عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَبْدِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)يَقُولُ مَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِالدُّنْيَا تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِثَلَاثِ خِصَالٍ هَمٍّ لَا يَفْنَى- وَ أَمَلٍ لَا يُدْرَكُ وَ رَجَاءٍ لَا يُنَالُ و قيل: فيه إشارة إلى أن ذا المال الكثير قد لا ينتفع به بسبب مرض أو غيره و ذا المال القليل ينتفع به أكثر منه، و لا يخفى ما فيه" جعل الله الغنى في قلبه" أي بالتوكل على ربه و الاعتماد عليه و إخراج الحرص و حب الدنيا من قلبه لا بكثرة المال و غيره، و لذا نسبه إلى القلب" و جمع له أمره" أي جعل أحواله منتظمة، و باله فارغا عن حب الدنيا و تشعب الفكر في طلبها. الحديث السادس عشر: ضعيف على المشهور. " من كثر اشتباكه بالدنيا" أي اشتغاله و تعلق قلبه بها يقال: اشتبكت النجوم إذا كثرت و انضمت، و كل متداخلين مشتبكان، و منه تشبيك الأصابع لدخول بعضها في بعض، و الغرض الترغيب في رفض الدنيا و ترك محبتها لئلا يشتد الحزن و الحسرة في مفارقتها. الحديث السابع عشر: ضعيف. " هم لا يفنى" لأنه لا يحصل له ما هو مقتضى حرصه و أمله في الدنيا و لا يمكنه الاحتراز عن آفاتها و مصائبها فهو في الدنيا دائما في الغم لما فات و الهم لما لم يحصل، و إذا مات فهو في أحزان و حسرات من مفارقتها، و لم يقدم منها شيئا ينفعه فهمه لا يفنى أبدا، و الفرق بين الأمل و الرجاء أن متعلق الأمل العمر، و البقاء في الدنيا، و متعلق الرجاء ما سواه، أو متعلق الأمل بعيد الحصول و متعلق الرجاء قريب الوصول، و معلوم أن محب الدنيا و طالبها يأمل منها ما لا مطمع في حصوله، لكن لشدة حرصه يطلبه و يأمله و يرجو الانتفاع بها، فيحول الأجل بينه و بينها أو يرجو الآخرة و جمعها مع الدنيا، مع أنه لا يسعى لتحصيل الآخرة و يقصر همه على تحصيل الدنيا، و نعم ما قيل: يا طالب الرزق مجتهدا أقصر عنانك فإن الرزق مقسوم لا تحرصن على ما لست تدركه إن الحريص على الآمال محروم تتمة مهمة قد مر منا تحقيق في معنى الدنيا المذمومة و الممدوحة في باب ذم الدنيا، و نذكر هنا على وجه آخر قال بعض المحققين: اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي و ما الذي ينبغي أن يجتنب، فلا بد أن نبين الدنيا المذمومة المأمور باجتنابها لكونها عدوة قاطعة لطريق الله ما هي. فنقول: دنياك و آخرتك عبارتان عن حالتين من أحوال قلبك و القريب الداني منهما يسمى دنيا، و هي كل ما قبل الموت، و المتراخي المتأخر يسمى آخرة و هي ما بعد الموت، فكل ما لك فيه حظ و غرض و نصيب و شهوة و لذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك، إلا أن جميع مالك إليه ميل و فيه نصيب و حظ فليس بمذموم، بل هي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما يصحبك في الدنيا و يبقى معك ثمرته بعد الموت، و هو شيئان العلم و العمل فقط، و أعني بالعلم العلم بالله و صفاته و أفعاله و ملائكته و كتبه و رسله، و ملكوت أرضه و سمائه، و العلم بشريعة نبيه، و أعني بالعمل العبادة الخالصة لوجه الله، و قد يأنس العالم بالعلم حتى يصير ذلك ألذ الأشياء عنده، فيهجر النوم و المنكح و المطعم في لذته لأنه أشهى عنده من جميعها، فقد صار حظا عاجلا في الدنيا، و لكنا إذا ذكرنا الدنيا المذمومة لم نعد هذا من الدنيا أصلا، بل قلنا أنه من الآخرة، و كذلك العابد قد يأنس بعبادته و يستلذها