عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جَنَاحٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ عَنْ مُهَاجِرٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ مَرَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ(عليها السلام)عَلَى قَرْيَةٍ قَدْ مَاتَ أَهْلُهَا وَ طَيْرُهَا وَ دَوَابُّهَا فَقَالَ أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا إِلَّا بِسَخْطَةٍ وَ لَوْ مَاتُوا و باطنه لله كالطاعات و الخيرات الخالصة، الثاني: ما يكون ظاهره و باطنه للدنيا كالمعاصي و كثير من المباحات أيضا لأنها مبدء البطر و الغفلة، الثالث: ما يكون ظاهره لله و باطنه للدنيا كالأعمال الريائية، الرابع: عكس الثالث، كطلب الكفاف لحفظ بقاء البدن و القوة على العبادة و تكميل النفس بالعلم و العمل. " بقدر علمهم" أي بعيوبها و فنائها و مضرتها" ما من أحد عظمها فقرت عينه فيها" أي من عظمها و تعلق قلبه بها تصير سببا لبعده عن الله، و لا تبقى الدنيا له فيخسر الدنيا و الآخرة، و من حقرها تركها و لم يأخذ منها إلا ما يصير سببا لتحصيل الآخرة فينتفع بها في الدارين. الحديث العاشر: كالسابق و قد مر مضمونه. الحديث الحادي عشر: كالسابق أيضا. " أما إنهم" قال الشيخ البهائي (قدس سره): أما بالتخفيف حرف استفتاح و تنبيه يدخل على الجمل لتنبيه المخاطب و طلب إصغائه إلى ما يلقى إليه، و قد يحذف ألفها نحو أم و الله زيد قائم" إلا بسخطة" السخط بالتحريك و بضم أوله و سكون ثانيه مُتَفَرِّقِينَ لَتَدَافَنُوا فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا رُوحَ اللَّهِ وَ كَلِمَتَهُ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ لَنَا الغضب" لتدافنوا" الظاهر أن التفاعل هيهنا بمعنى فعل كتواني و يمكن إبقاؤه على أصل المشاركة بتكلف" فقال الحواريون" هم خواص عيسى (عليه السلام) قيل: سموا حواريين لأنهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي يقصرونها و ينقونها من الأوساخ و يبيضونها، مشتق من الحور و هو البياض الخالص، و قال بعض العلماء: إنهم لم يكونوا قصارين على الحقيقة و إنما أطلق هذا الاسم عليهم رمزا إلى أنهم كانوا ينقون نفوس الخلائق من الأوساخ و الأوصاف الذميمة و الكدورات، و يرقونها إلى عالم النور من عالم الظلمات. " يا روح الله" أقول: في تسميته (عليه السلام) روحا أقوال: الأول أنه إنما سماه روحا لأنه حدث عن نفخة جبرئيل في درع مريم بأمر الله تعالى، و إنما نسبه إليه لأنه كان بأمره، و قيل: إنما أضافه إليه تفخيما لشأنه كما قال: الصوم لي و أنا أجزي به، و قد يسمى النفخ روحا، و الثاني: أن المراد به يحيي به الناس في دينهم كما يحيون بالأرواح، و الثالث: أن معناه إنسان أحياه الله بتكوينه بلا واسطة من جماع و نطفة كما جرت العادة بذلك، الرابع: أن معناه و رحمة منه، و الخامس: أن معناه روح من الله خلقها فصورها ثم أرسلها إلى مريم فدخلت في فيها فصيرها الله سبحانه عيسى، السادس: سماه روحا لأنه كان يحيي الموتى كما أن الروح يصير سببا للحياة. و كذا اختلفوا في تسميته" كلمة" في قوله سبحانه:" إِذْ قٰالَتِ الْمَلٰائِكَةُ يٰا مَرْيَمُ إِنَّ اللّٰهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ" و قوله تعالى:" إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّٰهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقٰاهٰا إِلىٰ مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ" على أقوال: أحدها: أنه إنما سمي بذلك لأنه حصل بكلمة من الله من غير والد، و هو قوله" كُنْ" كما قال سبحانه:" إِنَّ مَثَلَ عِيسىٰ عِنْدَ اللّٰهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ قٰالَ لَهُ كُنْ فَيُخْبِرُونَا مَا كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فَنَجْتَنِبَهَا فَدَعَا عِيسَى(عليه السلام)رَبَّهُ فَنُودِيَ مِنَ الْجَوِّ أَنْ نَادِهِمْ فَقَامَ عِيسَى(عليه السلام)بِاللَّيْلِ عَلَى شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ يَا أَهْلَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ فَأَجَابَهُ مِنْهُمْ مُجِيبٌ لَبَّيْكَ يَا رُوحَ اللَّهِ وَ كَلِمَتَهُ فَقَالَ وَيْحَكُمْ مَا كَانَتْ أَعْمَالُكُمْ فَيَكُونُ" و الثاني: أنه سمي بذلك لأن الله تعالى بشر به في الكتب السالفة، أو بشرت بها مريم على لسان الملائكة، الثالث: أنه يهتدي به الخلق كما اهتدوا بكلام الله و وحيه. " فنودي من الجو" بالفتح و التشديد ما بين السماء و الأرض" على شرف" قال الشيخ البهائي (قدس سره): الشرف المكان العالي قيل: و منه سمي الشريف شريفا تشبيها للعلو المعنوي بالعلو المكاني" فقال ويحك" ويح اسم فعل بمعنى الترحم كما أن ويل كلمة عذاب، و بعض اللغويين يستعمل كلا منهما مكان الأخرى و الطاغوت فلعوت من الطغيان و هو تجاوز الحد و أصله طغيوت فقدموا لامه على عينه على خلاف القياس، ثم قلبوا الياء ألفا فصارت طاغوت، و هو يطلق على الكاهن و الشيطان و الأصنام، و على كل رئيس في الضلالة، و على كل ما يصد عن عبادة الله تعالى، و على كل ما عبد من دون الله تعالى، و يجيء مفردا لقوله تعالى:" يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ" و جمعا كقوله تعالى:" وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمٰاتِ". و قال (قدس سره): لعلك تظن أن ما تضمنه هذا الحديث من أن الطاعة لأهل المعاصي عبادة لهم جار على ضرب من التجوز لا الحقيقة، و ليس كذلك بل هو حقيقة فإن العبادة ليست إلا الخضوع و التذلل و الطاعة و الانقياد، و لهذا جعل سبحانه اتباع الهوى و الانقياد إليه عباده للهوى فقال:" أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ قَالَ عِبَادَةُ الطَّاغُوتِ وَ حُبُّ الدُّنْيَا مَعَ خَوْفٍ قَلِيلٍ وَ أَمَلٍ بَعِيدٍ وَ غَفْلَةٍ فِي لَهْوٍ وَ لَعِبٍ فَقَالَ كَيْفَ كَانَ حُبُّكُمْ لِلدُّنْيَا قَالَ كَحُبِّ الصَّبِيِّ لِأُمِّهِ إِذَا أَقْبَلَتْ عَلَيْنَا فَرِحْنَا وَ سُرِرْنَا وَ إِذَا أَدْبَرَتْ عَنَّا بَكَيْنَا وَ حَزِنَّا قَالَ كَيْفَ كَانَتْ عِبَادَتُكُمْ لِلطَّاغُوتِ قَالَ الطَّاعَةُ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي قَالَ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِكُمْ قَالَ بِتْنَا لَيْلَةً فِي عَافِيَةٍ وَ أَصْبَحْنَا إِلٰهَهُ هَوٰاهُ" و جعل طاعة الشيطان عبادة له فقال تعالى:" أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لٰا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ" ثم نقل أخبارا كثيرة في ذلك، و قال بعد ذلك: و إذا كان اتباع الغير و الانقياد إليه عباده له فأكثر الخلق عند التحقيق مقيمون على عبادة أهواء نفوسهم الخسيسة الدنية و شهواتهم البهيمية و السبعية على كثرة أنواعها و اختلاف أجناسها، و هي أصنامهم التي هم عليها عاكفون و الأنداد التي هم لها من دون الله عابدون، و هذا هو الشرك الخفي نسأل الله سبحانه أن يعصمنا عنه و يطهر نفوسنا منه بمنه