عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ الواجب أحد الأمرين و الإبراء أفضل الفردين، و عن الثاني بأنا لا نسلم كون هذه الجماعة أفضل من المنفرد، و لو سلم فيمكن أن يكون الفضل لكون أصلها واجبة و انضمت إلى تلك الفضيلة، مع أنه قد ورد أنه تعالى يقبل أفضلهما، و احتمل بعض الأصحاب نية الوجوب فيها أيضا. و كان بعض مشايخنا يحتمل هنا عدول نية الصلاة إلى الاستحباب بناء على جواز عدول النية بعد الفعل كما يظهر من بعض الأخبار. و مما ذكروه نقضا على تلك القاعدة الابتداء بالتسليم و رده فإن الأول أفضل مع وجوب الثاني، و الإشكال فيه أصعب، و يمكن الجواب بأن الابتداء بالسلام أفضل من الترك، و انتظار تسليم الغير، و لا نسلم أنه أفضل من الرد الواجب، بل يمكن أن يقال: إن إكرام المؤمن و ترك إهانته واجب و هو يتحقق في أمور شتى فمنها ابتداء التسليم أو رده، فلو تركهما عصى، و في الإتيان بكل منهما يتحقق ترك الإهانة لكن اختيار الابتداء أفضل، فظهر أنه يمكن إجراء جوابه (رحمه الله) في الجميع. و أقول: يمكن تخصيص الأخبار و كلام الأصحاب بكون الواجب أفضل من المستحب من نوعه و صنفه، كصلاة الفريضة و النافلة، فلا يلزم كون رد السلام أفضل من الحج المندوب، و لا من صلاة جعفر رضي الله عنه و لا من بناء قنطرة عظيمة أو مدرسة كبيرة، و بالجملة فروع هذه المسألة كثيرة و لم أر من تعرض لتحقيقها كما ينبغي، و الخوض فيها يوجب بسطا من الكلام لا يناسب المقام، و سيأتي شرح باقي الخبر في الخبر الآتي. الحديث الثامن: صحيح. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْقَمَّاطِ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَالَ يَا رَبِّ مَا حَالُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَكَ- قَالَ يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَ أَنَا أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي وَ مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ و قال الشيخ البهائي برد الله مضجعه هذا الحديث صحيح السند و هو من الأحاديث المشهورة بين الخاصة و العامة، و قد رووه في صحاحهم بأدنى تغيير هكذا قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد أذنته بالحرب، و ما يتقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه، و ما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به، و يده التي يبطش بها، و رجله التي يمشي بها إن سألني لأعطيته و إن استعاذني لأعيذنه و ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في قبض نفس المؤمن يكره الموت و أكره مساءته، و لا بد له منه. " لما أسري بي" أسري بالبناء للمفعول من السري على وزن هدى، و هو السير في الليل، و أما تقييده بالليل في قوله تعالى:" سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا" الآية فللدلالة بتنكير الليل على تقليل مدة الإسراء، مع أن المسافة بين المسجدين مسير أربعين ليلة" ما حال المؤمن عندك" أي ما قدره و منزلته؟" من أهان لي وليا" المراد بالولي المحب، و بالمبارزة بالمحاربة إظهارها و التصدي لها. " و ما ترددت في شيء أنا فاعله" نسبة التردد إليه سبحانه يحتاج إلى التأويل و فيه وجوه: الأول: أن في الكلام إضمارا، و التقدير لو جاز على التردد ما ترددت في شيء كترددي في وفاة المؤمن. الثاني: أنه لما جرت العادة بأن يتردد الشخص في مساءة من يحترمه و يوقره كالصديق الوفي و الخل الصفي و أن لا يتردد في مساءة من ليس له عنده قدر و لا حرمة، كالعدو و الحية و العقرب بل إذا خطر بالبال مساءته أوقعها كَتَرَدُّدِي عَنْ وَفَاةِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَ أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ من غير تردد و لا تأمل، صح أن يعبر بالتردد و التأمل في مساءة الشيء عن توقيره و احترامه، و بعدمها عن إذلاله و احتقاره، فقوله سبحانه: ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في وفاة المؤمن، المراد به و الله أعلم: ليس لشيء من مخلوقاتي عندي قدر و حرمة كقدر عبدي المؤمن و حرمته، فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية. الثالث: أنه قد ورد في الحديث من طرق الخاصة و العامة أن الله سبحانه يظهر للعبد المؤمن عند الاحتضار من اللطف و الكرامة و البشارة بالجنة ما يزيل عنه كراهة الموت، و يوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار، فيقل تأذيه به و يصير راضيا بنزوله راغبا في حصوله، فأشبهت هذه الحالة معاملة من يريد أن يؤلم حبيبه ألما يتعقبه نفع عظيم، فهو يتردد في أنه كيف يوصل ذلك الألم إليه على وجه يقل تأذيه به، فلا يزال يظهر له ما يرغبه فيما يتعقبه من اللذة الجسمية، و الراحة العظيمة إلى أن يتلقاه بالقبول، و يعده من الغنائم المؤدية إلى إدراك المأمول. و أقول: يمكن أن يكون التردد إشارة إلى المحو و الإثبات في لوحهما، فإنه يكتب أجله في زمان و آن فيدعو لتأخيره أو يتصدق فيمحو الله ذلك، و يؤخره إلى وقت آخر فهو يشبه فعل المتردد، أطلق عليه التردد على وجه الاستعارة، هذا بحسب ما ورد في لسان الشريعة. أما الحكماء و الصوفية فيقولون: النفوس المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة، لعدم تناهيها بل إنما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا، و جملة فجملة مع أسبابها و عللها، و ربما حكمت بشيء باعتبار الاطلاع على بعض عللها، و لم تطلع على ما يضادها و يمنع من تأثيرها، فإذا اطلعت عليها رجعت عن ذلك الحكم كما إذا حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا لأسباب يقتضي ذلك، و لم يحصل لها العلم بتصدقه الذي يأتي به قبيل ذلك، لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد، ثم علم به، و كان موته بتلك الأسباب مشروطا بأن لا يتصدق فتحكم أولا بالموت و ثانيا بالبرء، و ذلك لأن شأن النفوس أن يكون توجهها إلى بعض المعلومات يذهلها عن البعض الآخر، و ذلك هو البداء. ثم إذا كانت الأسباب بوقوع أمر و لا وقوعه متكافئة و لم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد كان لها التردد في وقوع ذلك الأمر و لا وقوعه، و ينتقش فيها الوقوع تارة و اللاوقوع أخرى، فهذا هو التردد. ثم لما كانت أفعال الملائكة المسخرين و إرادتهم مستهلكة في فعله سبحانه و إرادته إذ لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، و مكتوبهم مكتوب الله بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأول، جاز أن يوصف الله سبحانه بالبداء و التردد و أمثالهما، فلذا قال سبحانه: ما ترددت في شيء، إلخ. مع أنه عز و جل قد قضى عليه الموت قضاء حتما كما قال عز و جل:" ثُمَّ قَضىٰ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ" و قال:" وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذٰا جٰاءَ أَجَلُهُمْ لٰا يَسْتَأْخِرُونَ سٰاعَةً وَ لٰا يَسْتَقْدِمُونَ". و أقول: هذا بحسب آرائهم و مصطلحاتهم، و قد مر تحقيق ذلك في باب البداء و قد مرت لتأويل هذا الحديث وجوه أخرى في باب الرضا بموهبة الإيمان. ثم قال (قدس سره): و الجملة الاسمية يعني" أنا فاعله" نعت" شيء" و اسم الفاعل فيها يجوز أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال" يكره الموت و أكره مساءته" جملة مستأنفة استينافا بيانيا كان سائلا يسأل ما سبب التردد؟ فأجيب بذلك، و يحتمل الحالية من المؤمن و الاستئناف أولى، و المساءة على وزن سلامة مصدر ميمي من ساءه إذا فعل ما يكرهه. و قال روح الله روحه: قد يتوهم المنافاة بين ما دل عليه هذا الحديث و أمثاله من أن المؤمن الخاص يكره الموت و يرغب في الحياة، و بين ما ورد عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه و من كره لقاء الله كره الله لقاءه، فإنه يدل بظاهره على أن المؤمن الحقيقي لا يكره الموت بل يرغب فيه كما نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كان يقول: أن ابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، و أنه قال حين ضربه ابن ملجم عليه اللعنة: فزت و رب الكعبة. و قد أجاب عنه شيخنا الشهيد في الذكرى فقال: إن حب لقاء الله غير مقيد بوقت فيحمل على حال الاحتضار و معاينة ما يحب كما روينا عن الصادق (عليه السلام) و رووه في الصحاح عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، و من كره لقاء الله كره الله لقاءه، قيل: يا رسول الله إنا لنكره الموت؟ فقال: ليس ذلك و لكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله و كرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله و أحب الله لقاءه، و أن الكافر إذا احتضره يبشر بعذاب الله فليس شيء أكره إليه مما أمامه، كره لقاء الله فكره الله لقاءه، انتهى. و قد يقال: إن الموت ليس نفس لقاء الله فكراهته من حيث الألم الحاصل منه لا يستلزم كراهة لقاء الله، و هذا ظاهر، و أيضا حب لقاء الله يوجب حب كثرة العمل الصالح النافع وقت لقائه، و هو يستلزم كراهة الموت القاطع لها، انتهى. و أقول: أوردت وجوها أخرى في الكتاب الكبير، و عسى أن يأتي بعضها في كتاب الجنائز إن شاء الله. و قال (رحمه الله) في قوله سبحانه: و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغني، الصناعة النحوية تقتضي أن يكون الموصول اسم إن، و الجار و المجرور خبرها، لكن لا يخفى أنه ليس الغرض الأخبار عن أن الذي لا يصلحه إلا الفقر بعض العباد إن لا فائدة فيه، بل الغرض العكس، فالأولى أن يجعل الظرف اسم إن و الموصول خبرها و هذا و إن كان خلاف ما هو المتعارف بين القوم لكن جوز بعضهم مثله في قوله تعالى " وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ". قال المحقق الشريف في حواشي الكشاف عند تفسير هذه الآية: فإن قيل: لا فائدة في الإخبار بأن من يقول كذا و كذا من الناس؟ أجيب: بأن فائدته التنبيه على أن الصفات المذكورة تنافي النوع الإنساني، فينبغي أن يجهل كون المتصف بها من الناس و يتعجب منه، و رد بأن مثل هذا التركيب قد يأتي في مواضع لا يتأتى فيها مثل هذا الاعتبار، و لا يقصد منها إلا الإخبار بأن من هذا الجنس طائفة متصفة بكذا، كقوله تعالى:" مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجٰالٌ". فالأولى أن يجعل مضمون الجار و المجرور مبتدأ على معنى و بعض الناس، أو بعض منهم من اتصف بما ذكر، فيكون مناط الفائدة تلك الأوصاف و لا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدءا، انتهى كلامه. ثم لما كان مضمون هذا الخبر مظنة التردد و الإنكار حسن فيه التأكيد، فإن قلت: المخاطب هو النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو لا يتردد في أن أفعاله سبحانه مبنية على الحكم العميمة و المصالح العظيمة؟ قلت: أمثال هذه الخطابات من قبيل:" اسمعي يا جارة" و أكثر ما خاطب الله سبحانه الأنبياء (صلى الله عليه و آله و سلم) من هذا القبيل و لا ريب أن أكثر الخلق مترددون في مضمون ذلك الخبر بل ربما ينكره بعضهم. مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْغِنَى وَ لَوْ صَرَفْتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَهَلَكَ وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُ وَ لَوْ صَرَفْتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَهَلَكَ وَ مَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى " لو صرفته إلى غير ذلك لهلك" فصل هذه الجملة الشرطية عن جملة الصلة لأنها كاشفة و مبينة لها إذ كون هلاك دينه في الفقر مما يبين كون صلاحه في الغنى، فبينهما كمال الاتصال، و ما مر في حديث آخر شبيه بهذا الخبر من عطف مثل هذه الشرطية على الصلة بالواو، حيث قال: و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، و لو أغنيته لأفسده ذلك، فلملاحظة كون حصول الإفساد أمرا مغايرا لعدم الإصلاح و غير مندرج في جنسه، و قد صرح علماء المعاني بأن الجملتين اللتين بينهما كمال الاتصال الموجب للفصل ربما يلاحظ بينهما الانقطاع بوجه من الوجوه، فتعطف إحداهما على الأخرى لتوسطهما حينئذ بين كمال الاتصال و كمال الانقطاع. أ لا ترى إلى ما قالوه في قوله تعالى في سورة البقرة:" يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذٰابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنٰاءَكُمْ" و في سورة إبراهيم" وَ يُذَبِّحُونَ" بالواو من أن طرح الواو في الآية الأولى يجعل تذبيح الأبناء بيانا ليسومونكم و تفسيرا للعذاب، و إثباتها في الآية الثانية لملاحظة كون التذبيح فوق العذاب المتعارف و زائدا عليه، فكأنه جنس آخر غير مندرج فيه. " و أنه ليتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه" النوافل جميع الأفعال الغير الواجبة و أما تخصيصها بالصلوات المندوبة فعرف طار، و معنى محبة الله سبحانه للعبد هو كشف الحجاب عن قلبه و تمكينه من أن يطأ على بساط قربه فإن ما يوصف به سبحانه إنما يؤخذ باعتبار الغايات لا باعتبار المبادئ، و علامة حبه سبحانه للعبد أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ إِذاً سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَ بَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَ لِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ وَ يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ وَ إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ توفيقه للتجافي عن دار الغرور و الترقي إلى عالم النور، و الأنس بالله و الوحشة عما سواه، و صيرورة جميع الهموم هما واحدا. قال بعض العارفين: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك. " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به" إلخ أقول: تمسك بعض الصوفية و الاتحادية و الحلولية و الملاحدة بظواهر تلك العبارات و أعرضوا عن بواطن هذه الاستعارات فضلوا و أضلوا، مع أن عقل جميع أرباب العقول يحكم باستحالة اتخاذ شيء مع أشياء كثيرة متباينة الحقائق مختلفة الآثار، و أيضا ما ذكروه من الكفر الصريح لا اختصاص له بالمحبين و العارفين، بل يحكمون باتحاده تعالى بجميع أصناف الموجودات حتى الكلاب و الخنازير و القاذورات سبحانه و تعالى عما يقولون علوا كبيرا. فهذه الأخبار نافية لمذاهبهم الفاسدة الخبيثة لا مثبتة لها، و لها عند أهل الإيمان و أصحاب البيان و أرباب اللسان معان واضحة ظاهرة تقبلها الأذهان و مبنية على مجازات و استعارات شائعة في الحديث و القرآن، و مشتملة على نكأت بليغة استحسنها أرباب المعاني، و لا تنافي عقائد أهل الإيمان، و هي كثيرة نومئ هنا إلى بعضها. الأول: ما ذكره الشيخ البهائي (قدس سره) و إن داهن في أول كلامه حيث قال: لأصحاب القلوب في هذا المقام كلمات سنية و إشارات سرية و تلويحات ذوقية تعطر مشام الأرواح و تحيي رميم الأشباح، لا يهتدي إلى معناها و لا يطلع على مغراها