عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)الْغِيبَةُ أَسْرَعُ فِي دِينِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْأَكِلَةِ فِي جَوْفِهِ قَالَ وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ عِبَادَةٌ مَا لَمْ يُحْدِثْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا يُحْدِثُ قَالَ الِاغْتِيَابَ باب الغيبة و البهت الحديث الأول: ضعيف على المشهور. و الأكلة كفرحة داء في العضو يأتكل منه كما في القاموس و غيره، و قد يقرأ بمد الهمزة على وزن فاعلة أي العلة التي تأكل اللحم و الأول أوفق باللغة، و قوله أسرع في دين الرجل، أي في ضرره و إفنائه. و قيل: الأكلة بالضم اللقمة و كفرحة داء في العضو يأتكل منه، و كلاهما محتملان إلا أن ذكر الجوف يؤيد الأول و إرادة الإفناء و الإذهاب يؤيد الثاني، و الأول أقرب و أصوب و لتشبيه الغيبة بأكل اللقمة أنسب لأن الله سبحانه شبهها بأكل اللحم، انتهى. و كان الثاني أظهر و التخصيص بالجوف لأنه أضر و أسرع في قتله، و في التأييد الذي ذكره نظر و المستتر في قوله: ما لم يحدث، راجع إلى الجالس المفهوم من الجلوس، و هو على بناء الأفعال و الاغتياب منصوب، و قال الجوهري: اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه، و الاسم الغيبة، و هو أن يتكلم خلف إنسان مستور بما يغمه لو سمعه، فإن كان صدقا سمي غيبة، و إن كان كذبا سمي بهتانا. أقول: هذا بحسب اللغة و أما بحسب عرف الشرع فهو ذكر الإنسان المعين أو من هو بحكمه في غيبته بما يكره نسبته إليه و هو حاصل فيه، و يعد نقصا في العرف، بقصد الانتقاص و الذم قولا أو إشارة أو كناية، تعريضا أو تصريحا، فلا غيبة في غير معين كواحد مبهم غير محصور كأحد أهل البلد. و قال الشيخ البهائي (قدس سره): و بحكمه لإدراج المبهم من محصور كأحد قاضي البلد فاسق مثلا، فإن الظاهر أنه غيبة و لم أجد أحدا تعرض له انتهى. و قولنا: في غيبته لإخراج ما إذا كان في حضوره لأنه ليس بغيبة و إن كان إثما لإيذائه إلا بقصد الوعظ و النصيحة، و التعريض حينئذ أولى إن نفع. و قولنا: بما يكره لإخراج غيبة من لا يكره نسبة الفسق و نحوه إليه، بل ربما يفرح بذلك و يعده كمالا. و قولنا: و هو حاصل فيه لإخراج التهمة و إن كانت أشد. و قولنا: و يعد نقصا لإخراج العيوب الشائعة التي لا تعد في العرف نقصا، و في الفسوق الشائعة التي لا يعدها أكثر الناس نقصا مع كونها مخفية و عدم مبالاته بذكرها و عدم عد أكثر الناس نقصا لشيوعها، ففيه إشكال و الأحوط ترك ذكرها و إن كان ظاهر الأصحاب جوازه. و قولنا: بقصد الانتقاص لخروج ما إذا كان للطبيب لقصد العلاج، و للسلطان للترحم أو للنهي عن المنكر. و قال الشهيد الثاني رفع الله درجته: و أما في الاصطلاح فلها تعريفان أحدهما مشهور و هو ذكر الإنسان حال غيبته بما يكره نسبته إليه مما يعد نقصانا في العرف بقصد الانتقاص و الذم، و احترز بالقيد الأخير و هو قصد الانتقاص عن ذكر العيب للطبيب مثلا أو لاستدعاء الرحمة من السلطان في حق الزمن و الأعمى بذكر نقصانهما و يمكن الغناء عنه بقيد كراهة نسبته إليه، و الثاني التنبيه على ما يكره نسبته إليه إلى آخره، و هو أعم من الأول لشمول مورده اللسان و الإشارة و الحكاية و غيرها، و هو أولى لما سيأتي من عدم قصر الغيبة على اللسان و قد جاء على المشهور قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): هل تدرون ما الغيبة؟ فقالوا: الله و رسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أ رأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته و إن لم يكن فيه فقد بهته. و تحريم الغيبة في الجملة إجماعي بل هو كبيرة موبقة للتصريح بالتوعد عليها بالخصوص في الكتاب و السنة، و قد نص الله على ذمها في كتابه و شبه صاحبها بأكل لحم الميتة فقال:" وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ". و عن جابر و أبي سعيد الخدري قالا: قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): إياكم و الغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا، إن الرجل قد يزني و يتوب فيتوب الله عليه، و أن الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه. و عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظافيرهم، فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس و يقعون في أعراضهم. و عنه قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): فذكر الربا و عظم شأنه، فقال: إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست و ثلاثين زنية يزنيها الرجل، و إن أربى الربا عرض الرجل المسلم. و أوحى الله عز و جل إلى موسى بن عمران (عليه السلام) أن المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنة، و إن لم يتب فهو أول من يدخل النار. و روي أن عيسى (عليه السلام) مر و الحواريون على جيفة كلب، فقال الحواريون: ما أنتن ريح هذا؟ فقال عيسى (عليه السلام): ما أشد بياض أسنانه، كأنه ينهاهم (عليه السلام) عن غيبة الكلب و ينبههم على أنه لا يذكر من خلق الله إلا أحسنه. و قيل في تفسير قوله تعالى:" وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ" الهمزة الطعان في الناس و اللمزة الذي يأكل لحوم الناس. و قال بعضهم: أدركنا السلف لا يرون العبادة في الصوم و لا في الصلاة، و لكن في الكف عن أعراض الناس. و اعلم أن السبب الموجب للتشديد في أمر الغيبة و جعلها أعظم من كثير من المعاصي الكثيرة هو اشتمالها على المفاسد الكلية المنافية لغرض الحكيم سبحانه، بخلاف باقي المعاصي، فإنها مستلزمة لمفاسد جزئية، بيان ذلك أن المقاصد المهمة للشارع اجتماع النفوس على هم واحد و طريقة واحدة، و هي سلوك سبيل الله بسائر وجوه الأوامر و النواهي، و لا يتم ذلك إلا بالتعاون و التعاضد بين أبناء النوع الإنساني و ذلك يتوقف على اجتماع هممهم و تصافي بواطنهم و اجتماعهم على الألفة و المحبة حتى يكونوا بمنزلة عبد واحد في طاعة مولاه، و لن يتم ذلك إلا بنفي الضغائن و الأحقاد و الحسد و نحوه، و كانت الغيبة من كل منهم لأخيه مثيرة لضغنه و مستدعية منه لمثلها في حقه لا جرم، و كانت ضد المقصود الكلي للشارع، و كانت مفسدة كلية و لذلك أكثر الله و رسوله النهي عنها و الوعيد عليها و بالله التوفيق. ثم قال (قدس سره) في ذكر أقسامها: لما عرفت أن المراد منها ذكر أخيك بما يكرهه منه لو بلغه، أو الإعلام به أو التنبيه عليه كان ذلك شاملا لما يتعلق بنقصان في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو قوله أو دينه أو دنياه، حتى في ثوبه و داره. و قد أشار الصادق (عليه السلام) إلى ذلك أي في مصباح الشريعة بقوله: وجوه الغيبة تقع بذكر عيب في الخلق و الفعل و المعاملة و المذهب و الجهل و أشباهه، فالبدن كذكرك فيه العمش و الحول و العور و القرع و القصر و الطول و السواد و الصفرة، و جميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه. و أما النسب بأن تقول: أبوه فاسق أو خبيث أو خسيس أو إسكاف أو حائك أو نحو ذلك مما يكرهه كيف كان. و أما الخلق بأن يقول: إنه سيئ الخلق، بخيل متكبر مرائي شديد الغضب، جبان ضعيف القلب و نحو ذلك. و أما في أفعاله المتعلقة بالدين كقولك: سارق كذاب شارب خائن ظالم متهاون بالصلاة لا يحسن الركوع و السجود، و لا يحترز من النجاسات، ليس بارا بوالديه و لا يحرس نفسه من الغيبة و التعرض لإعراض الناس. و أما فعله المتعلق بالدنيا كقولك: قليل الأدب متهاون بالناس، لا يرى لأحد عليه حقا، كثير الكلام كثير الأكل نؤوم يجلس في غير موضعه و نحو ذلك. و أما في ثوبه كقولك: إنه واسع الكم طويل الذيل وسخ الثياب و نحو ذلك. و اعلم أن ذلك لا يقصر على اللسان بل التلفظ به إنما حرم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك و تعريفه بما يكرهه، فالتعريض كالتصريح، و الفعل فيه كالقول و الإشارة و الإيماء و الغمز و الرمز و الكنية و الحركة، و كل ما يفهم المقصود داخل في الغيبة مساو للسان في المعنى الذي حرم التلفظ به لأجله. و من ذلك ما روي عن عائشة أنها قالت: دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي، أي قصيرة فقال (صلى الله عليه و آله و سلم): اغتبتها. و من ذلك المحاكاة بأن تمشي متعارجا أو كما يمشي فهو غيبة بل أشد من الغيبة لأنه أعظم في التصوير و التفهيم. و كذلك الغيبة بالكتاب فإن الكتاب كما قيل أحد اللسانين، و من ذلك ذكر المصنف شخصا معينا و تهجين كلامه في الكتاب إلا أن يقترن به شيء من الأعذار المحوجة إلى ذكره كمسائل الاجتهاد التي لا يتم الغرض من الفتوى و إقامة الدلائل على المطلوب إلا بتزييف كلام الغير و نحو ذلك، و يجب الاقتصار على ما تندفع به الحاجة في ذلك، و ليس منه قوله: قال قوم كذا ما لم يصرح بشخص معين، و منها أن يقول الإنسان: بعض من مر بنا اليوم أو بعض من رأيناه حاله كذا إذا كان المخاطب يفهم منه شخصا معينا لأن المحذور تفهيمه دون ما به التفهيم، فأما إذا لم يفهمه عينه جاز، كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا كره من إنسان شيئا قال: ما بال أقوام يفعلون كذا و كذا؟ و لا يعين. و من أخبث أنواع الغيبة غيبة المتسمين بالفهم و العلم المرائين، فإنهم يفهمون المقصود على صفة أهل الصلاح و التقوى ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة، و يفهمون المقصود، و لا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين الرياء و الغيبة، و ذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول: الحمد لله الذي لم يبتلنا بحب الرئاسة أو بحب الدنيا أو بالتكيف بالكيفية الفلانية، أو يقول: نعوذ بالله من قلة الحياء أو من سوء التوفيق أو نسأل الله أن يعصمنا من كذا، بل مجرد الحمد على شيء إذا علم منه اتصاف المحدث عنه بما ينافيه و نحو ذلك، فإنه يغتابه بلفظ الدعاء و سمت أهل الصلاح و إنما قصده أن يذكر عيبه بضرب من الكلام المشتمل على الغيبة و الرياء، و دعوى الخلاص من الرذائل و هو عنوان الوقوع فيها بل في أفحشها. و من ذلك أنه قد يقدم مدح من يريد غيبته فيقول: ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات، و لكن قد اعتراه فتور و ابتلي بما نبتلي به كلنا، و هو قلة الصبر فيذكر نفسه بالذم و مقصوده أن يذم غيره و أن يمدح نفسه بالتشبه بالصالحين في ذم أنفسهم، فيكون مغتابا مرائيا مزكيا نفسه، فيجمع بين ثلاث فواحش و هو يظن بجهله أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة، هكذا يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعلم