الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

الذين يثبت لهم الحد أو التعزير على فاحشة جاز ذكرها عند الحكام بصورة الشهادة في حضرة الفاعل أو غيبته، و لا يجوز التعرض لها في غير ذلك إلا أن يتجه فيه أحد الوجوه الأخرى. التاسع: قيل إذا علم اثنان من رجل معصية شاهداها فأجرى أحدهما ذكرها في غيبة ذلك العاصي، جاز لأنه لا يؤثر عند السامع شيئا و إن كان الأولى تنزيه النفس و اللسان عن ذلك لغير غرض من الأغراض المذكورة خصوصا مع احتمال نسيان المقول له لذلك المعصية، أو خوف اشتهارها عنهما. العاشر: إذا سمع أحد مغتابا لآخر و هو لا يعلم استحقاق المقول عنه للغيبة و لا عدمه، قيل لا يجب نهي القائل لإمكان استحقاق المقول عنه فيحمل فعل القائل على الصحة ما لم يعلم فساده، لأن ردعه يستلزم انتهاك حرمته، و هو أحد المحرمين و الأولى التنبيه على ذلك إلى أن يتحقق المخرج منه لعموم الأدلة و ترك الاستفصال فيها و هو دليل إرادة العموم حذرا من الإغراء بالجهل، و لأن ذلك لو تم لتمشي فيمن يعلم عدم استحقاق المقول عنه بالنسبة إلى السامع، لاحتمال اطلاع القائل على ما يوجب تسويغ مقاله، و هو هدم قاعدة النهي عن الغيبة، و هذا الفرد يستثنى من جهة سماع الغيبة، و قد تقدم أنه إحدى الغيبتين. و بالجملة فالتحرز عنها من دون وجه راجح في فعلها فضلا عن الإباحة أولى لتتسم النفس بالأخلاق الفاضلة، و يؤيد إطلاق النهي فيما تقدم لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): أ تدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله و رسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، و أما مع رجحانها كرد المبتدعة و زجر الفسقة و التنفير عنهم و التحذير من اتباعهم، فذلك يوصف بالوجوب مع إمكانه، فضلا عن غيره، و المعتمد في ذلك كله على المقاصد، فلا يغفل المتيقظ عن ملاحظة مقصده و إصلاحه، و الله الموفق، انتهى ملخص كلامه نور الله ضريحه. و قال ولده السعيد السديد الفاضل المحقق المدقق الشيخ حسن نور الله ضريحه في أجوبة المسائل التي سأله عنها بعض السادة الكرام حيث قال: قد نظرت في مسائلك أيها المولى الجليل الفاضل، و السيد السعيد الماجد، و أجبت التماسك لتحرير أجوبتها على حسب ما اتسع له المجال و أرجو إنشاء الله أن يكون مطابقا لمقتضى الحال، و ذكرت أيدك الله بعنايته و وفقنا الله و إياك لطاعته أن تحريم الغيبة و نحوها من النميمة و سوء الظن هل يختص بالمؤمن أو يعم كل مسلم؟ و أشرت إلى الاختلاف الذي يوهمه ظاهر كلام الوالد (قدس سره) حيث قال في ديباجة رسالته: و نظرائهم من المسلمين، فإنه يعطى العموم، و صرح في الروضة بتخصيص الحكم بالمسلم؟ الجواب: لا ريب في اختصاص تحريم الغيبة بمن يعتقد الحق، فإن أدلة الحكم غير متناولة لأهل الضلال، أما الآية فلأنها خطاب مشافهة للمؤمنين بالنهي عن غيبة بعضهم بعضا مع التصريح في التعليل الواقع فيها بتحقق الأخوة في الدين بين المغتاب و من يغتابه، و أما الأخبار المروية في هذا الباب من طريق أهل البيت فالحكم فيها منوط بالمؤمن أو بالأخ، و المراد أخوة الإيمان، فظاهر عدم تناول اللفظين لمن لا يعتقد الحق، و في بعض الأخبار أيضا تصريح بالإذن في سب أهل الضلال و الوقيعة فيهم. فروى الشيخ أبو جعفر الكليني رضي الله عنه في الصحيح عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبهم و القول فيهم و الوقيعة، و باهتوهم كيلا يطغوا في الفساد في الإسلام، و يحذرهم الناس و لا يتعلمون من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات، و يرفع لكم به الدرجات في الآخرة. و ما تضمنته عبارة الوالد في ديباجة الرسالة غير مناف لما في الروضة، فإن كلمة من في قوله: من المسلمين، للتبعيض لا للتبيين، و غير المؤمن ليس من نظرائه. و ينبغي أن يعلم أن ظاهر