عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ الْحَسَنِ الصَّيْقَلِ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)إِنَّا قَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)فِي قَوْلِ يُوسُفَ ع- أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا سَرَقُوا وَ مَا كَذَبَ وَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ع- بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا فَعَلُوا و كأنه لا خلاف فيه عند أهل الإسلام، و الظاهر أنه لا تورية و لا تعريض فيه، و إن أمكن أن يقصد تورية بعيدة كان ينوي أنه كان حقه أن يقول كذا و لو صافيته لقال فيك كذا، لكنه بعيد، و قد اتفقت الأمة على أنه لو جاء ظالم ليقتل رجلا مختفيا ليقتله ظلما أو يطلب وديعة مؤمن ليأخذها غصبا وجب الإخفاء على من علم ذلك، فلو أنكرها فطولب باليمين ظلما يجب عليه أن يحلف لكن قالوا إذا عرف التورية بما يخرج به عن الكذب وجبت التورية، كان يقصد ليس عندي مال يجب علي أداؤه إليك، أو لا أعلم علما يلزمني الإخبار به و أمثال ذلك. و قالوا: إذا لم يعرفها وجب الحلف و الكذب بغير تورية أيضا فإنه و إن كان قبيحا إلا أن إذهاب حق الآدمي أشد قبحا من حق الله تعالى في الكذب أو اليمين الكاذبة، فيجب ارتكاب أخف الضررين، و لأن اليمين الكاذب عند الضرورة مأذون فيه شرعا كمطلق الكذب النافع، بخلاف مال الغير فإنه لا يباح إذهابه بغير إذنه مع إمكان حفظه فأمثال هذا الكذب ليست بمذمومة في نفس الأمر بل إما واجبة أو مندوبة، و يدل الحديث على أن الكذب شرعا إنما يطلق على ما كان مذموما فغير المذموم قسم ثالث من الكلام يسمى إصلاحا فهو واسطة بين الصدق و الكذب. الحديث السابع عشر: مجهول. " في قول يوسف (عليه السلام)" هذا لم يكن قول يوسف (عليه السلام) و إنما كان قول مناديه و نسب إليه لوقوعه بأمره، و العير بالكسر الإبل تحمل الميرة، ثم غلب على كل وَ مَا كَذَبَ قَالَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)مَا عِنْدَكُمْ فِيهَا يَا صَيْقَلُ قَالَ فَقُلْتُ مَا عِنْدَنَا فِيهَا إِلَّا التَّسْلِيمُ قَالَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ أَحَبَّ اثْنَيْنِ وَ أَبْغَضَ اثْنَيْنِ أَحَبَّ الْخَطَرَ فِيمَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَ أَحَبَّ الْكَذِبَ فِي الْإِصْلَاحِ وَ أَبْغَضَ قافلة" و قال إبراهيم" عطف على الجملة السابقة بتقدير روينا، و قيل" قال" هنا مصدر، فإن القال و القيل مصدران كالقول، فهو عطف على قول يوسف" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ" أريد بالكبير الكبير في الخلقة أو التعظيم، قيل: كانت لهم سبعون صنما مصطفة و كان ثمة صنم عظيم مستقبل الباب من ذهب و في عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، و لعل إرجاع الضمير المذكر العاقل إلى الأصنام من باب التهكم أو باعتبار أنها يعقلون و يفهمون و يجيبون بزعم عبادها، و أما ضمير الجمع في قوله (عليه السلام): و الله ما فعلوا، فراجع إلى الكبير باعتبار إرادة الجنس الشامل للمتعدد و لو فرضا، أو إلى الأصنام للتنبيه على اشتراك الجميع في عدم صلاحية صدور ذلك الفعل منه. و قيل: إنما أتى بالجمع لمناسبة ما سرقوا أو مبني على أن الفعل الصادر عن واحد من الجماعة قد ينسب إلى الجميع نحو قوله تعالى:" فَنٰادَتْهُ الْمَلٰائِكَةُ" بناء على