحاسدات يجتمع فيها جملة من هذه الأسباب. و اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب و لا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم و العمل، و العلم المنافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر عليك في الدنيا و الدين، و أنه لا ضرر به على المحسود في الدين و الدنيا، بل ينتفع بها في الدنيا و الدين، و مهما عرفت هذا عن بصيرة و لم تكن عدو نفسك و صديق عدوك فارقت الحسد لا محالة، أما كونه ضررا عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى، و كرهت نعمته التي قسمها لعباده، و عدله الذي أقامه في ملكه تخفى حكمته، و استنكرت ذلك و استبشعته، و هذه جناية على حدقة التوحيد، و قذى في عين الإيمان، و ناهيك بها جناية على الدين، و قد انضاف إليه أنك غششت رجلا من المؤمنين و تركت نصيحته و فارقت أولياء الله و أنبيائه في حبهم الخير لعباد الله، و شاركت إبليس و سائر الكفار في حبهم للمؤمنين البلايا و زوال النعم، و هذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب و الإيمان فيه. و الحاصل أن الحسد مع كونه في نفسه صفة منافية للإيمان يستلزم عقائد فاسدة كلها منافية لكمال الإيمان و اليقين، و أيضا لاشتغال النفس بالتفكر في أمر المحسود و التدبير لدفعه يمنعها عن تحصيل الكمالات و التوجه إلى العبادات، و حضور القلب فيها، و تولد في النفس صفاتا ذميمة كلها توجب نقص الإيمان، و أيضا يوجب عللا في البدن و ضعفا فيها يمنع الإتيان بالطاعات على وجهها، فينقص بل يفسد الإيمان على أي معنى كان، و لذا قال (عليه السلام): يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب. و أما كونه ضررا في الدنيا عليك، فهو أنه تتألم بحسدك و تتعذب به، و لا تزال في كد و غم إذ أعداؤك لا يخليهم الله عن نعم يفيضها عليهم، فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها عليهم و تتأذى و تتألم بكل بلية تنصرف عنهم، فتبقى مغموما محزونا متشعب القلب ضيق النفس كما تشتهيه لأعدائك، و كما يشتهي أعداؤك لك، فقد كنت تريد المحنة لعدوك فتنجزت في الحال محنتك و غمك نقدا، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لله در الحسد حيث بدء بصاحبه فقتله، و لا تزول النعمة على المحسود بحسدك. و لو لم تكن تؤمن بالبعث و الحساب لكان مقتضى الفطنة إن كنت عاقلا أن تحذر من الحسد لما فيه من ألم القلب و مساءته مع عدم النفع، فكيف و أنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة، و أما إنه لا ضرر على المحسود في دينه و دنياه فواضح، لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك، بل ما قدره الله من إقبال و نعمة فلا بد من أن يدوم إلى أجل قدره الله فلا حيلة في دفعه، بل كل شيء عنده بمقدار، و لكل أجل كتاب. و أما أن المحسود ينتفع به في الدين و الدنيا فواضح، أما منفعته في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى القول و الفعل بالغيبة و القدح فيه، و هتك ستره و ذكر مساويه، فهذه هدايا تهديها إليه أعني أنك بذلك تهدي إليه حسناتك حتى تلقاه يوم القيامة مفلسا محروما عن النعمة كما حرمت في الدنيا عن النعمة، فأضفت له نعمة إلى نعمة، و لنفسك شقاوة إلى شقاوتك، و أما منفعته في الدنيا فهو أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء و غمهم و شقاوتهم، و كونهم معذبين مغمومين، و لا عذاب أعظم مما أنت فيه من ألم الحسد، و غاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة و أن تكون في غم و حسرة بسببهم و قد فعلت بنفسك ما هو مرادهم. ثم اعلم أن المؤذي ممقوت بالطبع و من آذاك لا يمكنك أن لا تبغضه غالبا و إذا تيسرت له نعمة فلا يمكنك أن لا تكرهها له حتى يستوي عندك حسن حال عدوك و سوء حاله، بل لا تزال تدرك في النفس بينهما فرقا، و لا يزال الشيطان ينازعك في الحسد له و لكن إن قوي ذلك فيك حتى يبعثك على إظهار الحسد بقول أو فعل بحيث يعرف ذلك من ظاهرك بأفعالك الاختيارية فأنت إذا حسود عاص بحسدك، و إن كففت ظاهرك بالكلية إلا أنك بباطنك تحب زوال النعمة، و ليس في نفسك كراهة لهذه الحالة فأنت أيضا حسود عاص لأن الحسد صفة القلب لا صفة الفعل، قال الله تعالى:" وَ لٰا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حٰاجَةً مِمّٰا أُوتُوا" و قال: " وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمٰا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوٰاءً" و قال:" إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ" أما بالفعل فهو غيبة و كذب و هو عمل صادر عن الحسد، و ليس هو عين الحسد بل محل الحسد القلب دون الجوارح، نعم هذا الحسد ليست مظلمة يحبب الاستحلال منها، بل هو معصية بينك و بين الله، و إنما يجب الاستحلال من الأسباب الظاهرة على الجوارح و أما إذا كففت ظاهرك و ألزمت مع ذلك قلبك كراهية ما يترشح منه بالطبع من حيث زوال النعمة حتى كأنك تمقت نفسك على ما في طبعها، فتكون تلك الكراهية من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع، فقد أديت الواجب عليك و لا مدخل تحت اختيارك في أغلب الأحوال أكثر من هذا فأما تغيير الطبع ليستوي عنده المؤذي و المحسن و يكون فرحه أو غمه بما تيسر لهما من نعمة و تصب عليهما من بلية سواء، فهذا مما لا يطاوع الطبع عليه ما دام ملتفتا إلى حظوظ الدنيا إلا أن يصير مستغرقا بحب الله تعالى مثل السكران الواله، فقد ينتهي أمره إلى أن لا يلتفت قلبه إلى تفاصيل أحوال العباد بل ينظر إلى الكل بعين واحدة و هو عين الرحمة، و يرى الكل عباد الله، و ذلك إن كان فهو كالبرق الخاطف لا يدوم و يرجع القلب بعد ذلك إلى طبعه، و يعود العدو إلى منازعته أعني الشيطان فإنه ينازع بالوسوسة، فمهما قابل ذلك بكراهة ألزم قلبه فقد أدى ما كلفه، و ذهب ذاهبون إلى أنه لا يأثم إذا لم يظهر الحسد على جوارحه، و روي مرفوعا أنه ثلاثة في المؤمن له منهن مخرج و مخرجه من الحسد أن لا يبغي، و الأولى أن يحمل هذا على ما ذكرناه من أن يكون فيه

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْحَسَدِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.