الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ٤

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْراً وَ كَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدَرَ الغرائب منه، و قوله (عليه السلام): يا قصير! دل على جواز مخاطبة الإنسان ببعض أوصافه المشهورة، لا على وجه الاستهزاء، و الظاهر أن ذلك كان تأديبا له. قوله (عليه السلام) و عاد، أي في نفسه و اعتقاده" إلى مرتبته" أي الإقرار بحط نفسه عن الارتقاء إلى درجة النبوة و سلم لعيسى (عليه السلام) فضله و نبوته و ترك الحسد له. الحديث الرابع: ضعيف على المشهور. " كاد الفقر أن يكون كفرا" أقول: هذه الفقرة تحتمل وجوها: الأول: ما خطر بالبال أن المراد به الفقر إلى الناس و هذا هو الفقر المذموم، فإن سؤال الخلق و عدم التوجه إلى خالقه و من ضمن رزقه في طلب الرزق و سائر الحوائج نوع من الكفر و الشرك، لعدم الاعتماد على الله سبحانه و ضمانه، و ظنه أن المخلوق العاجز قادر على إنجاح حوائجه و سوق الرزق إليه بدون تقديره، و تيسيره و تسبيبه، فبعضها يقرب من الكفر، و بعضها من الشرك. الثاني: أن المراد به الفقر القاطع لعنان الاصطبار، و قد وقعت الاستعاذة منه، و أما الفقر الممدوح فهو المقرون بالصبر، قال الغزالي: سبب ذلك أن الفقير إذا نظر إلى شدة حاجته و حاجة عياله، و رأى نعمة جزيلة مع الظلمة و الفسقة و غيرهم، ربما يقول: ما هذا الإنصاف من الله؟ و ما هذه القسمة التي لم تقع على العدل فإن لم يعلم شدة حاجتي ففي علمه نقص، و إن علم و منع مع القدرة على الإعطاء ففي جوده نقص، و إن منع لثواب الآخرة فإن قدر على إعطاء الثواب بدون هذه المشقة الشديدة فلم منع، و إن لم يقدر ففي قدرته نقص، و مع هذا يضعف اعتقاده بكونه عدلا جوادا كريما مالكا لخزائن السماوات و الأرض، و حينئذ يتسلط عليه الشيطان و يذكر له شبهات حتى يسب الفلك و الدهر و غيرهما، و كل ذلك كفر أو قريب منه، و إنما يتخلص من هذه الأمور من امتحن الله قلبه للإيمان، و رضي عن الله سبحانه في المنع و الإعطاء، و علم أن كل ما فعله بالنسبة إليه فهو خير له و قليل ما هم. الثالث: ما ذكره الراوندي (قدس سره) حيث قال: معنى الحديث و الله أعلم أنه إشارة إلى أن الفقير يسف إلى المأكل الدنية و المطاعم الوبية، و إذا وجد أولاده يتضورون من الجوع و العري، و رأى نفسه لا يقدر على تقويم أودهم و إصلاح حالهم، و التنفيس عنهم كان بالحري أن يسرق و يخون و يغصب و ينهب، و يستحل أموال الناس و يقطع الطريق و يقتل المسلم أو يخدم بعض الظلمة، فيأكل ما يغصبه و يظلمه، و هذا كله من أفعال من لا يحاسب نفسه و لا يؤمن بيوم الحساب، فهو قريب إلى أن يكون كافرا بحتا، و في الأثر: عجبت لمن له عيال و ليس له مال كيف لا يخرج على الناس بالسيف؟ انتهى. و أقول: المعاني متقاربة و المال واحد. و أما قوله (عليه السلام): و كاد الحسد أن يغلب القدر، ففيه أيضا وجوه: الأول: ما ذكر الراوندي (ره) حيث قال: إن المعنى أن للحسد تأثيرا قويا في النظر في إزالة النعمة عن المحسود أو التمني لذلك، فإنه ربما يحمله حسده على قتل المحسود و إهلاك ماله و إبطال معاشه فكأنه سعى في غلبة المقدور، لأن الله تعالى قد قدر للمحسود الخير و النعمة، و هو يسعى في إزالة ذلك منه، و قيل: الحسد منصف لأنه يبدأ بصاحبه و قيل: الحسود لا يسود، و قيل: الحسد يأكل الجسد، و كاد يعطي أنه قرب الفعل و لم يكن، و يفيد في الحديث شدة تأثير الفقر و الحسد و إن لم يكونا يغلبان القدر، و يقال: إن كاد إذا أوجب به الفعل دل على النفي، و إذا نفى دل على الوقوع، انتهى. و قريب منه ما قيل فيه مبالغة في تأثير الحسد في فساد النظام المقدر للعالم، فإنه كثيرا ما يبعث صاحبه على قتل النفوس و نهب