بحيث لو منعت عنه لكان ذلك أعظم العقوبات عليه، و هذا أيضا ليس من الدنيا المذمومة. الثاني: و هو المقابل للقسم الأول على الطرف الأقصى كل ما فيه حظ عاجل و لا ثمرة له في الآخرة أصلا، كالتلذذ بالمعاصي، و التنعم بالمباحات الزائدة على قدر الضرورات و الحاجات الداخلة في جملة الرفاهية و الرعونات كالتنعم بالقناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسومة و الأنعام و الحرث، و الغلمان و الجواري و الخيول و المواشي و القصور و الدور المشيدة، و رفيع الثياب و لذائذ الأطعمة، فحظ العبد من هذه كلها هي الدنيا المذمومة، و فيما يعد فضولا و في محل الحاجة نظر طويل. الثالث: و هو متوسط بين الطرفين كل حظ في العاجل معين على الأعمال الآخرة كقدر القوت من الطعام، و القميص الواحد الخشن، و كل ما لا بد منه ليتأتى للإنسان البقاء و الصحة التي يتوصل إلى العلم و العمل، و هذا ليس من الدنيا كالقسم الأول، لأنه معين على القسم الأول و وسيلة فمهما تناوله العبد على قصد الاستعانة على العلم و العمل، لم يكن به متناولا للدنيا، و لم يصر به من أبنائها. و إن كان باعثه الحظ العاجل دون الاستعانة على التقوى التحق بالقسم الثاني و صار من جملة الدنيا. و لا يبقى مع العبد عند الموت إلا ثلاث: صفاء القلب، و أنسه بذكر الله، و حبه لله و صفاء القلب لا يحصل إلا بالكف عن شهوات الدنيا، و الأنس لا يحصل إلا بكثرة ذكر الله، و الحب لا يحصل إلا بالمعرفة، و لا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر، فهذه الثلاث هي المنجيات المسعدات بعد الموت، و هي الباقيات الصالحات، أما طهارة القلب عن شهوات الدنيا فهي من المنجيات، إذ تكون جنة بين العبد و بين عذاب الله و أما الإنس و الحب فهما من المسعدات و هي موصلان العبد إلى لذة اللقاء و المشاهدة و هذه السعادة تتعجل عقيب الموت إلى أن يدخل الجنة، فيصير القبر روضة من رياض الجنة، و كيف لا يكون كذلك و لم يكن له إلا محبوب واحد، و كانت العوائق تعوقه عن الأنس بدوام ذكره و مطالعة جماله، فارتفعت العوائق و أفلت من السجن، و خلي بينه و بين محبوبة، فقدم عليه مسرورا آمنا من الفرق، و كيف لا يكون محب الدنيا عند الموت معذبا و لم يكن له محبوب إلا الدنيا، و قد غصب منه و حيل بينه و بينه و سدت عليه طرق الحيلة في الرجوع إليه، و ليس الموت عدما إنما هو فراق لمحاب الدنيا و قدوم على الله تعالى. فإذا سالك طريق الآخرة هو المواظب على أسباب هذه الصفات الثلاث، و هي الذكر و الفكر و العمل الذي يفطمه عن شهوات الدنيا، و يبغض إليه ملاذها و يقطعه عنها، و كل ذلك لا يمكن إلا بصحة البدن، و صحة البدن لا تنال إلا بالقوت و الملبس و المسكن و يحتاج كل واحد إلى أسباب. فالقدر الذي لا بد منه من هذه الثلاثة إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا، و كانت الدنيا في حقه مزرعة الآخرة، و إن أخذ ذلك على قصد التنعم و لحظ النفس صار من أبناء الدنيا، و للراغبين في حظوظها إلا أن الرغبة في حظوظ الدنيا تنقسم إلى ما يعرض صاحبه لعذاب الله في الآخرة، و يسمى ذلك حراما و إلى ما يحول بينه و بين الدرجات العلى، و يعرضه لطول الحساب، و يسمى ذلك حلالا و البصير يعلم أن طول الموقف في عرصات القيامة لأجل المحاسبة أيضا عذاب، فمن نوقش في الحساب عذب فلذلك قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): حلالها حساب و حرامها عقاب، و قد قال أيضا: حلالها عذاب إلا أنه عذاب أخف من