أو العمل من غير أن تيقنوا الطريق فيتبعهم و يحبط بمكايدة عملهم، و يضحك عليهم. و من ذلك أن يذكر ذاكر عيب إنسان فلا يتنبه له بعض الحاضرين فيقول: سبحان الله ما أعجب هذا حتى يصغي الغافل إلى المغتاب و يعلم ما يقوله، فيذكر الله سبحانه و يستعمل اسمه آلة له في تحقيق خبثه و باطله، و هو يمن على الله بذكره جهلا منه و غرورا. و من ذلك أن يقول جرى من فلان كذا و ابتلي بكذا، بل يقول: جرى لصاحبنا أو صديقنا كذا، تاب الله علينا و عليه، يظهر الدعاء و التألم و الصداقة و الصحبة و الله مطلع على خبث سريرته و فساد ضميره و هو بجهله لا يدري أنه قد تعرض لمقت أعظم مما يتعرض له الجهال إذا جاهروا بالغيبة. و من أقسامها الخفية الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب فإنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيزيد فيها فكأنه يستخرج منه الغيبة بهذا الطريق فيقول: عجبت مما ذكرته ما كنت أعلم بذلك إلى الآن ما كنت أعرف من فلان ذلك؟ يريد بذلك تصديق المغتاب و استدعاء الزيادة منه باللطف، و التصديق للغيبة غيبة، بل الإصغاء إليها بل السكوت عند سماعها، قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): المستمع أحد المغتابين، و قال علي (عليه السلام): السامع للغيبة أحد المغتابين، و مراده (عليه السلام) السامع على قصد الرضا و الإيثار لا على وجه الاتفاق أو مع القدرة على الإنكار و لم يفعل. و وجه كون المستمع و السامع على ذلك الوجه مغتابين مشاركتهما للمغتاب في الرضا و تكيف ذهنهما بالتصورات المذمومة التي لا ينبغي و إن اختلفا في أن أحدهما قائل و الآخر قابل، لكن كل واحد منهما صاحب آلة أما أحدهما فذو لسان يعبر عن نفس قد تنجست بتصور الكذب و الحرام، و العزم عليه، و أما الآخر فذو سمع تقبل عنه النفس تلك الآثار عن إيثار و سوء اختيار، فتألفها و تعتادها فتمكن من جوهرها سموم عقارب الباطل و من ذلك قيل: السامع شريك القائل. و قد تقدم في الخبر ما يدل عليه، فالمستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه، فإن خاف فبقلبه، و إن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام غيره فلم يفعله لزمه، و لو قال بلسانه: اسكت و هو يشتهي ذلك بقلبه، فذلك نفاق و فاحشة أخرى زائدة لا يخرجه عن الإثم ما لم يكرهه بقلبه. و قد روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: من أذل عنده مؤمن و هو يقدر على أن ينصره فلم ينصره أذله الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، و عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يرد عن عرضه يوم القيامة، و قال أيضا: من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار. و روى الصدوق بإسناده إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: من تطول على أخيه في غيبة سمعها عنه في مجلس فردها عنه رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا و الآخرة و إن هو لم يردها و هو قادر على ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة. و بإسناده إلى الباقر (عليه السلام) أنه قال: من اغتيب عنده أخوه المؤمن فنصره و أعانه نصره الله في الدنيا و الآخرة، و من لم ينصره و لم يدفع عنه و هو يقدر على نصرته و عونه خفضه الله في الدنيا و الآخرة. ثم قال (قدس سره) في علاج الغيبة: اعلم أن مساوئ الأخلاق كلها إنما تعالج بمعجون العلم و العمل، و إنما علاج كل علة بمضاد سببها فلنبحث عن سبب الغيبة أولا ثم نذكر