الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْوَابِشِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)يَقُولُ احْذَرُوا أَهْوَاءَكُمْ كَمَا تَحْذَرُونَ أَعْدَاءَكُمْ " و ليس يحصد أحد من المر حلوا" هذا تمثيل لبيان أن جزاء الشر لا يكون نفعا و خيرا، و جزاء الخير و ثمرته لا يكون شرا و وبالا في الدارين. الحديث الثالث و العشرون: ضعيف على المشهور. باب اتباع الهوى الحديث الأول: مجهول. " احذروا أهواءكم" الأهواء جمع الهوى و هو مصدر هويه كرضيه إذا أحبه و اشتهاه، ثم سمي به المهوي المشتهى، محمودا كان أو مذموما ثم غلب على المذموم. قال الجوهري: كل حال هواء، و قوله تعالى:" وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَوٰاءٌ" يقال: إنه لا عقول فيها، و الهوى مقصورا هوى النفس، و الجمع الأهواء، و هوى بالكسر يهوي هوى أي أحب، الأصمعي: هوى بالفتح يهوي هويا أي سقط إلى أسفل. و قال الراغب: الهوى ميل النفس إلى الشهوة، و يقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة، و قيل: سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية و في الآخرة فَلَيْسَ شَيْءٌ أَعْدَى لِلرِّجَالِ مِنِ اتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ وَ حَصَائِدِ أَلْسِنَتِهِمْ إلى الهاوية، و قد عظم الله ذم اتباع الهوى فقال:" أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ" و قال:" وَ لٰا تَتَّبِعِ الْهَوىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ"" وَ اتَّبَعَ هَوٰاهُ وَ كٰانَ أَمْرُهُ فُرُطاً" و قوله:" وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوٰاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جٰاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ" فإنما قاله بلفظ الجمع تنبيها على أن لكل هوى غير هوى الآخر، ثم هوى كل واحد لا يتناهى فإذا اتباع أهوائهم نهاية الضلال و الحيرة، و قال:" وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ" و قال:" كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيٰاطِينُ فِي الْأَرْضِ"" وَ لٰا تَتَّبِعُوا أَهْوٰاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ" و قال:" قُلْ لٰا أَتَّبِعُ أَهْوٰاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً"" وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَهُمْ وَ قُلْ آمَنْتُ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنْ كِتٰابٍ و مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوٰاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّٰهِ" انتهى. و أقول: ينبغي أن يعلم أن ما تهواه النفس ليس كله مذموما و ما لا تهواه النفس ليس كله ممدوحا، بل المعيار ما مر في باب ذم الدنيا و هو أن كل ما يرتكبه الإنسان لمحض الشهوة النفسانية و اللذة الجسمانية و المقاصد الفانية الدنيوية و لم يكن الله مقصودا له في ذلك فهو من الهوى المذموم و يتبع فيه النفس الأمارة بالسوء، و إن كان مشتملا على زجر النفس عن بعض المشتهيات أيضا كمن يترك لذيذ المأكل و المطعم و الملبس و يقاسي الجوع و الصوم و السهر للاشتهار بالعبادة و جلب قلوب الجهال، و ما يرتكبه الإنسان لإطاعة أمره سبحانه و تحصيل رضاه و إن كان مما تشتهيه نفسه و تهواه، فليس هو من الهوى المذموم كمن يأكل و يشرب لأمره تعالى بهما، أو لتحصيل القوة على العبادة، و كمن يجامع الحلال لكونه مأمورا به أو لتحصيل الأولاد الصالحين، أو لعدم ابتلائه بالحرام فهؤلاء و إن حصل لهم الالتذاذ بهذه الأمور لكن ليس مقصودهم محض اللذة، بل لهم في ذلك أغراض صحيحة إن صدقتهم أنفسهم، و لم تكن تلك من التسويلات النفسانية و التخييلات الشيطانية، و لو لم يكن غرضهم من ارتكاب تلك اللذات هذه الأمور فليسوا بمعاقبين في ذلك إذا كان حلالا لكن إطاعة النفس في أكثر ما تشتهيه قد ينجر إلى ارتكاب الشبهات و المكروهات ثم إلى المحرمات و من حام حول الحمى أو شك أن يقع فيه. فظهر أن كل ما تهواه النفس ليس مما يلزم اجتنابه فإن كثيرا من العلماء قد يلتذون بعلمهم أكثر مما يلتذ الفساق بفسقهم، و كثيرا من العباد يأنسون بالعبادة بحيث يحصل لهم الهم العظيم بتركها، و ليس كل ما لا تشتهيه النفس يحسن ارتكابه كأكل القاذورات و الزنا بالجارية القبيحة، و يطلق أيضا الهوى على اختيار ملة أو طريقة أو رأي لم يستند إلى برهان قطعي، أو دليل من الكتاب و السنة، كمذاهب المخالفين و آرائهم و بدعهم فإنها من شهوات أنفسهم، و من أوهامهم المعارضة للحق الصريح كما دلت عليه أكثر الآيات المتقدمة. فذم الهوى مطلقا إما مبني على أن الغالب فيما تشتهيه الأنفس أنها مخالفة لما ترتضيه العقل، أو على أن المراد بالنفس النفس المعتادة بالشر الداعية إلى السوء و الفساد، و يعبر عنها بالنفس الأمارة كما قال تعالى:" إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّٰارَةٌ بِالسُّوءِ إِلّٰا مٰا رَحِمَ رَبِّي". أو صار الهوى حقيقة شرعية في المعاصي و الأمور القبيحة التي تدعو النفس إليها، و الآراء و الملل و المذاهب الباطلة التي تدعو إليها الشهوات الباطلة و الأوهام الفاسدة، لا البراهين الحقة فليس شيء أعدى للرجال لأن ضرر العدو على فرض وقوعه راجع إلى الدنيا الزائلة و منافعها الفانية، و ضرر الهوى راجع إلى الآخرة الباقية.

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ اتِّبَاعِ الْهَوَى

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.