عذاب الحرام، بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت من الدرجات العلى في الجنة، و ما يرد على القلب من التحسر على تفويتها بحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها، هو أيضا عذاب. فالدنيا قليلها و كثيرها حلالها و حرامها ملعونة إلا ما أعان على تقوى الله، كان ذلك القدر ليس من الدنيا، و كل من كانت معرفته أقوى و أتقن كان حذره من نعيم الدنيا أشد، و لهذا زوى الله تعالى الدنيا عن نبينا (صلى الله عليه و آله و سلم) فكان يطوي أياما و كان يشد الحجر على بطنه من الجوع، و لهذا سلط الله البلاء و المحن على الأنبياء و الأولياء ثم الأمثل فالأمثل، كل ذلك نظرا لهم و امتنانا عليهم ليتوفر من الآخرة حظهم، كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذيذ الفواكه، و يلزمه ألم الفصد و الحجامة شفقة عليه، و حبا له لا بخلا به عليه. و قد عرفت بهذا أن كل ما ليس لله فهو للدنيا، و ما هو لله فليس من الدنيا فإن قلت: فما الذي هو لله؟ فأقول: الأشياء ثلاثة أقسام، منها: ما لا يتصور أن يكون لله، و هو الذي يعبر عنه بالمعاصي و المحظورات، و أنواع التنعمات في المباحات و هي الدنيا المحضة المذمومة فهي الدنيا صورة و معنى. و منها: ما صورتها لله و يمكن أن يجعل لغير الله، و هي ثلاثة: الفكر و الذكر و الكف عن الشهوات، فهذه الثلاث إذا جرت سرا و لم يكن عليها باعث سوى أمر الله و اليوم الآخر فهي لله، و ليست من الدنيا، و إن كان الغرض من النظر طلب العلم للتشرف و طلب القبول بين الخلق بإظهار المعرفة، أو كان الغرض من ترك الشهوة حفظ المال أو الحمية لصحة البدن أو الاشتهار بالزهد فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى و إن كان يظن بصورتها أنها لله. و منها: ما صورتها لحظ النفس و يمكن أن يجعل معناه لله، و ذلك كالأكل و النكاح و كل ما يرتبط به بقاؤه و بقاء ولده، فإن كان القصد حظ النفس فهو من الدنيا، و إن كان القصد الاستعانة على التقوى فهو لله بمعناه، و إن كان صورته صورة الدنيا، قال (صلى الله عليه و آله و سلم): من طلب الدنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله و هو عليه غضبان و من طلبها استعفافا عن المسألة و صيانة لنفسه جاء يوم القيامة و وجهه كالقمر ليلة البدر. انظر كيف اختلف ذلك بالقصد، فإذا الدنيا حظ نفسك العاجل الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة و يعبر عنه بالهوى، و إليه أشار قوله تعالى:" وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوىٰ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوىٰ". و اعلم أن مجامع الهوى خمسة أمور، و هي ما جمعه الله عز و جل في قوله: " أَنَّمَا الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفٰاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكٰاثُرٌ فِي الْأَمْوٰالِ وَ الْأَوْلٰادِ". و الأعيان التي تحصل منها هذه الأمور سبعة يجمعها قوله تعالى:" زُيِّنَ لِلنّٰاسِ حُبُّ الشَّهَوٰاتِ مِنَ النِّسٰاءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَنٰاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعٰامِ وَ الْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتٰاعُ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ اللّٰهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ" فقد عرفت أن كلما هو لله فليس من الدنيا، و قدر ضرورة القوت و ما لا بد منه من مسكن و ملبس فهو لله إن قصد منه وجه الله، و الاستكثار منه تنعم و هو لغير الله، و بين التنعم و الضرورة درجة يعبر عنها بالحاجة، و لها طرفان و واسطة، طرف يقرب من حد الضرورة فلا يضر فإن الاقتصار على حد الضرورة غير ممكن، و طرف تتاخم جانب التنعم و يقرب منه، و ينبغي أن يحذر، و بينهما وسائط متشابهة و من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، و الحزم في الحذر و التقوى و التقرب حد الضرورة ما أمكن اقتداء بالأنبياء و الأولياء. ثم قال: اعلم أن الدنيا عبارة من أعيان موجودة و للإنسان فيها حظ و له في إصلاحها شغل، فهذه ثلاثة أمور قد يظن أن الدنيا عبارة عن آحادها و ليس كذلك أما الأعيان الموجودة التي الدنيا عبارة عنها فهي الأرض و ما عليها، قال الله تعالى: " إِنّٰا جَعَلْنٰا مٰا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهٰا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" فالأرض فراش للآدميين و مهاد و مسكن و مستقر، و ما عليها لهم ملبس و مطعم و مشرب و منكح، و يجمع ما على الأرض ثلاثة أقسام: المعادن و النبات و الحيوان، أما المعادن فيطلبها الآدمي للآلات و الأواني كالنحاس و الرصاص، أو للنقد كالذهب و الفضة و لغير ذلك من المقاصد و أما النبات فيطلبها الآدمي للاقتيات و للتداوي، و أما الحيوان فينقسم إلى الإنسان و البهائم، أما البهائم فيطلب لحومها للمأكل و ظهورها للمركب و الزينة، و أما الإنسان فقد يطلب الآدمي أن يملك أبدان الناس ليستخدمهم و يستسخرهم كالغلمان، أو ليتمتع بهم كالجواري و النسوان، و يطلب قلوب الناس ليملكها فيغرس فيه التعظيم و الإكرام، و هو الذي يعبر عنه بالجاه، إذ معنى الجاه ملك قلوب الآدميين. فهذه هي الأعيان التي يعبر عنها بالدنيا، و قد جمعها الله تعالى في قوله:" زُيِّنَ لِلنّٰاسِ حُبُّ الشَّهَوٰاتِ مِنَ النِّسٰاءِ وَ الْبَنِينَ" و هذا من الأنس" وَ الْقَنٰاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ" و هذا من المعادن و الجواهر و فيه تنبيه على غيرها من اللئالي و اليواقيت" وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعٰامِ" و هي البهائم و الحيوانات" وَ الْحَرْثِ" و هو النبات و الزرع. فهذه هي أعيان الدنيا إلا أن لها مع العبد علاقتين علاقة مع القلب، و هو حبه لها و حظه منها، و انصراف قلبه إليها، حتى يصير قلبه كالعبد، أو المحب المستهتر بالدنيا و يدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المتعلقة بالدنيا كالكبر و الغل و الحسد، و الرياء و السمعة و سوء الظن و المداهنة و حب الثناء و حب التكاثر و التفاخر فهذه هي الدنيا الباطنة و أما الظاهرة فهي الأعيان التي ذكرناها، و العلاقة الثانية مع البدن و هو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان ليصلح لحظوظه و حظوظ غيره و هي جملة الصناعات و الحرف التي الخلق مشغولون بها، و الخلق إنما تسعى أنفسهم و مالهم و منقلبهم لهاتين العلاقتين علاقة القلب بالحب و علاقة البدن بالشغل. و لو عرف نفسه و عرف ربه و عرف حكمة الدنيا و سرها، علم أن هذه الأعيان التي سميتها دنيا لم تخلق إلا لعلف الدابة التي تسير بها إلى الله تعالى، و أعني بالدابة البدن فإنه لا يبقى إلا بمطعم و ملبس و مسكن، كما لا يبقى الإبل في طريق الحج إلا بعلف و ماء و جلال. و مثال العبد في نسيانه نفسه و مقصده مثال الحاج الذي يقف في منازل الطريق و لا يزال يعلف