علاج كف اللسان عنها على وجه يناسب علاج تلك الأسباب فنقول: جملة ما ذكروه من الأسباب الباعثة على الغيبة عشرة أشياء قد نبه الصادق (عليه السلام) عليها إجمالا يعني في مصباح الشريعة بقوله: أصل الغيبة تتنوع بعشرة أنواع شفاء غيظ، و مساعدة قوم، و تصديق خبر بلا كشفه، و تهمة، و سوء ظن، و حسد، و سخرية، و تعجب و تبرم و تزين، و نحن نشير إليها مفصلة: الأول: تشفي الغيظ، و ذلك إذا جرى سبب غيظ غضب عليه، فإذا هاج غضبه تشفي بذكر مساويه و سبق اللسان إليه بالطبع إن لم يكن ثمة دين وازع و قد يمتنع من تشفي الغيظ عند الغضب فيحتقن الغضب في الباطن، و يصير حقدا ثابتا فيكون سببا دائما لذكر المساوي بالحقد و الغضب من البواعث العظيمة على الغيبة. الثاني: موافقة الأقران و مجاملة الرفقاء و مساعدتهم على الكلام، فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الأعراض فيرى أنه لو أنكر أو قطع المجلس استثقلوه و نفروا عنه، فيساعدهم و يرى ذلك من حسن المعاشرة و يظن أنه مجاملة في الصحبة و قد يغضب رفقاؤه فيحتاج إلى أن يغضب لغضبهم إظهارا للمساهمة في السراء و الضراء فيخوض معهم في ذكر العيوب و المساوي. الثالث: أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده و يطول لسانه فيه أو يقبح حاله عند محتشم أو يشهد عليه بشهادة فيبادر قبل ذلك و يطعن فيه ليسقط أثر شهادته و فعله، أو يبتدئ بذكر ما فيه صادقا ليكذب عليه بعده فيروج كذبه بالصدق الأول و يستشهد به و يقول: ما من عادتي الكذب فإني أخبرتكم بكذا و كذا من أحواله فكان كما قلت. الرابع: أن ينسب إليه شيء فيريد أن يتبرء منه فيذكر الذي فعله، و كان من حقه أن يتبرء نفسه و لا يذكر الذي فعله، و لا ينسب غيره إليه أو يذكر غيره بأنه كان مشاركا له في الفعل، ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله. الخامس: إرادة التصنع و المباهاة و هو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره، فيقول فلان جاهل و فهمه ركيك، و كلامه ضعيف، و غرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه و يريهم أنه أفضل منه أو يحذر أن يعظم مثل تعظيمه فيقدح فيه لذلك. السادس: الحسد و هو أنه يحسد من يثني الناس عليه و يحبونه و يكرمونه فيريد زوال تلك النعمة عنه، فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فيه، فيريد أن يسقط ماء وجهه عند الناس حتى يكفوا عن إكرامه و الثناء عليه، لأنه يثقل عليه أن يسمع ثناء الناس عليه، و إكرامهم له، و هذا هو الحسد، و هو عين الغضب و الحقد و الحسد قد يكون مع الصديق المحسن و القرين الموافق. السابع: اللعب و الهزل و المطايبة و ترجية الوقت بالضحك، فيذكر غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة و التعجب. الثامن: السخرية و الاستهزاء استحقارا له فإن ذلك قد يجري في الحضور فيجري أيضا في الغيبة و منشأه التكبر و استصغار المستهزئ به. التاسع: و هو مأخذ دقيق ربما يقع في الخواص و أهل الحذر من مزال اللسان، و هو أن يغتم بسبب ما يبتلي به أحد فيقول: يا مسكين فلان قد غمني أمره و ما ابتلي به و يذكر سبب الغم، فيكون صادقا في اغتمامه و يلهيه الغم من الحذر عن ذكر اسمه فيذكره بما يكرهه فيصير به مغتابا فيكون غمه و رحمته خيرا و لكنه ساقه إلى شر من حيث لا يدري و الترحم و التغمم ممكن من دون ذكر اسمه و نسبته إلى ما يكرهه، فيهيجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه و ترحمه. العاشر: الغضب لله فإنه قد يغضب على