الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ٣

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمَّادٍ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ(عليها السلام)يَا عِيسَى لِيَكُنْ لِسَانُكَ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ لِسَاناً وَاحِداً وَ كَذَلِكَ قَلْبُكَ إِنِّي أُحَذِّرُكَ نَفْسَكَ وَ كَفَى بِي خَبِيراً الحديث الثالث: مرفوع. " لسانا واحدا" أي لا تقول في الأحوال المختلفة شيئين مختلفين للأغراض الباطلة فيشمل الرياء و الفتاوى المختلفة و ما مر ذكره" و كذلك قلبك" أي ليكن باطن قلبك موافقا لظاهرة إذ ربما يكون الشيء كامنا في القلب يغفل عنه نفسه كحب الدنيا فينخدع و يظن أنه لا يحبها و أشباه ذلك، ثم يظهر له ذلك في الآخرة بعد كشف الحجب الظلمانية النفسانية أو في الدنيا أيضا بعد المجاهدة و التفكر في خدع النفس و تسويلاتها، و لذا قال سبحانه بعده:" إني أحذرك نفسك" و قد قال:" بَلْ بَدٰا لَهُمْ مٰا كٰانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ" و يحتمل أن يكون المعنى: و كذلك ينبغي أن يكون قلبك موافقا للسانك، فلا تقول ما ليس فيه، أو المعنى أنه كما يجب أن يكون القول باللسان واحدا يجب أن يكون اعتقاد القلب واحدا واصلا إلى حد اليقين و يطمئن قلبه بالحق، و لا يتزلزل بالشبهات فيعتقد اليوم شيئا و غدا نقيضه، و يجب أن تكون عقائد القلب متوافقة متناسبة لا كقلوب أهل الضلال و الجهال، فإنهم يعتقدون الضدين و النقيضين لتشعب أهوائهم و تفرق آراء من حيث لا يشعرون كاعتقادهم بأفضلية أمير المؤمنين و تقديمهم الجهال عليه، و اعتقادهم بعدله تعالى و حكمهم بأن الكفر و جميع المعاصي من فعله، و يعذبهم عليها، و اعتقادهم بوجوب طاعة من جوزوا فسقه و كفره و أمثال ذلك كثيرة. أو المعنى أن المقصود الحقيقي و الغرض الأصلي للقلب لا يكون إلا واحدا و لا تجتمع فيه محبتان متضادتان كحب الدنيا و حب الآخرة، و حب الله و حب معاصيه و الشهوات التي نهى عنها، فمن اعتقد أنه يحب الله تعالى و يتبع الهوى لَا يَصْلُحُ لِسَانَانِ فِي فَمٍ وَاحِدٍ وَ لَا سَيْفَانِ فِي غِمْدٍ وَاحِدٍ وَ لَا قَلْبَانِ فِي صَدْرٍ وَاحِدٍ وَ كَذَلِكَ الْأَذْهَانُ و يحب الدنيا فهو كذي اللسانين، الجامع بين مؤالفة المتباغضين فإن الدنيا و الآخرة كضرتين و طاعة الله و طاعة الهوى كالمتباغضين، فقلبه منافق ذو لسانين، لسان منه مع الله و الآخر مع ما سواه فهذا أولى بالذم من ذي اللسانين. و تحقيقه: أن بدن الإنسان بمنزلة مدينة كبيرة لها حصن منيع هو القلب، بل هو العالم الصغير من جهة، و العالم الكبير من جهة أخرى، و الله سبحانه هو سلطان القلب و مدبره، بل القلب عرشه، و حصنه بالعقل و الملائكة، و نوره بالأنوار الملكوتية، و استخدمه القوي الظاهرة و الباطنة، و الجوارح و الأعضاء الكثيرة و لهذا الحصن أعداء كثيرة من النفس الأمارة و الشياطين الغدارة، و أصناف الشهوات النفسانية و الشبهات الشيطانية، فإذا مال العبد بتأييده سبحانه إلى عالم الملكوت، و صفى قلبه بالطاعات و الرياضات عن شوك الشكوك و الشبهات، و قذارة الميل إلى الشهوات استولى عليه حبه تعالى، و منعه عن حب غيره، فصارت القوي و المشاعر و جميع الآلات البدنية مطيعة منقادة له، و لا يأتي شيء منها بما ينافي رضاه. و إذا غلبت عليه الشقوة و سقط في مهاوي الطبيعة، استولى الشيطان على قلبه و جعله مستقر ملكه و نفرت عنه الملائكة، و أحاطت به الشياطين، و صارت أعماله كلها للدنيا و إرادته كلها للهوى، فيدعي أنه يعبد الله و قد نسي الرحمن و هو يعبد النفس و الشيطان. فظهر أنه لا يجتمع حب الله و حب الدنيا و متابعة الله و متابعة الهوى في قلب واحد، و ليس للإنسان قلبان حتى يحب بأحدهما الرب تعالى و يقصده بأعماله، و يحب بالآخر الدنيا و شهواتها و يقصدها في أفعاله، كما قال سبحانه:" مٰا جَعَلَ اللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ" و مثل سبحانه لذلك باللسان و السيف، فكما لا يكون في فم لسانان، و لا في غمد سيفان، فكذلك لا يكون في صدر قلبان، و يحتمل أن يكون اللسان لما مر في ذي اللسانين. و أما قوله: فكذلك الأذهان، فالفرق بينهما و بين القلب مشكل، و يمكن أن يكون القلب للحب و العزم، و الذهن للاعتقاد و الجزم، أي لا يجتمع في القلب حب الله و حب ما ينافي حبه سبحانه من حب الدنيا و غيرها، و كذلك لا يجتمع الجزم بوجوده تعالى و صفاته المقدسة و سائر العقائد الحقة، مع ما ينافيه من العقائد الباطلة، و الشكوك و الشبهات في ذهن واحد، كما أشرنا إليه سابقا. و قيل: يعني كما أن الظاهر من هذه الأجسام لا يصلح تعددها في محل واحد، كذلك باطن الإنسان الذي هو ذهنه و حقيقته لا يصلح أن يكون ذا قولين مختلفين، أو عقيدتين متضادتين، و قيل: الذهن الذكاء و الفطنة، و لعل المراد هنا التفكر في الأمور الحقة النافعة و مباديها، و كيفية الوصول إليها. و بالجملة أمره بأن يكون لسانه واحدا و قلبه واحدا و ذهنه واحدا و مطلبه واحدا و لما كان سبب التعدد و الاختلاف أمرين: أحدهما تسويل النفس، و الآخر الغفلة عن عقوبة الله، عقبه بتحذيرها، و ربما يقرأ بالدال المهملة من المداهنة في الدين، كما قال تعالى:" أَ فَبِهٰذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ" و قال:" وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ" و هذا تصحيف و تحريف مخالف للنسخ المضبوطة.

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ ذِي اللِّسَانَيْنِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.