و كرمه. و" غفلة" عطف على خوف، و عطفه على عبادة الطاغوت بعيد" في لهو" قال الشيخ (ره): لفظة في هنا إما للظرفية المجازية كما في نحو: النجاة في الصدق، أو بمعنى مع كما في قوله تعالى:" ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ" أو للسببية كقوله تعالى: " فَذٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ". " إذا أقبلت علينا" قال (قدس سره): الشرطيتان واقعتان موقع أي المفسرة لحب الصبي لأمه" قال: الطاعة لأهل المعاصي" قال (رحمه الله): ما ذكره هذا الرجل المكلم لعيسى على نبينا و (عليه السلام) في وصف أصحاب تلك القرية و ما كانوا عليه من الخوف القليل و الأمل البعيد و الغفلة و اللهو و اللعب و الفرح بإقبال الدنيا و الحزن بإدبارها، هو بعينه حالنا و حال أهل زماننا، بل أكثرهم خال عن فِي الْهَاوِيَةِ فَقَالَ وَ مَا الْهَاوِيَةُ فَقَالَ سِجِّينٌ قَالَ وَ مَا سِجِّينٌ قَالَ جِبَالٌ مِنْ جَمْرٍ تُوقَدُ عَلَيْنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ فَمَا قُلْتُمْ وَ مَا قِيلَ لَكُمْ قَالَ قُلْنَا رُدَّنَا إِلَى الدُّنْيَا فَنَزْهَدَ فِيهَا قِيلَ لَنَا كَذَبْتُمْ قَالَ وَيْحَكَ كَيْفَ لَمْ يُكَلِّمْنِي غَيْرُكَ مِنْ بَيْنِهِمْ قَالَ يَا رُوحَ اللَّهِ إِنَّهُمْ مُلْجَمُونَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ بِأَيْدِي مَلَائِكَةٍ غِلَاظٍ شِدَادٍ وَ إِنِّي كُنْتُ فِيهِمْ وَ لَمْ أَكُنْ مِنْهُمْ فَلَمَّا نَزَلَ الْعَذَابُ عَمَّنِي مَعَهُمْ فَأَنَا مُعَلَّقٌ بِشَعْرَةٍ ذلك الخوف القليل أيضا، نعوذ بالله من الغفلة و سوء المنقلب. " قال جبال من جمر" في القاموس: الجمر النار المتقدة، و الجمع جمر، قال الشيخ المتقدم ذكره (رحمه الله) هذا صريح في وقوع العذاب في مدة البرزخ أعني ما بين الموت و البعث، و قد انعقد عليه الإجماع و نطقت به الأخبار، و دل عليه القرآن العزيز، و قال به أكثر أهل الملل و إن وقع الاختلاف في تفاصيله، و الذي يجب علينا هو التصديق المجمل بعذاب واقع بعد الموت و قبل الحشر في الجملة، و أما كيفياته و تفاصيله فلم نكلف بمعرفتها على التفصيل و أكثرها مما لا تسعه عقولنا، فينبغي ترك البحث و الفحص عن تلك التفاصيل، و صرف الوقت فيما هو أهم منها أعني فيما يصرف ذلك العذاب و يدفعه عنا كيف ما كان، و على أي نوع حصل، و هو المواظبة على الطاعات و اجتناب المنهيات لئلا يكون حالنا في الفحص عن ذلك و الاشتغال به عن الكفر فيما يدفعه و ينجي منه كحال شخص أخذه السلطان و حبسه ليقطع في غد يده و يجدع أنفه فترك الفكر في الحيل المؤدية إلى خلاصه و بقي طول ليله متفكرا في أنه هل يقطع بالسكين أو بالسيف، و هل القاطع زيد أو عمرو." قيل لنا كذبتم" دل على أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه كما نطقت به الآية، أو كذبتم فيما دل عليه قولكم هذا أنه يمكنكم العود، و ربما يقرأ بالتشديد أي كذبتم الرسل فلا محيص عن عذابكم" قال: يا روح الله" في بعض عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ لَا أَدْرِي أُكَبْكَبُ فِيهَا أَمْ أَنْجُو مِنْهَا فَالْتَفَتَ عِيسَى(عليه السلام)إِلَى الْحَوَارِيِّينَ فَقَالَ يَا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ أَكْلُ الْخُبْزِ الْيَابِسِ بِالْمِلْحِ الْجَرِيشِ وَ النَّوْمُ عَلَى الْمَزَابِلِ خَيْرٌ كَثِيرٌ مَعَ عَافِيَةِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ حُبِّ الدُّنْيَا وَ الْحِرْصِ عَلَيْهَا