منكر قارفه إنسان فيظهر غضبه و يذكر اسمه على غير وجه النهي عن المنكر، و كان الواجب أن يظهر غضبه عليه على ذلك الوجه خاصة، و هذا مما يقع فيه الخواص أيضا فإنهم يظنون أن الغضب إذا كان لله تعالى كان غدرا كيف كان، و ليس كذلك. أقول: وعد بعضهم الوجهين الأخيرين مما يختص بأهل الدين و الخاصة، و زاد وجها آخر، و هو أن ينبعث من الدين داعية التعجب من إنكار المنكر و الخطإ في الدين، فيقول: ما أعجب ما رأيت من فلان، فإنه قد يكون صادقا و يكون تعجبه من المنكر، و لكن كان حقه أن يتعجب و لا يذكر اسمه فسهل عليه الشيطان ذكر اسمه في ذكر تعجبه، فصار به مغتابا من حيث لا يدري و أثم، و من ذلك قول الرجل: تعجبت من فلان كيف يحب جاريته و هي قبيحة؟ و كيف يجلس بين يدي فلان و هو جاهل. ثم قال الشهيد (ره): إذا عرفت هذه الوجوه التي هي أسباب الغيبة فاعلم أن الطريق في علاج كف اللسان عن الغيبة يقع على وجهين: أحدهما على الجملة و الآخر على التفصيل. أما ما على الجملة فهو أن يعلم تعرضه لسخط الله تعالى بغيبته كما قد سمعته في الأخبار المتقدمة و أن يعلم أنه يحبط حسناته فإنها تنقل في القيامة حسناته إلى من اغتابه بدلا عما أخذ من عرضه، فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئاته و هو مع ذلك متعرض لمقت الله تعالى و مشبه عنده بأكل الميتة، و قد روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد، و ينفعه أيضا أن يتدبر في نفسه فإن وجد فيها عيبا اشتغل بعيب نفسه، و ذكر قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، و مهما وجد عيبا فينبغي أن يستحيي أن يترك نفسه و يذم غيره، بل ينبغي أن يعلم أن عجز غيره عن نفسه في التنزه عن ذلك العيب كعجزه إن كان ذلك عيبا يتعلق بفعله و اختياره، و إن كان أمرا خلقيا فالذم له ذم للخالق فإن من ذم صنعة فقد ذم الصانع، و إن لم يجد عيبا في نفسه فليشكر الله و لا يلوثن نفسه بأعظم العيوب، بل لو أنصف من نفسه لعلم أن ظنه بنفسه أنه بريء من كل عيب جهل بنفسه، و هو من أعظم العيوب و ينفعه أن يعلم أن يعلم أن تألم غيره بغيبته كتألمه بغيبة غيره له، فإذا كان لا يرضى لنفسه أن يغتاب فينبغي أن لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه. و أما التفصيلية فهو أن ينظر إلى السبب الباعث له على الغيبة و يعالجه فإن علاج الغيبة بقطع سببها، و قد عرفت الأسباب الباعثة، أما الغضب فيعالجه بالتفكر فيما مضى من ذم الغضب و فيما تقدم من فضل كظم الغيظ و مثوباته، و أما الموافقة فبأن تعلم أن الله تعالى يغضب عليك، إذا طلبت سخطه في رضا المخلوقين، فكيف ترضى لنفسك أن توقر غيرك و تحقر مولاك، إلا أن يكون غضبك لله تعالى، و ذلك لا يوجب أن تذكر المغضوب عليه بسوء، بل ينبغي أن تغضب لله أيضا على رفقائك إذا ذكروه و بالسوء، فإنهم عصوا ربك بأفحش الذنوب و هو الغيبة. و أما تنزيه النفس بنسبة الجناية إلى الغير حيث يستغني عن ذكر الغير فتعالجه بأن تعرف بأن التعرض لمقت الخالق أشد من التعرض لمقت الخلق و أنت بالغيبة متعرض لسخط الله تعالى يقينا، و لا تدري أنك تتخلص من سخط الناس أم لا، فتخلص نفسك في الدنيا بالتوهم و تهلك في الآخرة، و تخسر حسناتك في الحقيقة، و يحصل ذم الله لك نقدا و تنتظر دفع ذم الخلق نسيئة. و هذا غاية الجهل و الخذلان، و أما عذرك كقولك: إن أكلت الحرام ففلان يأكل، و نحو ذلك فهذا جهل لأنك تعتذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به، فإن من خالف أمر الله لا يقتدى به كائنا