إلا من أتعب بدنه في الرياضات و عنى نفسه بالمجاهدات حتى ذاق مشربهم و عرف مطلبهم، و أما من لم يفهم تلك الرموز و لم يهتد إلى هاتيك الكنوز لعكوفه على الحظوظ الدنية و انهماكه في اللذات البدنية فهو عند سماع تلك الكلمات على خطر عظيم من التردي في غياهب الإلحاد و الوقوع في مهاوي الحلول و الاتحاد، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، و نحن نتكلم في هذا المقام بما يسهل تناوله على الأفهام. فنقول: هذا مبالغة في القرب و بيان لاستيلاء سلطان المحبة على ظاهر العبد و باطنه و سره و علانيته، فالمراد و الله أعلم: إني إذا أحببت عبدي جذبته إلى محل الأنس و صرفته إلى عالم القدس و صيرت فكره مستغرقا في أسرار الملكوت و حواسه مقصورة على اجتلاء أنوار الجبروت، فيثبت حينئذ في مقام القرب قدمه و يمتزج بالمحبة لحمه و دمه، إلى أن يغيب عن نفسه و يذهل عن حسه فيتلاشى الأغيار في نظره حتى أكون له بمنزلة سمعه و بصره كما قال من قال: جنوني فيك لا يخفى و ناري منك لا تخبو فأنت السمع و الأبصار و الأركان و القلب و قال (رحمه الله):" يبطش بها" بالكسر و الضم أي يأخذ بها، و أصل البطش الأخذ بالعنف و السطوة، انتهى. الثاني: ما قيل: المعنى أني إذا أحببته كنت كسمعه و بصره في سرعة الإجابة فقوله: إن دعاني أجبته، إشارة إلى وجه التشبيه يعني إني أجيبه سريعا إن دعاني إلى مقاصده كما يجيبه سمعه عند إرادته سماع المسموعات، و بصره عند إرادته أبصار المبصرات، و هذا مثل قول الناس المعروف بينهم: فلان عيني و نور بصري و يدي و عضدي، و إنما يريدون به التشبيه في معنى من المعاني المناسبة للمقام، و يسمون هذا تشبيها بليغا بحذف الأداة مثل زيد أسد. الثالث: أن المعنى أنه تعالى هو المطلوب لهذا العبد عند سمعه للمسموعات و بصره للمبصرات و هكذا، يعني مني يسمع المسموعات و بها يرجع إلى، و المقصود أنه يبتدئ بي في سماع المسموعات و ينتهي إلى، فلا يصرف شيئا من جوارحه فيما ليس فيه رضاي، و إليه أشار بعضهم بقوله: ما رأيت شيئا إلا و رأيت الله قبله أو بعده أو معه. و أقول: على هذا يرجع الحمل إلى المبالغة في السببية أو الغائية، و يؤيده ما ورد في رواية أخرى فبي يسمع و بي يبصر و بي يمشي و بي ينطق. الرابع: أنه لكثرة تخلقه بأخلاق ربه و وفور حبه لجناب قدسه تخلى عن محبته و إرادته، فلا يسمع إلا ما يحبه تعالى، و لا ينظر إلا إلى ما يحبه تعالى، و لا يبطش إلا إلى ما يوصل إلى قربه سبحانه، و قريب منه ما قيل: لا يسمع إلا بحق و إلى حق و لا ينظر إلا بحق و إلى حق، و لا يبطش إلا بإذن الحق و لا يمشي إلا إلى ما يرضى به الحق و هو المحق الولي و المؤمن حقا الذي انزاح عنه كل باطل و صار واقفا مع الحق، و هو قريب من الوجه الثالث. الخامس: ما ظهر لي في بعض المقامات و هو أظهر عندي من سائر الوجوه، و تفصيله يحتاج إلى بسط وسيع في الكلام لا يسعه هذا المقام، و محصله أنه سبحانه أودع في بدن الإنسان و قلبه و روحه قوي ضعيفة هي في معرض الانحلال و الاختلال و الانقضاء و الفناء، فإذا اكتفي بها و صرفها في شهوات النفس و الهوى تفنى كلها، و لا يبقى معه شيء منها و من ثمراتها إلا الحسرة و الندامة، و إذا استعملها في طاعة ربه و صرفها في طاعة محبوبة أبدله الله خيرا منها، و أقوى و أبقى تكون معه في الدنيا و العقبى، لقوله تعالى:" لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ" فمنها قوة السمع إذا بذلها في طاعة النفس و الشيطان، و ما يلهى عن الرحمن، بطل سمعهم الروحاني و هذا السمع الجسماني في معرض الفناء و لذا قال سبحانه فيهم:" أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا". فهم صم بكم عمي في الدنيا و