الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ٢٢

أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)لَا كَذَبَ من الله سبحانه، و ذلك لأن كل راج طالب لما يرجو ساع في أسبابه و أنتم لستم كذلك، و كل خائف هارب مما يخاف منه مجتنب مما يقربه منه و أنتم لستم كذلك. و هذا مثل قوله (عليه السلام) الذي رواه في نهج البلاغة أنه (عليه السلام) قال بعد كلام طويل لمدع كاذب أنه يرجو الله و يدعي بزعمه أنه يرجو الله: كذب و الله العظيم ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله و كل من رجا عرف رجاؤه في عمله إلا رجاء الله، فإنه مدخول، و كل خوف محقق إلا خوف الله فإنه معلول يرجو الله الكبير و يرجو العباد في الصغير، فيعطى العبد ما لا يعطي الرب، فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع لعباده، أ تخاف أن تكون في رجائك له كاذبا أو يكون لا تراه للرجاء موضعا؟ و كذلك إن هو خاف عبدا من عبيده أعطاه من خوفه ما لا يعطي ربه، فجعل خوفه من العباد نقدا و خوفه من خالقه ضمارا و وعدا. و قال بعضهم: حذر من الكذب على الله و على رسوله و على غيرهما في ادعاء الدين مع ترك العمل به، و رغب في الصدق بأن الكذب ينافي الإيمان، و ذلك لأن الكاذب لم يطلب الثواب، و كل من لم يطلب الثواب فهو ليس براج بحكم المقدمة الأولى، و لم يهرب من العقاب، و كل من لم يهرب من العقاب فهو ليس بخائف بحكم المقدمة الثانية، و من انتفى عنه الخوف و الرجاء فهو ليس بمؤمن كما هو المقرر عند أهل الإيمان، انتهى. و ارتكب أنواع التكلف لقلة التتبع، و المقصود ما ذكرنا. الحديث الثاني و العشرون: مجهول. عَلَى مُصْلِحٍ ثُمَّ تَلَا أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ ثُمَّ قَالَ وَ اللَّهِ مَا سَرَقُوا وَ مَا كَذَبَ ثُمَّ تَلَا- بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ ثُمَّ قَالَ وَ اللَّهِ مَا فَعَلُوهُ وَ مَا كَذَبَ و قوله:" ثم تلا" كلام الراوي، و الضمير راجع إلى الصادق (عليه السلام) أو كلام الإمام (عليه السلام) و الضمير راجع إلى الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأول أظهر و قد مر مضمونه. تكملة قال بعض المحققين: اعلم أن الكذب ليس حراما لعينه بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره، فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو به فيكون جاهلا و قد يتعلق به ضرر غيره و رب جهل فيه منفعة و مصلحة، فالكذب تحصيل لذلك الجهل فيكون مأذونا فيه، و ربما كان واجبا كما لو كان في الصدق قتل نفس بغير حق. فنقول: الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق و الكذب جميعا فالكذب فيه حرام، و إن أمكن التوصل بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح، إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا، و واجب إن كان المقصود واجبا، كما أن عصمة دم المسلم واجبة، فمهما كان في الصدق سفك دم مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب، و مهما كان لا يتم مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب فالكذب مباح، إلا أنه ينبغي أن يحترز عنه ما يمكن لأنه إذا فتح على نفسه باب الكذب فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغني عنه و إلى ما يقتصر فيه على حد الواجب و مقدار الضرورة، فكان الكذب حراما في الأصل إلا لضرورة. و الذي يدل على الاستثناء ما روي عن أم كلثوم قالت: ما سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول القول يريد الإصلاح و الرجل يقول القول في الحرب، و الرجل يحدث امرأته و المرأة تحدث زوجها. و قالت أيضا: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ليس بكذاب من أصلح بين اثنين، فقال خيرا أو نما خيرا. و قالت أسماء بنت يزيد: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما، و روي عن أبي كاهل قال: وقع بين رجلين من أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كلام حتى تصادما، فلقيت أحدهما فقلت: ما لك و لفلان فقد سمعته يحسن الثناء عليك؟ و لقيت الآخر فقلت له مثل ذلك حتى اصطلحا، ثم قلت: أهلكت نفسي و أصلحت بين هذين؟ فأخبرت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: يا أبا كاهل أصلح بين الناس و لو بالكذب. و قال عطاء بن يسار: قال رجل للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم): أ أكذب أهلي، قال: لا خير في الكذب قال: أعدها و أقول لها؟ قال: لا جناح عليك. و عن النواس بن سمعان الكلابي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ما لي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار كل الكذب مكتوب كذبا لا محالة إلا أن يكذب الرجل في الحرب، فإن الحرب خدعة، أو يكون بين رجلين شحناء فيصلح بينهما، أو يحدث امرأته يرضيها. و قال علي (عليه السلام): إذا حدثتكم بشيء عن رسول الله فلئن أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب عليه، و إذا حدثتكم فيما بيني و بينكم فالحرب خدعة. فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء، و في معناها ما عداها إذا ارتبط به مقصود صحيح له أو لغيره، أما ماله فمثل أن يأخذه ظالم و يسأله عن ماله، فله أن ينكر أو يأخذه السلطان فيسأله عن فاحشة بينه و بين الله ارتكبها فله أن ينكرها و يقول: ما زنيت و لا شربت، قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، و ذلك لأن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى، فللرجل أن يحفظ دمه و ماله الذي يؤخذ ظلما و عرضه بلسانه و إن كان كاذبا. و أما عرض غيره فبأن يسأل عن سر أخيه فله أن ينكره و أن يصلح بين اثنين و أن يصلح بين الضرات من نسائه بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه، أو كانت امرأته لا تطيعه إلا بوعد ما لا يقدر عليه فيعدها في الحال تطييبا لقلبها، أو يعتذر إلى إنسان بالكذب و كان لا يطيب قلبه إلا بإنكار ذنب و زيادة تودد فلا بأس به، و لكن الحد فيه أن الكذب محذور و لكن لو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور. فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر و يزن بالميزان القسط، فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعا في الشرع من الكذب فله الكذب، و إن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق، و قد يتقابل الأمران بحيث يتردد فيهما و عند ذلك الميل إلى الصدق أولى لأن الكذب مباح بضرورة أو حاجة مهمة فإذا شك في كون الحاجة مهمة فالأصل التحريم فيرجع إليه، و لأجل غموض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الإنسان من الكذب ما أمكنه، و كذلك مهما كانت الحاجة له فيستحب أن يترك أغراضه و يهجر الكذب. فأما إذا تعلق بعرض غيره فلا يجوز المسامحة بحق الغير و الإضرار به، و أكثر كذب الناس إنما هو لحظوظ أنفسهم ثم هو لزيادات المال و الجاه، و لأمور ليس فواتها محذورا حتى أن المرأة ليحكي عن زوجها ما يتفاخر به و تكذب لأجل مراغمة الضرات و ذلك حرام. قالت أسماء: سمعت امرأة تسأل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قالت: إن لي ضرة و أنا أتكثر من زوجي بمالا لا يفعل أضارها بذلك فهل لي فيه شيء؟ فقال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. و قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): من تطعم بما لم يطعم، و قال: لي و ليس له، و أعطيت و لم يعط، كان كلابس ثوبي زور يوم القيامة. و يدخل في هذا فتوى العالم بما لا يتحققه، و رواية الحديث الذي ليس يثبت فيه إذ غرضه أن يظهر فضل نفسه فهو لذلك يستنكف من أن يقول لا أدري، و هذا حرام. و مما يلتحق بالنساء الصبيان فإن الصبي إذا كان لا يرغب في المكتب إلا بوعد و وعيد و تخويف، كان ذلك مباحا، نعم روينا في الأخبار أن ذلك يكتب كذبة و لكن الكذب المباح أيضا يكتب و يحاسب عليه و يطالب لتصحيح قصده فيه ثم يعفى عنه، لأنه إنما أبيح بقصد الإصلاح و يتطرق إليه غرور كثير فإنه قد يكون الباعث له حظه و غرضه الذي هو مستغنى عنه و إنما يتعلل ظاهرا بالإصلاح فلهذا يكتب. و كل من أتى بكذبه فقد وقع في خطر الاجتهاد ليعلم أن المقصود الذي كذب له هل هو أهم في الشرع من الصدق أو لا، و ذلك غامض جدا، فالحزم في تركه إلا أن يصير واجبا بحيث لا يجوز تركه كما يؤدي إلى سفك دم أو ارتكاب معصية كيف كان، و قد ظن ظانون أنه يجوز وضع الأخبار في فضائل الأعمال و في التشديد في المعاصي، و زعموا أن القصد منه صحيح و هو خطاء محض، إذ قال (صلى الله عليه و آله و سلم): من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، و هذا لا يترك إلا بضرورة و لا ضرورة هيهنا، إذ في الصدق مندوحة عن الكذب، ففيما ورد من الآيات و الأخبار كفاية عن غيرها. و قول القائل: أن ذلك قد تكرر على الإسماع و سقط وقعها و ما هو جديد على الأسماع فوقعه أعظم، فهذا هوس إذ ليس هذا من الأغراض التي تقاوم محذور الكذب على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و على الله تعالى، و يؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة، فلا يقاوم خير هذا بشره أصلا، فالكذب على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من الكبائر التي لا يقاومها شيء. ثم قال: قد نقل عن السلف: أن في المعاريض ما يغني الرجل عن الكذب و عن ابن