الدابة و يتعهدها و ينظفها و يكسوها ألوان الثياب، و يحمل إليها أنواع الحشيش، و يبرد لها الماء بالثلج، حتى تفوته القافلة و هو غافل عن الحج و عن مرور القافلة، و عن بقائه في البادية، فريسة للسباع هو و ناقته، و الحاج البصير لا يهمه من أمر الجمل إلا القدر الذي يقوى به على المشي فيتعهده و قلبه إلى الكعبة و الحج و إنما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة، فكذلك البصير في سفر الآخرة لا يشتغل بتعهد البدن إلا بالضرورة، كما لا يدخل الماء إلا للضرورة، و لا فرق بين إدخال الطعام في البدن و بين إخراجه من البطن، و أكثر ما شغل الناس عن الله البدن، فإن القوت ضروري و أمر الملبس و المسكن أهون، و لو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور و اقتصروا عليها لم تستغرقهم أشغال الدنيا فإنما استغرقتهم لجهلهم بالدنيا و حكمتها و حظوظهم منها، و لكنهم جهلوا و غفلوا و تتابعت أشغال الدنيا و اتصلت بعضها ببعض، و تداعت إلى غير نهاية محدودة فتاهوا في كثرة الأشغال و نسوا مقصودها. و أما تفاصيل أشغال الدنيا و كيفية حدوث الحاجة إليها و انجرار بعضها إلى بعض فمما يطول ذكرها و خارج عن مقصود كتابنا. و إذا تأملت فيها علمت أن الإنسان لاضطراره إلى القوت و المسكن و الملبس يحتاج إلى خمس صناعات، و هي الفلاحة لتحصيل النبات، و الرعاية لحفظ الحيوانات و استنتاجها، و الاقتناص لتحصيل ما خلق الله من صيد أو معدن أو حشيش أو حطب، و الحياكة للباس، و البناء للمسكن، ثم يحتاج بسبب ذلك إلى التجارة و الحدادة و الخرز أي إصلاح جلود الحيوانات و أجزائها، ثم لبقاء النوع إلى المنكح ثم إلى حفظ الولد و تربيته ثم لاجتماعهم إلى قرية يجتمعون فيها، ثم إلى قاض و حاكم يتحاكمون إليه، ثم إلى جند يحرسهم عن الأعادي ثم إلى خراج يعان به الجند ثم إلى عمال و خزان لذلك، ثم إلى ملك يدبرهم، و أمير مطاع و قائد على كل طائفة منهم. فانظر كيف ابتداء الأمر من حاجة القوت و المسكن و الملبس و إلى ما ذا انتهى و هكذا أمور الدنيا لا يفتح منها باب إلا و ينفتح منها بسببه عشرة أبواب أخر و هكذا يتناهى إلى حد غير محصور، و كأنها هاوية لا نهاية لعمقها، و من وقع في مهواة منها سقط عنها إلى أخرى و هكذا على التوالي، فهذه هي الحرف و الصناعات، و يتفرع عليها أيضا بناء الحوانيت و الخانات للمتحرفة و التجار و جماعة يتجرون و يحملون الأمتعة من بلد إلى بلد، و يتفرع عليها الكراية و الإجارة، ثم يحدث بسبب البيوع و الإجارات و أمثالها الحاجة إلى النقدين لتقع المعاملة بهما فاتخذت النقود من الذهب و الفضة و النحاس، ثم مست الحاجة إلى الضرب و النقش و التقدير فحدث الحاجة إلى دار الضرب و إلى الصيارفة فهذه أشغال الخلق و هي معائشهم و شيء من هذه الحرف لا يمكن مباشرته إلا بنوع تعلم و تعب في الابتداء. و في الناس من يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به أو يمنعه مانع فيبقى عاجزا فيحتاج إلى أن يأكل مما سعى فيه غيره فتحدث فيه حرفتان خسيستان اللصوصية و الكدية، و للصوص أنواع و لهم حيل شتى في ذلك، و أما التكدي فله أسباب مختلفة، فمنهم من يطلب ذلك بالتمسخر و المحاكاة و الشعبذة و الأفعال المضحكة، و قد يكون بالأشعار مع النغمة أو غيرها في المدح، أو التعشق أو غيرهما، أو تسليم ما يشبه العوض و ليس بعوض كبيع التعويذات و الطلسمات، و كأصحاب القرعة و الفال و الزجر من المنجمين، و يدخل في هذا الجنس الوعاظ المتكدون على