عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)فِي كَلَامٍ لَهُ ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مَا يَغْلِبُكَ مِنْهُ وَ لَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً وَ أَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي حُرُمٰاتِ اللّٰهِ" أي ما وجب القيام به و حرم التفريط فيه. " بمثل ما عامل به الناس" أي المخالفين أو الأعم منهم و من فساق الشيعة، و ممن لا صداقة و أخوة بينهما" و التسوية في المعاملة" بأن يربح عليهما على حد سواء، و لا يخص أخاه بالرعاية و المسامحة و ترك الربح أو تقليله، و شدة النصيحة و حفظ حرمته في الحضور و الغيبة و المواساة معه، و أمثال ذلك مما هو مقتضى الأخوة كما فصل في الأخبار الكثيرة. " فهو بريء ممن ينتحل" أي من يجعل هو أو أخوه ولايتهم نحلة و مذهبا و هم الرب سبحانه و رسوله و الأئمة (عليهم السلام)، و الظاهر أن المستتر في ينتحل راجع إلى العامل لا إلى الأخ تعريضا بأنه خارج من الدين فإن الانتحال ادعاء ما ليس له و لم يتصف به، في القاموس: انتحله و تنحله ادعاه لنفسه و هو لغيره، و في أكثر النسخ مما ينتحل و هو أظهر، فالمراد بما ينتحل التشيع أو الأخوة. الحديث الثالث: مرسل. " ضع أمر أخيك" أي احمل ما صدر من أخيك من قول أو فعل على أحسن محتملاته و إن كان مرجوحا من غير تجسس حتى يأتيك منه أمر لا يمكنك تأويله فإن الظن قد يخطئ و التجسس منهي عنه كما قال تعالى:" إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ" و قال:" وَ لٰا تَجَسَّسُوا". و قوله: و ما يغلبك، في بعض النسخ بالغين فقوله منه متعلق بيأتيك، أي حتى يأتيك من قبله ما يعجزك و لم يمكنك التأويل، و في بعض النسخ بالقاف من باب الْخَيْرِ مَحْمِلًا ضرب كالسابق، أو من باب الأفعال فالظرف متعلق بيقلبك و الضمير للأحسن، و قوله (عليه السلام): و لا تظنن، تأكيد لبعض أفراد الكلام أو السابق محمول على الفعل. و هذه الجملة مروية في نهج البلاغة و فيه: من أحد، و محتملا، و الحاصل أنه إذا صدرت منه كلمة ذات وجهين وجب عليك أن تحملها على الوجه الخير و إن كان معنى مجازيا بدون قرينة أو كناية أو تورية أو نحوها، لا سيما إذا ادعاه القائل و من هذا القبيل ما سماه علماء العربية أسلوب الحكيم، كما قال الحجاج للقبعثري متوعدا له بالقيد: لأحملنك على الأدهم! فقال القبعثرى: مثل الأمير يحمل على الأشهب و الأدهم فأبرز وعيده في معرض الوعد، ثم قال الحجاج للتصريح بمقصوده أنه حديد، فقال القبعثرى: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا. و قال الشهيد الثاني روح الله روحه و غيره ممن سبقه: اعلم أنه كما يحرم على الإنسان سوء القول في المؤمن و أن يحدث غيره بلسانه بمساوئ الغير، كذلك يحرم عليه سوء الظن و أن يحدث نفسه بذلك، و المراد من سوء الظن المحرم عقد القلب و حكمه عليه بالسوء من غير يقين، فأما الخواطر و حديث النفس فهو معفو عنه كما أن الشك أيضا معفو عنه، قال الله تعالى:" اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ" فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل، و ما لم تعلمه ثم وقع في قلبك فالشيطان يلقيه، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق، و قد قال الله تعالى:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ" فلا يجوز تصديق إبليس، و من هنا جاء في الشرع أن من علمت في فيه رائحة الخمر لا يجوز أن تحكم عليه بشربها و لا