عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ شُعَيْبٍ الْعَقَرْقُوفِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)مَنْ كٰانَ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَفِ إِذَا وَعَدَ بعض ما تقدم من قول المفسرين، و يحتمل أيضا الوجهين السابقين بأن يكون الذم على عدم الفعل أو على القول مع عدم إرادة الفعل، و يؤيده ما ذكر علي بن إبراهيم (ره) حيث قال: مخاطبة لأصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الذين وعدوه أن ينصروه و لا يخالفوا أمره، و لا ينقضوا عهده في أمير المؤمنين (عليه السلام)، فعلم الله أنهم لا يفون بما يقولون، فقال:" لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ" الآية، فقد سماهم الله مؤمنين بإقرارهم و إن لم يصدقوا. الثالث: أن يكون المراد أعم من عهود الله و عهود الخلق فلا ينافي هذا الخبر، و به يجمع بين الأخبار، و خصوص أخبار النزول لا ينافي عموم الحكم. الرابع: أن يكون المعنى لم تقولون للناس و تأمرونهم بما لا تعملون به فيكون نظير قوله سبحانه:" أَ تَأْمُرُونَ النّٰاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ" و هذا المعنى ليس ببعيد من الآية، و إن لم يذكره المفسرون و هو أيضا يرجع إلى ذم عدم الفعل لا القول، فإن بذل العلم واجب و العمل به أيضا واجب، فمن تركهما ترك واجبين، و من أتى بأحدهما فقد فعل واجبا، لكن ترك العمل مع القول أقبح و أشنع و قد مر بعض القول فيه. الحديث الثاني: حسن كالصحيح. " من كان يؤمن بالله" يحتمل أن يكون على وفق سائر الأوامر و النواهي المتوجهة إلى المؤمنين لكونهم المنتفعين بها، و يمكن أن يكون إشارة إلى أن ذلك مقتضى الإيمان و من لوازمه، فمن لم يفعل ذلك فليس بمؤمن، و قيل: أن إدخال كان على المضارع لإفادة استمراره في الماضي، فيدل على أن خلف الوعد يوجب إبطال الإيمان و كماله فيما سبق. ثم اعلم أن هذين الحديثين مع قوة سندهما يدلان على وجوب الوفاء بالوعد، و الخبر الأول فيه تهديد شديد، و يدل على نزول الآية في خلف الوعد و هي مشتملة على تأكيدات و مبالغات، فالآية بتوسط الخبر المعتبر تدل أيضا على وجوب الوفاء به. فإن قيل: الآية لما كانت محتملة لوجوه شتى فالاستدلال بالآية مع قطع النظر عن الخبر مشكل لا سيما و قد ورد في الأخبار الخاصية و العامية أنها في المنافقين و المخالفين، فالاستدلال إنما هو بالخبر؟ قلت: لا يبعد ادعاء ظهور الآية بإطلاقها أو بعمومها لا سيما مع كون" ما" موصوفة فيما يشمل خلف الوعد أيضا، و قد عرفت أن خصوص سبب النزول لا يصير سببا لخصوص الحكم، فظهر أنه يمكن الاستدلال بالآية مع قطع النظر عن الخبر أيضا، و ظاهر أكثر أصحابنا استحباب الوفاء به إن لم يكن في ضمن عقد لازم، و يدل على الوجوب أيضا ما مر في كثير من الأخبار أنه من صفات الإيمان، و إن خلفه من صفات النفاق. و قد مر في باب أصول الكفر أنه سئل الصادق (عليه السلام): رجل على هذا الأمر إن حدث كذب و إن وعد أخلف و إن ائتمن خان ما منزلته؟ قال: هي أدنى المنازل من الكفر و ليس بكافر، و في الباب المذكور عنه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ثلاث من كن فيه كان منافقا و إن صام و صلى و زعم أنه مسلم، من إذا ائتمن خان، و إذا حدث كذب، و إذا وعد أخلف، و قد روي أيضا في الموثق و غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من عامل الناس فلم يظلمهم و حدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، كان ممن حرمت غيبته و كملت مروته، و ظهر عدله و وجبت إخوته. فيدل على أن من أخلف الوعد تجوز غيبته، و معلوم أنه ليس تجويز الغيبة هنا إلا من جهة الفسق. فإن قيل: المترتب على هذه الصفات أربعة أمور مفهومه أن مع عدم كل من تلك الخصال لا تجتمع تلك الأربعة، فلعل ذلك بانتفاء أمر آخر سوى حرمة الغيبة. قلت: الظاهر من العطف استقلال كل في الحكم، كما إذا قلت جاء زيد و عمرو، كان بمنزلة قولك جاء زيد و جاء عمرو، و كون الواو بمعنى مع نادر. ثم اعلم أنه لا بد من تقييد الخبر بما إذا لم يرتكب سائر الكبائر، بل المقصود في الخبر إفادة المفهوم لا المنطوق فافهم، و الأخبار في ذلك كثيرة و يستفاد من عموم كثير من الآيات أيضا ذلك نحو قوله سبحانه:" وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كٰانَ مَسْؤُلًا" و يشمل بعمومه أو إطلاقه عهود الخلق أيضا، و العهد و الوعد متقاربان، و قوله:" وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُوا". و روى الصدوق في الخصال بإسناده عن عنبسة بن مصعب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ثلاثة لم يجعل الله تعالى لأحد فيه رخصة: بر الوالدين برين كانا أو فاجرين، و الوفاء بالعهد للبر و الفاجر، و أداء الأمانة للبر و الفاجر. و يؤيدها أيضا أخبار كثيرة كما روى الكليني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا قال الرجل للرجل هلم أحسن بيعك يحرم عليه الربح، و قد ورد في أخبار صحيحة و غير صحيحة: المسلمون عند شروطهم إلا ما خالف كتاب الله، و ليس فيها التقييد بكونها في ضمن العقد، و كذا ما روى الشيخ في التهذيب بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أن عليا (عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف به، فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا، أو أحل حراما. و قد يستدل على الجواز بما رواه الكليني (ره) بإسناده عن الحسين بن المنذر قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يجيئني الرجل فيطلب العينة فأشتري له المتاع مرابحة ثم أبيعه إياه ثم أشتريه منه مكاني؟ قال: إذا كان بالخيار إن شاء باع و إن شاء لم يبع، و كنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت و إن شئت لم تشتر فلا بأس. و بإسناده عن خالد بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يجيء فيقول: اشتر هذا الثوب و أربحك كذا و كذا، قال: أ ليس إن شاء ترك و إن شاء أخذ؟ قلت: بلى قال: لا بأس به، إنما يحل الكلام و يحرم الكلام. و بإسناده أيضا عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يجيئني الرجل فيطلب مني بيع الحرير و ليس عندي منه شيء فيقاولني عليه و أقاوله في الربح و الأجل حتى نجتمع على شيء، ثم أذهب فأشتري له الحرير فأدعوه إليه؟ فقال: أ رأيت إن وجد بيعا هو أحب إليه مما عندك أ يستطيع أن ينصرف إليه و يدعك أو وجدت أنت ذلك أ تستطيع أن تنصرف إليه و تدعه؟ قلت: نعم قال: لا بأس. و روي مثله باختلاف يسير بأسانيد كثيرة. و وجه الاستدلال بها أنها تدل على أن محض المواعدة بينهما لا يوجب الوفاء من الجانبين ما لم يكن بيعه وكالة عنه. و الجواب أنه يحتمل أن يكون المعنى أنها ليست مواعدة حتمية بل يقول اشتر لنفسك إن شئت اشتريته منك و إلا فلا، لكنه بعيد. و أقول: يمكن أن يستدل بما ورد في الأيمان و النذور من أنه مع عدم التلفظ. بالصيغة بشرائطها لا يلزمه الوفاء بها، و ظاهره شمولها لما إذا وقعت المواعدة بينهما و يمكن أن يستدل عليه بما رواه الكليني (ره) عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن مرار عن يونس في المدبر و المدبرة يباعان يبيعهما صاحبهما في حياته فإذا مات فقد عتقا، لأن التدبير عدة و ليس بشيء واجب، فإذا مات كان المدبر من ثلثه الذي يتركه، و فرجها حلال لمولاها الذي دبرها، و للمشتري الذي اشتراها حلال بشرائه قبل موته، فإن الظاهر أنه فرع كون عدم الوجوب على كونه عدة فيدل على أنه لا يجب الوفاء بها. و يرد عليه وجوه من الإيراد: الأول: إن الخبر مجهول بابن مرار فلا يمكن إثبات نفي الوجوب به. الثاني: أنه موقوف لم يسنده إلى إمام و يشبه أن يكون من اجتهادات يونس و تلفيقاته كما هو دأبه في أكثر المواضع، و لذا كان المحدثون يقدحون فيه مع جلالته بالاجتهاد و الرأي، و تشويش الكلام يدل عليه أيضا. الثالث: إن ما تضمنه من حكم التدبير خلاف المشهور بين الأصحاب لا سيما المتأخرين. الرابع: أن قوله: عدة معلوم أنه ليس بمحمول على الحقيقة، بل هو على التشبيه و المجاز، فإن التدبير إما عتق بشرط أو وصية بالعتق باتفاق الخاصة و العامة و ليس شيء منهما وعدا، بل الوعد ما يعده الرجل أن يفعله بنفسه، فيمكن أن يكون التشبيه من جهة أنه لا يترتب عليه حكمه الآن، بل يتوقف على حلول الأجل. الخامس: سلمنا أن الحمل على الحقيقة لا نسلم كون عدم الوجوب تفريعا بل يمكن أن يكون تقييدا له. السادس: أنه لو سلمنا أنه تفريع فالتفريع من جهة أنه لا يترتب عليه حكم العتق قبل الأجل و إلا لكان الكلام متناقضا، و نحن لا نقول في الوعد أنه يجب الوفاء به قبل محله بل نرجع و نستدل به على وجوب الوفاء بالوعد لأنه فرع وجوب التدبير و لزومه بعد الموت، على كونه عدة فالوفاء بالوعد بعد حلول الأجل واجب، فظهر أن مفاد كلامه أن التدبير ليس عتقا منجزا لا يمكن التصرف في المدبر، قبل حلول الأجل الذي هو الموت، بل هو عدة أي معلق على شرط و ليس بشيء واجب أي لازم منجز يترتب عليه حكمه عند إيقاعه، بل يتوقف على حصول شرطه فلا دلالة له على عدم وجوب الوفاء بالوعد، بل دلالته على الوجوب أقرب، و بقي في زوايا المقام خبايا أحلناها على فهم المتأمل. و قد يستدل على عدم الجواز بأنه كذب و هو قبيح و حرام، و عندي فيه نظر لا لما قيل أن الكذب لا يكون إلا في الماضي أو الحال و لا يكون في المستقبل، فإنه سخيف فإن المنكر للمعاد لا ريب أنه كاذب، و المنجم إذا أخبر بوقوع أمر في المستقبل و لم يقع يقال: أنه كاذب، و يصدق عليه تعريف الكذب، بل لأن الوعد ليس من هذا القبيل بل هو معاملة تجري بين المتواعدين، فإن المولى إذا قال لعبده إذا فعلت الفعل الفلاني أعطيتك درهما و إذا فعلت الفعل الفلاني ضربتك سوطا ليس المراد به الإخبار من وقوع أحد الأمرين