أن المنادي جبرئيل فقط، قيل: و يمكن أن يكون إرجاع ضمير" فَسْئَلُوهُمْ" أيضا من هذا القبيل إذ لو كان المقصود نطق كل واحد في الزمان المستقبل تكون زيادة" كانوا" في المضارع لغوا و إن كان الغرض النطق في الزمان الماضي لا يترتب عليه صحة السؤال إذ لا يلزم جواز نطقهم قبل الكسر جواز ذلك بعده. " أحب الخطر فيما بين الصفين" في النهاية يقال: خطر البعير بذنبه يخطر إذا رفعه و حطه، إنما يفعل ذلك عند الشبع و السمن، و منه حديث مرحب: فخرج الْخَطَرَ فِي الطُّرُقَاتِ وَ أَبْغَضَ الْكَذِبَ فِي غَيْرِ الْإِصْلَاحِ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ(عليه السلام)إِنَّمَا قَالَ- بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا إِرَادَةَ الْإِصْلَاحِ وَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ وَ قَالَ يُوسُفُ(عليه السلام)إِرَادَةَ الْإِصْلَاحِ يخطر بسيفه أي يهزه معجبا بنفسه متعرضا للمبارزة، أو أنه كان يخطر في مشيته أي يتمايل و يمشي مشية المعجب، و سيفه في يده أي كان يخطر سيفه معه. " إرادة الإصلاح" لعل المراد إرادة إصلاح قومه برجوعهم عن عبادة الأصنام، وجه الدلالة أن العاقل إذا تفكر في نسبة الكسر إليها و علم أنه لا يصح ذلك إلا من ذي شعور عاقل قادر، و علم أن هذه الأوصاف منتفية فيها، و علم أنها لا تقدر على دفع الاستخفاف و الضرر عن أنفسها علم أنها ليست بمستحقة للألوهية و العبادة و يكون ذلك داعيا إلى الرجوع عنها و رفض العبادة لها. و للعلماء فيه وجوه أخرى: الأول: أنها من المعاريض التي يقصد بها الحق و إلزام الخصم و تبكيته فلم يكن قصده (عليه السلام) أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم و إنما قصد أن يقرره لنفسه على أسلوب تعريضي مع الاستهزاء و التكبيت كما لو قال لك من لا يحسن الخط فيما كتبته بخط رشيق: أنت كتبت؟ فقلت: بل كتبته أنت، كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك و إثباته لصاحبك الأمي، و التعريض مما يجوز عقلا و نقلا لمصلحة جلب نفع أو دفع ضرر أو استهزاء في موضعه و نحوها. الثاني: أنه (عليه السلام) غاظته الأصنام حين رآها مصطفة مزينة و كان غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم و توقيرهم له، فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته و كسره لها، و الفعل كما يسند إلى المباشر يسند إلى السبب أيضا. الثالث: أن ذلك حكاية لما يعود إليه مذهبهم كأنه قال: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبد و يدعي إليها أن يقدر على أمثال هذه الأفعال لا سيما الكبير الذي يستنكف أن يعبد معه هذه الصغار. الرابع: ما روي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله: بل فعله، ثم يبتدئ: كبيرهم هذا، أي فعله من فعله و هذا من باب التورية إذ له ظاهر و باطن، و باطنه ما ذكر و ظاهره إسناد الفعل إلى الكبير و فهمهم تعلق به و مراده (عليه السلام) هو الباطن. الخامس: ما روي عن بعضهم أنه كان يقف عند قوله كبيرهم، ثم يبتدئ بقول هذا فاسألوهم، و أراد بالكبير نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم، و هذا أيضا من باب التورية و قيل: إنه يتم بدون الوقف أيضا بأن يكون هذا إشارة إلى نفسه المقدسة و المغايرة بين المشير و المشار إليه كاف بحسب الاعتبار. السادس: أن في الكلام تقديما و تأخيرا و التقدير: بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم، فيكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطا بكونهم ناطقين فلما لم يكونوا ناطقين لم يكونوا فاعلين، و الغرض منه تسفيه القوم و تقريعهم و توبيخهم لعبادة من لا يسمع و لا ينطق و لا يقدر على أن يخبر من نفسه بشيء. و يؤيده ما روي في كتاب الاحتجاج أنه سئل الصادق عن قول الله عز و جل في قصة إبراهيم:" قٰالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ" قال: ما فعله كبيرهم و ما كذب إبراهيم، قيل: و كيف ذلك؟ فقال: إنما قال إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون، إن نطقوا فكبيرهم فعل، و إن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا فما نطقوا و ما كذب إبراهيم. و قال البيضاوي: و ما روي أنه (عليه السلام) قال: لإبراهيم ثلاث كذبات، تسمية للمعاريض كذبا لما شابهت صورتها صورته. " و قال يوسف (عليه السلام) إرادة الإصلاح" كان المراد الإصلاح بينه و بين إخوته في حبس أخيه بنيامين عنده و إلزامهم ذلك بحيث لا يكون لهم محل منازعة و لم يتيسر له ذلك إلا بأمرين: أحدهما نسبة السرقة إليه، و ثانيهما: التمسك بحكم آل يعقوب في السارق و هو استرقاق السارق سنة و كان حكم ملك مصر أن يضرب السارق و يغرم مما سرق فلم يتمكن من أخذ أخيه في دين الملك فلذلك أمر فتيانه بأن يدسوا الصاع في رحل أخيه و أن ينسبوا السرقة إليه، و أن يستفتوا في جزاء السارق منهم فقالوا:" جَزٰاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزٰاؤُهُ" أي أخذ السارق نفسه هو جزاؤه لا غير، فلما فتشوا وجدوا الصاع في رحل أخيه فأخذوا برقبته و حكموا برقيته، و لم يبق لإخوته محل منازعة في حبسه إلا أن قالوا على سبيل التضرع و الالتماس" فَخُذْ أَحَدَنٰا مَكٰانَهُ إِنّٰا نَرٰاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" فردهم بقوله:" مَعٰاذَ اللّٰهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلّٰا مَنْ وَجَدْنٰا مَتٰاعَنٰا عِنْدَهُ إِنّٰا إِذاً لَظٰالِمُونَ". قيل: أراد إنا إذا أخذنا غيره لظالمون في مذهبكم، لأن استعباد غير من وجد الصاع في رحله ظلم عندكم، أو أراد أن الله أمر بي و أوحى إلى أن آخذ بنيامين فلو أخذت غيره كنت عاملا بخلاف الوحي. و للعلماء فيه أيضا وجوه أخرى: الأول: أن ذلك النداء لم يكن بأمره بل نادوا من عند أنفسهم لأنهم لما لم يجدوا الصاع غلب على ظنهم أنهم أخذوه. الثاني: أنهم لم ينادوا أنكم سرقتم الصاع فلعل المراد أنكم سرقتم يوسف من أبيه، يدل عليه ما رواه الصدوق في العلل بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال في تفسير هذه الآية: أنهم سرقوا يوسف من أبيه أ لا ترى أنهم حين قالوا" مٰا ذٰا تَفْقِدُونَ قٰالُوا نَفْقِدُ صُوٰاعَ الْمَلِكِ" و لم يقولوا سرقتم صواع الملك. الثالث: لعل المراد من قولهم" إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ" الاستفهام كما في قوله حكاية عن إبراهيم" هٰذٰا رَبِّي" و إن كان ظاهره الخبر و أيد ذلك بأن في مصحف ابن مسعود أئنكم بالهمزتين. و قال بعض الأفاضل: حاصل الجواب إن لكل من الصدق و الكذب معنيين أحدهما لغوي و الآخر عرفي، فالأول هو الموافق للواقع و المخالف للواقع، و الثاني الموافق للحق و المخالف للحق، و المراد بالحق رضا الله تعالى فكما يمكن أن لا
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْكَذِبِ