عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)لَوْ لَا أَنَّ الْمَكْرَ وَ الْخَدِيعَةَ فِي النَّارِ لَكُنْتُ أَمْكَرَ النَّاسِ باب المكر و الغدر و الخديعة الحديث الأول: مرفوع كالحسن. و في القاموس: المكر الخديعة، و قال: خدعه كمنعه خدعا و يكسر ختله، و أراد به المكروه من حيث لا يعلم كاختدعه فانخدع، و الاسم الخديعة، و قال الراغب: المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة، و ذلك ضربان مكر محمود و هو أن يتحرى بذلك فعل جميل، و على ذلك قال الله عز و جل:" وَ اللّٰهُ خَيْرُ الْمٰاكِرِينَ" و مذموم و هو أن يتحرى به فعل قبيح، قال تعالى:" وَ لٰا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلّٰا بِأَهْلِهِ" و قال في الأمرين:" وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنٰا مَكْراً وَ هُمْ لٰا يَشْعُرُونَ" و قال بعضهم من مكر الله تعالى إمهال العبد و تمكينه من أعراض الدنيا، و لذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من وسع عليه دنياه و لم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن غفلة، و قال: الخداع إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه، انتهى. و في المصباح: خدعته خدعا فانخدع، و الخدع بالكسر اسم منه، و الخديعة مثله، و الفاعل خدوع مثل رسول و خداع أيضا و خادع، و الخدعة بالضم ما يخدع به الإنسان مثل اللعبة لما يلعب به، انتهى. و ربما يفرق بينهما حيث اجتمعا بأن يراد بالمكر احتيال النفس و استعمال الرأي فيما يراد فعله مما لا ينبغي، و إرادة إظهار غيره و صرف الفكر في كيفيته، و بالخديعة إبراز ذلك في الوجود و إجراؤه على من يريد. و كأنه (عليه السلام) إنما قال ذلك لأن الناس كانوا ينسبون معاوية لعنه الله إلى الدهاء و العقل، و ينسبونه (عليه السلام) إلى ضعف الرأي لما كانوا يرون من إصابة حيل معاوية المبنية على الكذب و الغدر و المكر، فبين (عليه السلام) أنه أعرف بتلك الحيل منه، و لكنها لما كانت مخالفة لأمر الله و نهيه، فلذا لم يستعملها، كما روى السيد رضي الله عنه في نهج البلاغة عنه (صلوات الله عليه) أنه قال: و لقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا، و نسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة، ما لهم قاتلهم الله؟ قد يرى الحول القلب وجه الحيلة و دونه مانع من أمر الله و نهيه، فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها، و ينتهز فرصتها من لا حريجة في الدين، و الحريجة التقوى. و قال بعض الشراح في تفسير هذا الكلام: و ذلك لجهل الفريقين بثمرة الغدر و عدم تمييزهم بينه و بين الكيس، فإنه لما كان الغدر هو التفطن بوجه الحيلة و إيقاعها على المغدور به و كان الكيس هو التفطن بوجه الحيلة و المصالح فيما ينبغي، كانت بينهما مشاركة في التفطن بالحيلة و استخراجها بالآراء إلا أن تفطن الغادر بالحيلة التي هي غير موافقة للقوانين الشرعية و المصالح الدينية، و الكيس هو المتفطن بالحيلة الموافقة لهما، و لدقة الفرق بينهما يلبس الغادر غدرة بالكيس و ينسبه الجاهلون إلى حسن الحيلة كما نسب ذلك إلى معاوية و عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة و أضرابهم، و لم يعلموا أن حيلة الغادر تخرجه إلى رذيلة الفجور، و أنه لا حسن لحيلة جرت إلى رذيلة، بخلاف حيلة الكيس و مصلحته فإنها تجر
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْمَكْرِ وَ الْغَدْرِ وَ الْخَدِيعَةِ