عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ الحديث الرابع: موثق. و في القاموس جثم الإنسان و الطائر و النعام و الخشف و اليربوع يجثم جثما لزم مكانه فلم يبرح، أو وقع على صدره أو تلبد بالأرض، انتهى. و الحاصل أن الشيطان يدير ابن آدم في كل شيء أي يبعثه على ارتكاب كل ضلالة و معصية أو يكون معه و يلازمه عند عروض كل شبهة أو شهوة لعله يضله أو يزله" فإذا أعياه" المستتر راجع إلى ابن آدم، و البارز إلى الشيطان أي لم يقبل منه و لم يطعه حتى أعياه ترصد له و اختفى عند المال، فإذا أتى المال أخذ برقبته فأوقعه فيه بالحرام أو الشبهة. و الحاصل أن المال أعظم مصائد الشيطان إذ قال من لم يفتتن به عند تيسره له، و كأنه محمول على الغالب إذ قد يكون لا يفتتن بالمال و يفتتن بحب الجاه و بعض الشهوات الغالبة، و قيل: فإذا أعياه، أي أعجزه عن كل شهوة و لذة، و ذلك بأن يشيب كما ورد في حديث آخر: يشيب ابن آدم و يشب فيه خصلتان الحرص و طول الأمل. الحديث الخامس: صحيح. " من لم يتعز بعزاء الله" قال في النهاية: فيه: من لم يتعز بعزاء الله فليس منا، أي من لم يدع بدعوة الإسلام فيقول: يا للإسلام و يا للمسلمين و يا لله، و قيل: أراد بالتعزي التسلي و التصبر عند المصيبة و أن يقول: إنا لله و إنا إليه راجعون، كما أمر الله تعالى، و معنى قوله: بعزاء الله أي بتعزية الله تعالى إياه، فأقام الاسم حَسَرَاتٍ عَلَى الدُّنْيَا وَ مَنْ أَتْبَعَ بَصَرَهُ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ كَثُرَ هَمُّهُ وَ لَمْ يُشْفَ غَيْظُهُ مقام المصدر، انتهى. و قيل: العزاء مصدر بمعنى الصبر أو اسم للتعزية، و كلاهما مناسب، و على الأول إسناده إلى الله تعالى لأنه السبب له و الباء إما للآلية المجازية كما قيل في قوله تعالى:" فَتَقَبَّلَهٰا رَبُّهٰا بِقَبُولٍ حَسَنٍ" أو للسببية، و الحاصل أنه من لم يصبر على ما فاته من الدنيا و على البلايا التي تصيبه فيها بما سلاه الله في قوله" وَ بَشِّرِ الصّٰابِرِينَ الَّذِينَ إِذٰا أَصٰابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قٰالُوا إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ" و سائر الآيات الواردة في ذم الدنيا و فنائها، و مدح الرضا بقضائه تعالى" تقطعت نفسه" للحسرات على المصائب و على ما فاته من الدنيا، و ربما يحصل الحسرات على ما يحصل له عند الموت من مفارقتها أو الأعم منها و مما يحصل له في الدنيا و جمعية الحسرات مع كونه مصدرا لإرادة الأنواع. " و من اتبع نظره ما في أيدي الناس" أي نظر إلى من هو فوقه من أهل الدنيا. و ما في أيديهم من نعيمها و زبرجها نظر رغبة و تحسر و تمن" كثر همه" لعدم تيسرها له فيغتاظ لذلك و يحسدهم عليها و لا يمكنه شفاء غيظه إلا بأن يحصل له أكثر مما في أيديهم أو يسلب الله عنهم جميع ذلك، و لا يتيسر له شيء من الأمرين فلا يشفي غيظه أبدا و لا يتهنأ له العيش ما رأى في نعمه أحدا و لا يتفكر في أنه إنما منعه الله ذلك لأنه علم أنه سبب هلاكه، فهو يتمنى حالهم و لا يعلم حقيقة مالهم كما حكى الله سبحانه عن قوم تمنوا حال قارون حيث قالوا" يٰا لَيْتَ لَنٰا مِثْلَ مٰا أُوتِيَ قٰارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَ قٰالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوٰابُ اللّٰهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً وَ لٰا يُلَقّٰاهٰا إِلَّا الصّٰابِرُونَ. فَخَسَفْنٰا بِهِ وَ بِدٰارِهِ الْأَرْضَ. أَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكٰانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللّٰهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ وَ يَقْدِرُ وَ مَنْ لَمْ يَرَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ نِعْمَةً إِلَّا فِي مَطْعَمٍ أَوْ مَشْرَبٍ أَوْ مَلْبَسٍ فَقَدْ قَصُرَ عَمَلُهُ وَ دَنَا عَذَابُهُ لَوْ لٰا أَنْ مَنَّ اللّٰهُ عَلَيْنٰا لَخَسَفَ بِنٰا وَيْكَأَنَّهُ لٰا يُفْلِحُ الْكٰافِرُونَ" و انتفاء الخسف الظاهري بأهل الأموال و التجبر من هذه الأمة لا يوجب انتفاء الخسف في دركات الشهوات النفسانية و مهاوي التعلقات الجسمانية و الحرمان عن درجات القرب و الكمال، و خسفهم في عظيم النكال و شديد الوبال، أعاذنا الله و سائر المؤمنين من جميع ذلك، و يسهل لنا الوصول في الدارين إلى أحسن الأحوال. " و من لم ير أن لله عليه نعمة إلا في مطعم" أي من توهم أن نعمة الله عليه منحصرة في هذه النعم الظاهرة كالمطعم و المشرب و المسكن و أمثالها فإذا فقدها أو شيئا منها ظن أنه ليس لله عليه نعمة فلا ينشط في طاعة الله، و إن عمل شيئا مع هذه العقيدة الفاسدة و عدم معرفة منعمه لا ينفعه و لا يتقبل منه، فيكون عمله قاصرا و عذابه دانيا لأن هذه النعم الظاهرة حقيرة في جنب نعم الله العظيمة عليه من الإيمان و الهداية و التوفيق و العقل و القوي الظاهرة و الباطنة، و الصحة و دفع شر الأعادي و غيرها مما لا يحصى، بل هذا الفقر أيضا من أعظم نعم الله عليه، و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. و قال بعض المحققين: معنى الحديث أن من لم يصبر و لم يسل أو لم يحسن الصبر و السلوة على ما رزقه الله من الدنيا بل أراد الزيادة في المال أو ألجأه مما لم يرزقه إياه تقطعت نفسه متحسرا حسرة بعد حسرة على ما يراه في يدي غيره ممن فاق عليه في العيش فهو لم يزل يتبع بصره ما في أيدي الناس، و من أتبع بصره ما في أيدي الناس كثر همه و لم يشف غيظه، فهو لم ير أن لله عليه نعمة إلا نعم الدنيا و إنما يكون كذلك من لا يوقن بالآخرة، و من لم يوقن بالآخرة قصر عمله، و إذ ليس له
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ حُبِّ الدُّنْيَا وَ الْحِرْصِ عَلَيْهَا