رؤوس المنابر. فهذه هي أشغال الخلق و أعمالهم التي أكبوا عليها و جرهم إلى ذلك كله الحاجة إلى القوت و الكسوة، و لكن نسوا في أثناء ذلك أنفسهم و مقصودهم و منقلبهم و مالهم، فضلوا و تاهوا و سبق إلى عقولهم الضعيفة بعد أن كدرها زحمة أشغال الدنيا خيالات فاسدة، و انقسمت مذاهبهم و اختلفت آراؤهم على عدة أوجه. فطائفة غلبت عليهم الجهل و الغفلة فلم ينفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمرهم، فقالوا المقصود أن نعيش أياما في الدنيا فنجهد حتى نكسب القوت ثم نأكل حتى نقوى على الكسب ثم نكتسب حتى نأكل، فيأكلون ليكسبوا، و يكسبون ليأكلوا فهذه مذاهب المداحين و المتحرفين و من ليس لهم تنعم في الدنيا و لا قدم في الدين. و طائفة أخرى زعموا أنهم تفطنوا للأمر و هو أن ليس المقصود أن يشقي الإنسان و لا يتنعم في الدنيا بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوات الدنيا و هي شهوة البطن و الفرج، فهؤلاء طائفة نسوا أنفسهم و صرفوا همتهم إلى اتباع النسوان و جمع لذائذ الأطعمة، يأكلون كما تأكل الأنعام و يظنون أنهم إذا نالوا ذلك فقد أدركوا غايات السعادات، فيشغلهم ذلك عن الله و اليوم الآخر. و طائفة ظنوا أن السعادة في كثرة المال و الاستغناء بكنز الكنوز، فأسهروا ليلهم و نهارهم في الجمع، فهم يتعبون في الأسفار طول الليل و النهار، يترددون في الأعمال الشاقة و يكسبون و يجمعون و لا يأكلون إلا قدر الضرورة شحا و بخلا عليها أن تنقص، و هذه لذتهم و في ذلك دأبهم و حركتهم إلى أن يأتيهم الموت فيبقى تحت الأرض أو يظفر به من يأكله في الشهوات و اللذات، فيكون للجامع تعبها و وبالها و للآكل لذتها و حسابها. ثم إن الذين يجمعون ينظرون إلى أمثال ذلك في أشباههم و أمثالهم فلا يعتبرون. و طائفة زعموا أن السعادة في حسن الاسم و انطلاق الألسن بالثناء و المدح بالتجمل و المروة فهؤلاء يتعبون في كسب المعايش و يضيقون على أنفسهم في المطعم و يصرفون جميع مالهم إلى الملابس الحسنة و الدواب النفيسة، و يزخرفون أبواب الدور و ما يقع عليه أبصار الناس حتى يقال إنه غني و أنه ذو ثروة و يظنون أن ذلك هو السعادة، فهمتهم في ليلهم و نهارهم في تعهد موقع نظر الناس. و طائفة أخرى ظنوا أن السعادة في الجاه و الكرامة بين الناس، و انقياد الخلق بالتواضع و التوقير، فصرفوا همتهم إلى استجرار الناس إلى الطاعة بطلب الولاية و تقلد الأعمال السلطانية لينفذوا أمرهم بها على طائفة من الناس، و يرون أنهم إذا اتسعت ولايتهم و انقادت لهم رعاياهم فقد سعدوا سعادة عظيمة، و أن ذلك غاية المطلب، و هذا أغلب الشهوات على قلوب المتغافلين من الناس، فهؤلاء شغلهم حب تواضع الناس لهم عن التواضع لله و عن عبادته، و عن التفكر في آخرتهم و معادهم. و وراء هذا طوائف يطول حصرها تزيد على نيف و سبعين فرقه كلهم ضلوا و أضلوا من سواء السبيل، و إنما جرهم إلى جميع ذلك حاجة المطعم و الملبس و المسكن فنسوا ما يراد له هذه الأمور الثلاثة، و القدر الذي يكفي منها و انجرت بهم أوائل أسبابها إلى أواخرها، و تداعت لهم إلى مبادئ لم يمكنهم الترقي منها، فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الأسباب و الأشغال و عرف غاية المقصود منها فلا يخوض في شغل و حرفة و عمل إلا و هو عالم بمقصوده، و عالم بحظه و نصيبه منه، و أن غاية مقصوده تعهد بدنه بالقوت و الكسوة حتى لا يهلك. و ذلك إن سلك فيه سبيل التقليل اندفعت الأشغال و فرغ القلب و غلب عليه ذكر