الآخرة، فمثلهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء و نداءا فهم في الدنيا أيضا كذلك، فإذا بطل بالموت حسهم لم يبق لهم إلا الضلال و الوبال، و إذا صرفها في طاعة ربه أبدله الله سمعا كاملا روحانيا لا يذهب بالصمم و لا بالموت، فهو يسمع كلام الملائكة و يصغي إلى خطاب الرب تعالى في الآخرة و الأولى، و يفهم كلام الله و كلام الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام)، فما منحه الله تعالى سمع قلبي روحاني لا يضعف بضعف البدن و لا يذهب بالموت، و به يسمع في القبر الخطاب و يعد الجواب، و يناديهم الحبيب كما نادى الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) أهل القليب. و كذا أودع الله سبحانه حسا ضعيفا في البصر فإذا صرفه في مشتهيات نفسه ذهب الله بنوره و أعمى عين قلبه فهو في الآخرة أعمى و أضل سبيلا، و إذا بذله في طاعة ربه نور الله عين قلبه و أعطى بصره نورا أعلى و أقوى فيه ينظر إلى الملكوت الأعلى و يتوسم في وجوه الخلق ما لا يعرف غيره، و يرى الملائكة الروحانيين كما قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، و قال تعالى:" إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ". و كذا قوة البطش البدنية إذا صرفها في طاعة الله و قربه و نهكها بالرياضات الحقة أعطاه الله قوة روحانية لا تضعف بالأمراض، و لا تذهب بالموت فيها يقدر على التصرف في عالم الملك و الملكوت، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية بل بقوة ربانية. و كذا النطق إذا صدق فيه و كان موافقا لعمله و مصادفا لرضا ربه فتح الله به ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فظهر معنى قوله سبحانه: كنت سمعه و بصره، و غير ذلك على ألطف الوجوه لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد. السادس: ما هو أرفع و أوقع و أحلى و أدق و ألطف و أخفى مما مضى، و هو أن العارف لما تخلى من شهواته و إرادته و تجلى محبة الحق على عقله و روحه و مسامعه و مشاعره و فوض جميع أموره إليه و سلم و رضي بكل ما قضى ربه عليه يصير الرب سبحانه متصرفا في عقله و قلبه و قواه، و يدبر أموره على ما يحبه و يرضاه، فيريد الأشياء بمشية مولاه كما قال سبحانه مخاطبا لهم:" وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلّٰا أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ" كما ورد في تأويل هذه الآية في غوامض الأخبار عن معادن الحكم و الأسرار و الأئمة الأخيار. و روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. و كذلك يتصرف ربه الأعلى منه في سائر الجوارح و القوي، كما قال سبحانه مخاطبا لنبيه المصطفى:" وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ" و قال تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إِنَّمٰا يُبٰايِعُونَ اللّٰهَ يَدُ اللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ" فلذلك صارت طاعتهم طاعة الله و معصيتهم معصية الله، فاتضح بذلك معنى قوله تعالى: كنت سمعه و بصره و أنه به يسمع و يبصر فكذا سائر المشاعر تدرك بنوره و تنويره، و سائر الجوارح تتحرك بتيسيره و تدبيره، كما قال تعالى:" فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرىٰ". و قريب منه ما ذكره الحكماء في اتصال النفس بالعقول المفارقة، و الأنوار المجردة على زعمهم حيث قالوا: قد تصير النفس لشدة اتصالها بالعقل الفعال بحيث يصير العقل بمنزلة الروح للنفس، و النفس بمنزلة البدن للعقل، فيلاحظ المعقولات في لوح العقل و يدبر العقل نفسه كتدبير النفس للبدن، و لذا يظهر منه الغرائب التي يعجز عنها سائر الناس كإحياء الموتى و شق القمر و أمثالهما. قال صاحب الشجرة الإلهية: كما