جملة من أخبارنا أن المراد بالإيمان في كلام أئمتنا (عليهم السلام) معنى زائد على مجرد اعتقاد الحق و ذلك يقتضي عدم عموم تحريم معتقد الحق أيضا، فروى الكليني في الصحيح عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنما المؤمن الذي إذا رضي لم يدخل رضاه في إثم و لا باطل، و إذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق، و الذي إذا قدر لم تخرجه قدرته إلى التعدي إلى ما ليس له بحق. و في الحسن عن ابن رئاب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنا لا نعد الرجل مؤمنا حتى يكون لجميع أمرنا متبعا مريدا، ألا و إن من اتباع أمرنا الورع فتزينوا به يرحمكم الله، و كيدوا أعداءنا ينعشكم الله. و في الصحيح عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: يا سليمان أ تدري من المسلم؟ قلت: جعلت فداك أنت أعلم، قال: من سلم المسلمون من لسانه و يده، ثم قال: أو تدري من المؤمن؟ قلت: أنت أعلم، قال: المؤمن من ائتمنه المؤمنون على أنفسهم و أموالهم. و عن ابن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أقر بدين الله فهو مسلم، و من عمل بما أمر الله فهو مؤمن. ثم ذكر بعض الأخبار التي مضت في معنى الإيمان و صفات المؤمن، ثم قال (قدس سره): و ورد أيضا في عدة أخبار تعليق تحريم الغيبة على أمور زائدة على مجرد اعتقاد الحق، منها: حديث ابن أبي يعفور المتضمن لبيان معنى العدالة التي تقبل معها شهادة الشاهد، و هو طويل مذكور في مواضع كثيرة من كتب أصحابنا. و منها: ما رواه الكليني بإسناده السابق عن ابن خالد عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من عامل الناس فلم يظلمهم و حدثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم، كان ممن حرمت غيبته و كملت مروته، و ظهر عدله، و وجبت إخوته. و بملاحظة هذه الأخبار يظهر أن المنع من غيبة الناس كما يميل إليه كلام الشهيد الأول في قواعده، و الثاني في رسالته ليس بمتجه فإن دلالتها على اختصاص الحكم بغيره أظهر من أن يبين. و أما ما أورده الوالد (قدس سره) في رسالته من الأخبار التي يظهر منها عموم المنع كلها من أخبار العامة فلا تصلح لإثبات حكم شرعي، و عذره في إيرادها أنه إنما ذكرها في سياق الترهيب و شأنهم التسامح في مثله، و قد سبقه إلى ذكره على النهج الذي سلكه بعض العامة يعني الغزالي، فسهل عليه إيرادها و إلا فهي غير مستحقة لتعب تحصيلها و جمعها، و خصوصا مع وجود الداعي لهم إلى اختلاف مثلها فإن كثرة عيوب أئمتهم و نقائص رؤسائهم يحوج إلى سد باب إظهارها بكل وجه ليروج حالهم و يأمنوا نفرة الرعية منهم، و أعراض الناس عنهم. و بالجملة فكما أن في التعرض لإظهار عيوب الناس خطرا و محذورا فكذا في حسم مادته و سد بابه، فإنه مغر لأهل النقائص و مرتكبي المعاصي بما هم عليه، فلا بد من تخصيص الغيبة بمواضع معينة يساعدها الاعتبار و توافق مدلول الأخبار و في استثنائهم للأمور المشهورة التي نصوا على جوازها و هي بصورة الغيبة، شهادة واضحة بما قلناه، فإن مأخذه الاعتبار، فهو قابل للزيادة و النقصان بحسب اختلاف الأفكار. و للسيد الإمام السعيد ضياء الدين بن أبي الرضا فضل الله بن علي الحسني في شرحه لكتاب الشهاب المتضمن للأخبار المروية عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في الحكم و الآداب كلام جيد في تفسير قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): ليس لفاسق غيبة، كلام يساعد على ما ذكرناه، حيث قال: إن الغيبة ذكر الغائب بما فيه من غير حاجة إلى ذكره، ثم قال: فأما إذا كان من يغتاب فاسقا فإنه ليس ما يذكر به غيبة، و إنما يسمى ما يذكر به في غيبته غيبة إذا كان تائبا نادما، فأما إذا كان مصرا عليه فإنها ليست بغيبة كيف و هو يرتكب ما يغتاب فيه جهارا. و في أخبارنا و