الآخرة، و انصرف الهمة إلى الاستعداد له، و إن تعدى به قدر الضرورة كثرة الأشغال، و تداعى البعض إلى البعض و تسلسل إلى غير النهاية فتشعب به الهموم و من تشعب به الهموم في أودية الدنيا فلا يبال الله في أي واد أهلكه، فهذا شأن المنهمكين في أشغال الدنيا. و تنبه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدنيا فحسدهم الشيطان فلم يتركهم و أضلهم في الأغراض أيضا حتى انقسموا إلى طوائف، فظنت طائفة أن الدنيا دار بلاء و محنة و الآخرة دار سعادة لكل من وصل إليها، سواء تعبد في الدنيا أو لم يتعبد، فرأوا أن الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدنيا، و إليه ذهب طوائف من عباد الهند فهم يتهجمون على النار و يقتلون أنفسهم بالإحراق، و يظنون أن ذلك خلاص منهم من سجن الدنيا. و ظنت طائفة أخرى أن القتل لا يخلص بل لا بد أولا من إماتة الصفات البشرية و قلعها عن النفس بالكلية، و أن السعادة في قطع الشهوة و الغضب ثم أقبلوا على المجاهدة فشددوا حتى هلك بعضهم بشدة الرياضة، و بعضهم فسد عقله و جن، و بعضهم مرض و انسدت عليه طرق العبادة، و بعضهم عجز عن قمع الصفات بالكلية، فظن أن ما كلفه الشرع محال، و أن الشرع تلبيس لا أصل له، فوقع في الإلحاد و الزندقة. و ظهر لبعضهم أن هذا التعب كله لله، و أن الله مستغن عن عبادة العباد، لا ينقصه عصيان عاص و لا يزيده عبادة عابد، فعادوا إلى الشهوات و سلكوا مسالك الإباحة فطووا بساط الشرع و الأحكام، و زعموا أن ذلك من صفاء توحيدهم حيث اعتقدوا أن الله مستغن عن عبادة العباد. و ظن طائفة أخرى أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله سبحانه، فإذا حصلت المعرفة فقد وصل، و بعد الوصال يستغني عن الوسيلة و الحيلة، فتركوا السعي و العبادة و زعموا أنه ارتفع محلهم في معرفة الله سبحانه سبحانه أن يمتحنوا بالتكاليف، و إنما التكليف على عوام الخلق. و وراء هذا مذاهب باطلة و ضلالة هائلة و خيالات فاسدة يطول إحصاؤها إلى أن يبلغ نيفا و سبعين فرقة، و إنما الناجي منها فرقة واحدة و هي السالكة ما كان عليه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و أصحابه، و هو أن لا يترك الدنيا بالكلية و لا يقمع الشهوات بالكلية أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزاد، و أما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع و العقل فلا يتبع كل شهوة و لا يترك كل شهوة، بل يتبع العدل، و لا يترك كل شيء من الدنيا و لا يطلب كل شيء من الدنيا، بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا و يحفظه على حد مقصوده، فيأخذ من القوت ما يقوى به البدن على العبادة، و من المسكن ما يحفظ به من اللصوص و الحر و البرد، و من الكسوة كذلك حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على الله بكنه همه، و اشتغل بالذكر و الفكر طول العمر، و بقي ملازما لسياسة الشهوات، و مراقبا لها حتى لا يجاوز حدود الورع و التقوى. و لا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية الذين صحت عقائدهم و اتبعوا الرسول و الأئمة الهدى (صلوات الله عليهم) في أقوالهم و أفعالهم، فإنهم ما كانوا يأخذون الدنيا للدنيا، بل للدين، و ما كانوا يترهبون و يهجرون الدنيا بالكلية و ما كان لهم في الأمور تفريط و لا إفراط بل كانوا بين ذلك قواما، و ذلك هو العدل
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ حُبِّ الدُّنْيَا وَ الْحِرْصِ عَلَيْهَا