عباس و غيره إما في المعاريض ما يغني الرجل عن الكذب و إنما أرادوا من ذلك إذا اضطر الإنسان إلى الكذب فأما إذا لم يكن حاجة و ضرورة فلا يجوز التعريض و لا التصريح جميعا، و لكن التعريض أهون. و مثال المعاريض ما روي أن مطرفا دخل على زياد فاستبطأه فتعلل بمرض فقال: ما رفعت جنبي منذ فارقت الأمير إلا ما رفعني الله، و قال إبراهيم: إذا بلغ الرجل عنك شيء فكرهت أن تكذب فقل: إن الله ليعلم ما قلت من ذلك من شيء، فيكون قوله: ما، حرف النفي عند المستمع و عنده للإبهام، و كان النخعي لا يقول لابنته: اشترى لك سكرا بل يقول أ رأيت لو اشتريت لك سكرا فإنه ربما لا يتفق، و كان إبراهيم إذا طلبه في الدار من يكرهه قال للجارية: قولي له: اطلبه في المسجد، و كان لا يقول: ليس هيهنا لئلا يكون كاذبا، و كان الشعبي إذا طلب في البيت و هو يكرهه، فيخط دائرة و يقول للجارية: ضع الإصبع فيها و قولي: ليس هيهنا. و هذا كله في موضع الحاجة فأما مع عدم الحاجة فلا، لأن هذا تفهيم للكذب و إن لم يكن اللفظ كذبا، و هو مكروه على الجملة كما روي عن عبد الله بن عتبة قال: دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز فخرجت و علي ثوب فجعل الناس يقولون: هذا كساء أمير المؤمنين فكنت أقول: جزى الله أمير المؤمنين خيرا، فقال لي: يا بني اتق الكذب إياك و الكذب و ما أشبهه، فنهاه عن ذلك لأن فيه تقريرا لهم على ظن كاذب لأجل غرض المفاخرة و هو غرض باطل فلا فائدة فيه. نعم المعاريض يباح لغرض خفيف كتطييب قلب الغير بالمزاح كقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): لا تدخل الجنة عجوز، و في عين زوجك بياض، و نحملك على ولد البعير، فأما الكذب الصريح فكما يعتاده الناس من مداعبة الحمقاء بتغريرهم بأن امرأة قد رغبت في تزويجك، فإن كان فيه ضرر يؤديه إلى إيذاء قلب فهو حرام، و إن لم يكن إلا مطائبة فلا يوصف صاحبها بالفسق و لكن ينقص ذلك من درجة إيمانه، و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): لا يستكمل المرء الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، و حتى يجتنب الكذب في مزاحه، و أما قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها الناس يهوي بها أبعد من الثريا، أراد به ما فيه غيبة مسلم أو إيذاء قلب دون محض المزاح. و من الكذب الذي لا يوجب الفسق ما جرت به العادة في المبالغة كقوله: قلت لك كذا مائة مرة، و طلبتك مائة مرة فإنه لا يراد بها تفهيم المرات بعددها، بل تفهيم المبالغة، فإن لم يكن طلبه إلا مرة واحدة كان كاذبا و إن طلب مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة فلا يأثم و إن لم يبلغ مائة، و بينهما درجات يتعرض مطلق اللسان بالمبالغة فيها لخطر الكذب. و مما يعتاد الكذب فيه و يتساهل به أن يقال: كل الطعام فيقول: لا أشتهيه و ذلك منهي عنه و هو حرام و إن لم يكن فيه غرض صحيح، قال مجاهد: قالت أسماء بنت عميس: كنت صاحبة عائشة التي هيئتها و أدخلتها على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و معي نسوة، قالت: فو الله ما وجدنا عنده قوتا إلا قدحا من لبن فشرب ثم ناوله عائشة، قالت: فاستحيت الجارية، فقلت: لا تردين يد رسول الله خذي منه، قالت: فأخذته على حياء فشربت منه ثم قال: ناولي صواحبك، فقلن: لا نشتهيه، فقال: لا تجمعن جوعا و كذبا، قالت: فقلت: يا رسول الله إن قالت أحد منا لشيء نشتهيه لا نشتهيه أ يعد ذلك كذبا؟ قال: إن الكذب ليكتب حتى يكتب الكذيبة كذيبة. و قد كان أهل الورع يحترزون عن التسامح بمثل هذا الكذب، قال الليث بن سعد: كانت ترمص عينا سعيد بن المسيب حتى يبلغ الرمص خارج عينيه فيقال له: لو مسحت هذا الرمص؟ فيقول: فأين قول الطبيب و هو يقول لي: لا تمس عينيك فأقول لا أفعل. و هذه من مراقبة أهل الورع، و من تركه انسل لسانه عن اختياره فيكذب و لا يشعر، و عن خوات التيمي قال: جاءت أخت الربيع بن خثيم عائدة إلى بني لي فانكبت عليه فقالت: كيف أنت يا بني؟ فجلس الربيع فقال: أرضعته؟ فقالت: لا، قال: ما عليك لو قلت يا بن أخي فصدقت. و من العادة أن يقول: يعلم الله فيما لا يعلمه، قال عيسى (عليه السلام): إن من أعظم الذنوب عند الله أن يقول العبد إن الله يعلم لما لا يعلم، و ربما يكذب في حكاية المنام و الإثم فيه عظيم، قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إن من أعظم الفري أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يرى عينيه في المنام ما لم تريا أو تقول علي ما لم أقل، و قال (صلى الله عليه و آله و سلم): من

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْكَذِبِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.