كلام بعض أهل اللغة ما يشهد له كقول الجوهري: خلف إنسان مستور، و كما في رواية الأزرق مما لا يعرفه الناس، و رواية ابن سيابة: ما ستر الله عليه. و الحاصل أن الاعتبار يقتضي اختصاص الحكم بالمستور الذي لا يترتب على معصيته أثر في غيره، و يحتمل حالهم عدم الإصرار عليها إن كانت صغيرة، و التوبة منها إن كانت كبيرة، أو يرتجى له ذلك قبل ظهورها عنه و اشتهاره بها، و لا يكون في ذكرها صلاح له كما إذا قصد تقريعه و ظن انزجاره، و كان القصد خالصا من الشوائب و الأدلة لا تنافي هذا فلا وجه للتوقف فيه، و إذا علم حكم غير المؤمن في الغيبة فالحال في نحوها من النميمة و سوء الظن أظهر، فإن محذور النميمة هو كونها مظنة للتباعد و التباغض، و ذلك في غير المؤمن تحصيل للحاصل، و قريب منه الكلام في سوء الظن. ثم ذكرت أنه هل يفرق في ذلك بين ما يتضمن القذف و ما لا يتضمنه؟ و الجواب أن القذف مستثنى من البين، و له أحكام خاصة مقررة في محلها من كتب الفقه. و ذكرت أن الرواية التي حكاها الوالد في الرسالة من كلام عيسى (عليه السلام) مع الحواريين في شأن جيفة الكلب، حيث قالوا: ما أنتن جيفة هذا الكلب؟ فقال (عليه السلام): ما أشد بياض أسنانه، تدل على تحريم غيبة الحيوانات أيضا، و سألت عن وجه الفرق بينها و بين الجمادات؟ مع أن تعليل الحكم بأنه لا ينبغي أن يذكر من خلق الله إلا الحسن يقتضي عدم الفرق؟ و الجواب أنه ليس المقتضي لكلام عيسى (عليه السلام) كون كلام الحواريين غيبة، بل الوجه أن نتن الجيفة و نحوها مما لا يلائم الطباع غير مستند إلى فعل من يحسن إنكار فعله، و كلام الحواريين ظاهر في الإنكار كما لا يخفى، فكان عيسى (عليه السلام) نظر إلى أن الأمور الملائمة و غيرها مما هو من هذا القبيل كلها من فعل الله تعالى على مقتضى حكمته و قد أمر بالشكر على الأولى و الصبر على الثانية. و في إظهار الحواريين لإنكار نتن الرائحة دلالة على عدم الصبر أو الغفلة عن حقيقة الأمر، فصرفهم عنه إلى أمر يلائم طباعهم و هو شدة بياض أسنان الكلب و جعله مقابلا للأمر الذي لا يلائم، و شاغلا لهم، و هذا معنى لطيف تبين لي من الكلام، فإن صحت الرواية فهي منزلة عليه، و لكنها من جملة الروايات المحكية من كتب العامة، انتهى. و قال الشهيد رفع الله درجته في قواعده: الغيبة محرمة بنص الكتاب العزيز و الأخبار، و هي قسمان: ظاهر و هو معلوم، و خفي و هو كثير كما في التعريض مثل أنا لا أحضر مجلس الحكام، أنا لا آكل أموال الأيتام أو فلان، و يشير بذلك إلى من يفعل ذلك، أو الحمد لله الذي نزهنا من كذا، يأتي به في معرض الشكر، و من الخفي الإيماء و الإشارة إلى نقص في الغير و إن كان حاضرا، و منه و لو فعل كذا كان خيرا، و لو لم يفعل كذا لكان حسنا، و منه التنقص بمستحق الغيبة لينبه به على عيوب آخر غير مستحق للغيبة. أما ما يخطر في النفس من نقائص الغير فلا يعد غيبة، لأن الله تعالى عفا عن حديث النفس. و من الأخفى أن يذم نفسه بطرائق غير محمودة فيه، أو ليس متصفا بها لينبه على عورات غيره، و قد جوزت صورة الغيبة في مواضع سبعة: الأول: أن يكون المقول فيه مستحقا لذلك لتظاهره بسببه كالكافر و الفاسق و أوجب التعزير بقذفه بذلك الفسق، و قد روى الأصحاب تجويز ذلك، قال العامة: حديث لا غيبة لفاسق أو في فاسق لا أصل له، قلت: و لو صح أمكن حمله على النهي أي خبر يراد به النهي، أما من يتفكه بالفسق و يتبجج به في شعره أو كلامه فيجوز حكاية كلامه. الثاني: شكاية المتظلم بصورة ظلمه. الثالث: النصيحة للمستشير. الرابع: الجرح و التعديل للشاهد و الراوي. الخامس: ذكر المبتدعة و تصانيفهم الفاسدة و آرائهم المضلة و ليقتصر على ذلك

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْغِيبَةِ وَ الْبَهْتِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.