من كان، فما ذكرته غيبة و زيادة معصية أضفتها إلى ما اعتذرت عنه و سجلت، مع الجمع بين المعصيتين على جهلك و غباوتك. و أما قصدك المباهاة و تزكية النفس فينبغي أن تعلم أنك بما ذكرته أبطلت فضلك عند الله تعالى و أنت من اعتقاد الناس فضلك على خطر، و ربما نقص اعتقادهم فيك إذا عرفوك بثلب الناس فتكون قد بعت ما عند الخالق يقينا بما عند المخلوق و هما و لو حصل لك من المخلوق اعتقاد الفضل لكانوا لا يغنون عنك من الله شيئا. و أما الغيبة للحسد فهو جمع بين عذابين لأنك حسدته على نعمة الدنيا و كنت معذبا بالحسد، فما قنعت بذلك حتى أضفت إليه عذاب الآخرة فكنت خاسرا في الدنيا فجعلت نفسك خاسرا في الآخرة لتجمع بين النكالين، فقد قصدت محسودك فأصبت نفسك، و قد مر في باب الحسد ما فيه كفاية للمتدبر. و أما الاستهزاء فمقصودك منه إخزاء غيرك عند الناس بإخزاء نفسك عند الله و الملائكة و النبيين، فلو تفكرت في حسرتك و حياتك و خجلتك و خزيك يوم تحمل سيئات من استهزأت به، و تساق إلى النار لأدهشك ذلك عن إخزاء صاحبك، و لو عرفت حالك لكنت أولى أن يضحك منك فإنك سخرت به عند نفر قليل و عرضت نفسك لأن يأخذ بيدك في القيامة على ملإ من الناس و يسوقك تحت سيئاته كما يساق الحمار إلى النار مستهزئا بك و فرحا بخزيك و مسرورا بنصر الله إياه و تسلطه على الانتقام منك. و أما الرحمة على إثمه فهو حسن و لكن حسدك إبليس و استنطقك بما ينقل من حسناتك إليه بما هو أكثر من رحمتك، فيكون جبرا لإثم المرحوم فيخرج عن كونه مرحوما و تنقلب أنت مستحقا لأن تكون مرحوما إذا حبط أجرك و نقصت من حسناتك. و كذلك الغضب لله لا يوجب الغيبة و إنما حبب إليك الشيطان الغيبة ليحبط أجر غضبك و تصير متعرضا لغضب الله بالغيبة. و بالجملة فعلاج جميع ذلك المعرفة و التحقيق لها بهذه الأمور التي هي من أبواب الإيمان، فمن قوي إيمانه بجميع ذلك انكف عن الغيبة لا محالة. ثم ذكر (رحمه الله) الأعذار المرخصة في الغيبة فقال: اعلم أن المرخص في ذكر مساءة الغير هو غرض صحيح في الشرع لا يمكن التوصل إليه إلا به فيدفع ذلك أثم الغيبة، و قد حصروها في عشرة:" الأول" الظلم فإن من ذكر قاضيا بالظلم و الخيانة و أخذ الرشوة كان مغتابا عاصيا، و أما المظلوم من جهة القاضي فله أن يتظلم إلى من يرجو منه إزالة ظلمه، و ينسب القاضي إلى الظلم إذ لا يمكنه استيفاء حقه إلا به، و قد قال (صلى الله عليه و آله و سلم): لصاحب الحق مقال، و قال (صلى الله عليه و آله و سلم): مطل الغني ظلم، و قال (صلى الله عليه و آله و سلم): مطل الواجد يحل عرضه و عقوبته. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر و رد المعاصي إلى نهج الصلاح، و مرجع الأمر في هذا إلى القصد الصحيح، فإن لم يكن ذلك هو المقصود كان حراما. الثالث: الاستفتاء كما تقول للمفتي: ظلمني أبي و أخي فكيف طريقي في الخلاص؟ و الأسلم في هذا التعريض بأن تقول: ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو أخوه؟ و قد روي أن هندا قالت للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم): إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا و ولدي أ فآخذ من غير علمه؟ فقال: خذي ما يكفيك و ولدك بالمعروف، فذكرت الشح لها و لولدها و لم يزجرها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إذ كان قصدها الاستفتاء. و أقول: الأحوط حينئذ التعريض لكون الخبر عاميا مع أنه يحتمل أن يكون عدم المنع لفسق أبي سفيان و نفاقه. ثم قال: الرابع: تحذير المسلم من الوقوع في الخطر و الشر، و نصح المستشير فإذا رأيت متفقها يتلبس بما ليس من أهله فلك أن تنبه الناس على نقصه و قصوره عما يؤهل نفسه له، و تنبيههم على الخطر اللاحق لهم بالانقياد إليه، و كذلك إذا رأيت رجلا يتردد إلى فاسق يخفى أمره و خفت عليه من الوقوع بسبب الصحبة فيما لا يوافق الشرع، فلك أن تنبهه على فسقه مهما كان الباعث لك الخوف على إفشاء البدعة و سراية الفسق، و ذلك موضع الغرور و الخديعة من الشيطان إذ قد يكون الباعث لك على ذلك هو الحسد له على تلك المنزلة فيلبس عليك الشيطان ذلك بإظهار الشفقة على الخلق، و كذلك إذا رأيت رجلا يشتري مملوكا و قد عرفت المملوك بعيوب مستنقصة فلك أن تذكرها للمشتري، فإن في سكوتك ضررا للمشتري و في ذكرك ضررا للعبد، لكن المشتري أولى بالمراعاة، و لتقتصر على العيب المنوط به ذلك الأمر فلا تذكر في عيب التزويج ما يخل بالشركة أو المضاربة أو السفر مثلا بل تذكر في كل أمر ما يتعلق بذلك الأمر و لا تتجاوزه قاصدا نصح المستشير لا الوقيعة، و لو علم أنه يترك التزويج بمجرد قوله: لا يصلح لك، فهو الواجب، فإن علم أنه لا ينزجر إلا بالتصريح بعيبه فله أن يصرح به، قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): أ ترعوون عن ذكر الفاجر حتى يعرفه الناس اذكروه بما فيه يحذره الناس، و قال (صلى الله عليه و آله و سلم) لفاطمة بنت قيس حين شاورته في خطابها: أما معاوية فرجل صعلوك لا مال له، و أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه. الخامس: الجرح و التعديل للشاهد و الراوي، و من ثم وضع العلماء كتب الرجال و قسموهم إلى الثقات و المجروحين، و ذكروا أسباب الجرح غالبا، و يشترط إخلاص النصيحة في ذلك كما مر بأن يقصد في ذلك حفظ أموال المسلمين و ضبط السنة و حمايتها عن الكذب، و لا يكون حاملة العداوة و التعصب، و ليس له إلا ذكر ما يخل بالشهادة و الرواية منه، و لا يتعرض لغير ذلك مثل كونه ابن ملاعنة و شبهة إلا أن يكون متظاهرا بالمعصية كما سيأتي. السادس: أن يكون المقول فيه مستحقا لذلك لتظاهره بسببه كالفاسق المتظاهر بفسقه بحيث لا يستنكف من أن يذكر بذلك الفعل الذي يرتكبه فيذكر بما هو فيه لا بغيره، قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له، و ظاهر الخبر جواز غيبته و إن استنكف عن ذكر ذلك الذنب، و في جواز اغتياب مطلق الفاسق احتمال ناش من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): لا غيبة لفاسق، و رد بمنع أصل الحديث أو بحمله على فاسق خاص، أو بحمله على النهي و إن كان بصورة الخبر، و هذا هو الأجود إلا أن يتعلق بذلك غرض ديني و مقصد صحيح يعود على المغتاب، بأن يرجو ارتداعه عن معصيته بذلك فيلحق بباب النهي عن المنكر. السابع: أن يكون الإنسان معروفا باسم يعرب عن غيبته كالأعرج و الأعمش فلا إثم على من يقول ذلك كان يقول: روى أبو الزناد الأعرج، و سليمان الأعمش و ما يجري مجراه، فقد نقل العلماء ذلك لضرورة التعريف و لأنه صار بحيث لا يكره صاحبه لو علمه بعد أن صار مشهورا به، و الحق أن ما ذكره العلماء المعتمدون من ذلك يجوز التعويل فيه على حكايتهم، و أما ما ذكره عن الإحياء فمشروط بعلم رضا المنسوب إليه لعموم النهي، و حينئذ يخرج عن كونه غيبة، و كيف كان فلو وجد عنه معدلا و أمكنه التعريف بعبارة أخرى فهو أولى، و لذلك يقال: للأعمى البصير عدولا عن اسم النقص. الثامن: لو اطلع العدد …
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْغِيبَةِ وَ الْبَهْتِ