يحده عليه لإمكان أن يكون تمضمض به و مجه، أو حمل عليه قهرا و ذلك أمر ممكن، فلا يجوز إساءة الظن بالمسلم، و قد قال (صلى الله عليه و آله و سلم): إن الله تعالى حرم من المسلم دمه و ماله و أن يظن به ظن السوء، فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به الدم أو المال، و هو بعين مشاهدة أو ببينة عادلة، فأما إذا لم يكن ذلك و خطر ذلك سوء الظن فينبغي أن تدفعه عن نفسك و تقرر عليها أن حاله عندك مستور كما كان، فإن ما رأيته فيه يحتمل الخير و الشر. فإن قلت: فبما ذا يعرف عقد سوء الظن و الشكوك تختلج و النفس تحدث؟ فأقول: أمارة عقد سوء الظن أن تتغير القلب معه عما كان فينفر عنه نفورا لم يعهده و يستثقله و يفتر عن مراعاته و تفقده و إكرامه و الاهتمام بسببه، فهذه أمارات عقد الظن و تحقيقه، و قد قال (عليه السلام): ثلاث في المؤمن لا يستحسن و له منهن مخرج فمخرجه من سوء الظن أن لا يحققه أي لا يحقق في نفسه بعقد و لا فعل لا في القلب و لا في الجوارح، أما في القلب فبتغيره إلى النفرة و الكراهة، و في الجوارح بالعمل بموجبه و الشيطان قد يقرر على القلب بأدنى مخيلة مساءة الناس، و يلقى إليه أن هذا من فطنتك و سرعة تنبهك و ذكائك، و أن المؤمن ينظر بنور الله و هو على التحقيق ناظر بغرور الشيطان و ظلمته. فأما إذا أخبرك به عدل فمال ظنك إلى تصديقه كنت معذورا لأنك لو كذبته لكنت جافيا على هذا العدل إذ ظننت به الكذب، و ذلك أيضا من سوء الظن، فلا ينبغي أن تحسن الظن بالواحد و تسيء بالآخر، نعم ينبغي أن تبحث هل بينهما عداوة و محاسدة و مقت فيتطرق التهمة بسببه؟ و قد رد الشرع شهادة العدو على عدوه للتهمة، فلك عند ذلك أن تتوقف في إخباره و إن كان عدلا و لا تصدقه و لا تكذبه و لكن تقول المستور حاله كان في ستر الله عني، و كان أمره محجوبا و قد بقي كما كان لم ينكشف لي شيء من أمره. و قد يكون الرجل ظاهر العدالة و لا محاسدة بينه و بين المذكور، و لكن يكون من عادته التعرض للناس و ذكر مساويهم، فهذا قد يظن أنه عدل و ليس بعدل، فإن المغتاب فاسق و إذا كان ذلك من عادته ردت شهادته إلا أن الناس لكثرة الاعتياد تساهلوا في أمر الغيبة و لم يكترثوا بتناول أعراض الخلق، و مهما خطر ذلك خاطر سوء على مسلم فينبغي أن تزيد في مراعاته و تدعو له بالخير، فإن ذلك يغيظ الشيطان و يدفعه عنك، فلا يلقى إليك الخاطر السوء خيفة من اشتغالك بالدعاء و المراعاة. و مهما عرفت هفوة مسلم بحجة فانصحه في السر و لا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه، و إذا وعظته فلا تعظه و أنت مسرور باطلاعك على نقصه لينظر إليك بعين التعظيم و تنظر إليه بعين الاستصغار، و ترتفع عليه بدلالة الوعظ و ليكن قصدك تخليصه من الإثم و أنت حزين كما تحزن على نفسك إذا دخل عليك نقصان، و ينبغي أن يكون تركه ذلك من غير نصيحتك أحب إليك من تركه بالنصيحة، و إذا أنت فعلت ذلك لكنت جمعت بين أجر الواعظ و أجر الغم بمصيبته و أجر الإعانة له على دينه. و من ثمرات سوء الظن التجسس فإن القلب لا يقنع بالظن و بطلب التحقيق فيشتغل بالتجسس و هو أيضا منهي عنه، قال الله:" وَ لٰا تَجَسَّسُوا" فالغيبة و سوء الظن و التجسس منهي عنها في آية واحدة، و معنى التجسس أنه لا تترك عباد الله تحت ستر الله فتتوصل إلى الاطلاع و هتك الستر حتى ينكشف لك ما لو كان مستورا عنك لكان أسلم لقلبك و دينك، انتهى.
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ التُّهَمَةِ وَ سُوءِ الظَّنِّ