الأموال و سبي الأولاد و إزالة النعم حتى كأنه غير راض بقضاء الله و قدره، و يطلب الغلبة عليهما، و هو في حد الشرك بالله. الثاني: ما قيل: المعنى أن الحسد قد يغلب القدر بأن يزيد في المحسود ما قدر له من النعمة. الثالث: أن يكون المراد غلبة القدر بتغيير نعمة الحاسد و زوال ما قدر له من الخير. الرابع: أن يكون المراد كاد أن يغلب الحسد في الوزر و الإثم القول بالقدر مع شدة عذاب القدرية. الخامس: أن يكون إشارة إلى تأثير العين فإن الباعث عليه الحسد كما فسر جماعة من المفسرين قوله تعالى:" وَ مِنْ شَرِّ حٰاسِدٍ إِذٰا حَسَدَ" بإصابة العين، و روى العامة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الخاصة عن الصادق (عليه السلام): لو كان شيء يسبق القدر سبقه العين، و قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى:" لٰا تَدْخُلُوا مِنْ بٰابٍ وٰاحِدٍ" خاف العين عليهم لأنهم كانوا ذوي جمال و هيئة و كمال، و هم إخوة أولاد رجل واحد عن ابن عباس و الحسن و قتادة و الضحاك و السدي و أبو مسلم، و قيل: خاف عليهم حسد الناس إياهم و أن يبلغ الملك قوتهم و بطشتهم فيحبسهم أو يقتلهم خوفا على ملكه، عن الجبائي، و أنكر العين و ذكر أنه لم يثبت بحجة و جوزه كثير من المحققين، و رووا فيه الخبر عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أن العين حق تستنزل الحالق، و الحالق المكان المرتفع من الجبل و غيره، فجعل (عليه السلام) كأنها تحط ذروة الجبل من قوة أخذها و شدة بطشها، و ورد في الخبر أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يعوذ الحسن و الحسين (عليهما السلام) بأن يقول: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان هامة و من كل عين لامة، و روي أن إبراهيم (عليه السلام) عوذ ابنيه، و أن موسى عوذ ابني هارون بهذه العوذة، و روي أن بني جعفر بن أبي طالب كانوا غلمانا بيضا فقالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله إن العين إليهم سريعة أ فأسترقي لهم من العين؟ فقال (صلى الله عليه و آله و سلم): نعم، و روي أن جبرئيل (عليه السلام) رقا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و علمه الرقية، و هي: بسم الله أرقيك من كل عين حاسد، الله يشفيك، و روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: لو كان شيء يسبق القدر لسبقه العين. ثم اختلفوا في وجه تأثير الإصابة بالعين فروي عن الجاحظ أنه قال: لا ينكر أن ينفصل من العين الصائبة إلى الشيء المستحسن أجزاء لطيفة تتصل به و تؤثر فيه، و يكون هذا المعنى خاصة في بعض الأعين كالخواص في بعض الأشياء، و قد اعترض على ذلك بأنه لو كان كذلك لما اختص ذلك ببعض الأشياء دون بعض، و لأن الأجزاء تكون جواهر و الجواهر متماثلة، و لا يؤثر بعضها في بعض، و قال أبو هاشم: هو فعل الله بالعادة لضرب من المصلحة و هو قول القاضي. و قال الفخر الرازي في تفسير الآية التي في سورة يوسف: لنا ههنا مقامان الأول إثبات أن العين حق، ثم استدل على ذلك بإطباق المتقدمين من المفسرين على أن المراد من هذه الآية ذلك، ثم استدل بالروايات المتقدمة و غيرها، ثم قال: المقام الثاني في الكشف عن ماهيته فنقول: إن الجبائي أنكر هذا المعنى إنكارا بليغا و لم يذكر في إنكاره شبهة فضلا عن حجة، و أما الذين اعترفوا به فقد ذكروا فيه وجوها: الأول: قال الجاحظ تمتد من العين أجزاء فتتصل بالشخص المستحسن فتؤثر و تسري فيه كتأثير اللسع و السم و النار و إن كان مخالفا في وجه التأثير لهذه الأشياء، قال القاضي: و هذا ضعيف لأنه لو كان الأمر كما قال لوجب أن يؤثر في الشخص الذي لا يستحسن كتأثيره في المستحسن، و اعلم أن هذا الاعتراض ضعيف و ذلك لأنه إذا استحسن شيئا فقد