أن في النفس في حال التعلق بالبدن تتوهم أنها هي البدن أو أنها فيه و إن لم تكن هو و لا فيه، فكذلك النفس الكاملة إذا فارقت البدن و قطعت تعلقها من شدة قوتها و نوريتها و علاقتها العشقية مع نور الأنوار و الأنوار العقلية، تتوهم أنها هي فتصير الأنوار مظاهرا لنفوس المفارقة كما كانت الأبدان أيضا، فهذا هو معنى الاتحاد لا بمعنى صيرورة الشيئين شيئا واحدا فإنه باطل، انتهى. و ما ذكرنا أوفق بالكتاب و السنة و أنسب بالحق و مصطلحات أهله و لا يتوقف على إثبات ما نفته الشريعة من العقول المفارقة القديمة و غيرها، و كثيرا ما يشتبه الحق بالباطل كما اشتبه على كثير من الأوائل. قال المحقق الطوسي (قدس الله روحه) القدوسي: العارف إذا انقطع عن نفسه و اتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات، و كل علم مستغرقا في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات، و كل إرادة مستغرقة في إرادته التي لا يتأبى عنها شيء من الممكنات، بل كل وجود و كل كمال وجود فهو صادر عنه فائض من لدنه. فصار الحق حينئذ بصره الذي يبصر به، و سمعه الذي به يسمع، و قدرته التي بها يفعل، و علمه الذي به يعلم، وجوده الذي به يجود، فصار العارف حينئذ متخلقا بأخلاق الله في الحقيقة. و قال بعض المحققين في شرح هذا الخبر أيضا: معنى محبة الله كشفه الحجاب عن قلبه و تمكينه إياه من قربه، و معنى المحبة من العبد ميل نفسه إلى الشيء لكمال إدراكه فيه بحيث يحملها على ما يقربها إليه، فإذا علم العبد أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، و أن كل ما يراه كمالا من نفسه أو من غيره فهو من الله و بالله و إلى الله لم يكن حبه إلا لله و في الله، و ذلك يقتضي إرادة طاعته و الرغبة فيما يقربه إليه و اتباعه من كان وسيلة له إلى معرفته و محبته، قال الله تعالى لرسوله:" قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ" فإن بمتابعة الرسول في عبادته و سيرته و أخلاقه و أحواله و نوافله، يحصل القرب إلى الله، و بالقرب يحصل محبة الله إياه. و قال بعض العارفين بزعمه: إذا تجلى الله سبحانه بذاته لأحد يرى كل الذوات و الصفات و الأفعال متلاشية في أشعة ذاته و صفاته و أفعاله، و يجد نفسه مع جميع المخلوقات كأنها مدبرة لها و هي أعضاؤها و لا يلم بواحد منها شيء إلا و يراه ملما به، و يرى ذاته الذات الواحدة، و صفته صفتها، و فعله فعلها لاستهلاكه بالكلية في عين التوحيد، و ليس للإنسان وراء هذه الرتبة مقام في التوحيد. و لما انجذب بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة، و ارتفع التميز بين القدم و الحدوث لزهوق الباطل عند مجيء الحق. و قيل: إلى هذا المعنى يشير ما ورد في الحديث النبوي: علي ممسوس في ذات الله، و لعل هذا هو السر في صدور بعض الكلمات الغريبة من مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة البيان و أمثالها، انتهى. و أقول: الاكتفاء بما أسلفنا و أومأنا و ترك الخوض في تلك المسالك الخطيرة أولى و أحوط و أحرى و الله الموفق للهدي. فائدة قال في المصباح المنير: الأعضاء ثلاثة أقسام: الأول يذكر و لا يؤنث، و الثاني يؤنث و لا يذكر، و الثالث جواز الأمرين، فعد من الأول الروح على الأشهر و الوجه و الرأس و الحلق و الشعر و قصاصه، و الفم و الحاجب و الصدغ و الصدر و اليافوخ و اللحى و الذهن و البطن و القلب و الطحال و الخصر و الحشا و الظهر و المرفق و الزند و الظفر و الثدي و العصعص، و كل اسم للفرج من الذكر و الأنثى، و الكوع و الكرسوع و شفر العين و الجفن و الهدب، و الحجارة و المأق و النخاع و المصير و الناب و الضرس
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ وَ احْتَقَرَهُمْ