يحب بقائه كما إذا استحسن ولد نفسه و بستان نفسه و قد يكره بقائه كما إذا استحسن الحاسد بحصول شيء حسن لعدوه فإن كان الأول فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله، و الخوف الشديد يوجب انحصار الروح في داخل القلب، فحينئذ يسخن القلب و الروح جدا، و تحصل في الروح الباصر كيفية قوة مسخنة، و إن كان الثاني فإنه تحصل عند ذلك الاستحسان حسد شديد و حزن عظيم بسبب حصول تلك النعمة لعدوه، و الحزن أيضا يوجب انحصار الروح في داخل القلب، و تحصل فيه سخونة شديدة، فثبت أن عند الاستحسان القوي يسخن الروح جدا فيسخن شعاع العين، بخلاف ما إذا لم يستحسن فإنه لا تحصل هذه السخونة، فظهر الفرق بين الصورتين و لهذا السبب أمر الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) العائن بالوضوء، و من إصابته العين بالاغتسال. أقول: على ما ذكره إذا عاين شيئا عند استحسان شيء آخر و حصول تلك الحالة فيه أو عند حصول غضب شديد على رجل آخر أو حصول هم شديد من مصيبة أو خوف عظيم من عدو أن يؤثر نظره إليه و إلى كل شيء يعاينه، و معلوم أنه ليس كذلك. ثم قال الرازي: الثاني: قال أبو هاشم و أبو القاسم البلخي: لا يمتنع أن يكون العين حقا و يكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشيء و أعجب به استحسانا كانت المصلحة له في تكليفه أن يغير الله تعالى ذلك الشخص أو ذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقا به، فهذا التغيير غير ممتنع ثم لا يبعد أيضا أنه لو ذكر ربه عند ذلك الحالة و بعد عن الإعجاب و سأل ربه فعنده تتغير المصلحة و الله سبحانه يبقيه و لا يفنيه، و لما كانت هذه العادة مطردة لا جرم قيل: للعين حق. الوجه الثالث: هو قول الحكماء قالوا: هذا الكلام مبني على مقدمة و هي أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة أعني الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة، بل قد يكون التأثير نفسانيا محضا، و لا تكون القوي الجسمانية لها تعلق به، و الذي يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض إذا كان موضوعا على الأرض قدر الإنسان على المشي عليه، و لو كان موضوعا فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان عن المشي عليه، و ما ذلك إلا لأن خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه منه، فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة، و أيضا أن الإنسان إذا تصور كون فلان مؤذيا له حصل في قلبه غضب و سخن مزاجه، فمبدأ تلك السخونة ليس إلا ذاك التصور النفساني و لأن مبدء الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية و لما ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضا أن يكون بعض النفوس تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان، فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان، و أيضا جواهر النفوس مختلفة بالمهية، فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن تراه و تتعجب منه، فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل و التجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه، و النصوص النبوية نطقت به، فعند هذا لا يبقى في وقوعه شك، و إذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين كلام حق لا يمكن رده. أقول: و رأيت في شرح هذا للشريف الأجل الرضي الموسوي (قدس الله روحه) كلاما أحببت إيراده في هذا الموضع قال: إن الله يفعل المصالح بعباده على حسب ما يعلمه من الصلاح لهم في تلك الأفعال التي يفعلها، فغير ممتنع أن يكون

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْحَسَدِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.