بل هو إلزام أمر عليه أو على نفسه، و إن علم أنه لا يوقعه كالبيع و الشراء و البيعة، فإنها إنشاء أمر يوجب عليه متابعة من بايعه لا محض الإخبار عن ذلك، فإنا نجد الفرق بين أن يعد زيد عمروا أن يعطيه درهما أو بأن يخبر بأن سيعطيه درهما لكن ليس من إنشاء إلا و يلزمه خبر يجري فيه الصدق و الكذب، فما ورد من نسبة الصدق إلى الوعد من هذا القبيل، كقوله تعالى:" إِنَّهُ كٰانَ صٰادِقَ الْوَعْدِ" فإذا خالف الوعد فليس هذا من الكذب المصطلح في شيء، نعم إذا وعده و كان عازما على عدم الوفاء كان كذبه في لازم الإنشاء، فإن الوعد يدل ضمنا على أنه عازم على عدم الوفاء كان كذبه في لازم الإنشاء، فإن الوعد يدل ضمنا على أن عازم على الوفاء، كما أن أضرب يدل على أنه يريد إيقاع الضرب و ليس مدلول الوعد الإخبار عن أنه عازم على أن يفعل ذلك، و حرمة هذا الكذب الضمني في محل المنع، و كذا شمول الآيات و الأخبار الدالة على حرمة الكذب له ممنوع. و لو سلم فلا يدل على حرمة الخلف مطلقا قال الراغب: الصدق و الكذب أصلهما في القول ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا كان أو غيره، و لا يكونان بالقصد الأول إلا في القول، و لا يكون من القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام، و لذلك قال:" وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّٰهِ قِيلًا"" وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّٰهِ حَدِيثاً"" وَ اذْكُرْ فِي الْكِتٰابِ إِسْمٰاعِيلَ إِنَّهُ كٰانَ صٰادِقَ الْوَعْدِ" و قد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام الاستفهام و الأمر و الدعاء و ذلك، نحو قول القائل: أ زيد في الدار؟ فإن في ضمنه أخبارا بكونه جاهلا بحال زيد، و كذا إذا قال. واسني، في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة، و إذا قال: لا تؤذني ففي ضمنه أنه يؤذيه، و قد يستعمل الصدق و الكذب في كل ما يحق و يحصل في الاعتقاد، نحو صدق ظني و كذب، و يستعملان في أعمال الجوارح فيقال: صدق في القتال إذا و في حقه، و فعل على ما يجب و كما يجب، و كذب في القتال إذا كان على خلاف ذلك، قال الله تعالى:" رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اللّٰهَ عَلَيْهِ" أي حققوا العهد بما أظهروه من أفعالهم، انتهى. فقد تبين أن للصدق و الكذب معاني غير المعنى المصطلح، فنسبة الصدق و الكذب إلى الوعد محمول على بعض تلك المعاني المجازية، فظهر أن حسن الوفاء بالوعد أو وجوبه ليس من جهة أن مخالفته تستلزم الكذب حتى يقال: أن ذلك يجري في الوعيد أيضا، و يجاب بأن الكذب في المصلحة حسن، بل من جهة أن العقل يحكم بحسن الوفاء بالعهد أو بقبح خلفه، و يحكم في الوعيد بخلاف ذلك، و كذلك الكلام في وعده سبحانه و وعيده، لكن مخالفة الوعد فيه تعالى محال لأخباره بأنه لا يخلف الميعاد، بخلاف الوعيد فإنه لم يقل أنه لا يخلف الوعيد بل وعد عباده بالعفو و الصفح و المغفرة، و ليس ذلك من الكذب في شيء، هذا ما تبين لي في هذا المقام لكن ظاهر المحققين من أصحابنا و المخالفين أن الوعد من نوع الخبر و هو محتمل للصدق و الكذب و كذا الوعيد، مع أن ظاهر أكثر أصحابنا أن الوفاء بالوعد مستحب كما قالوا في كثير من الشروط إذا لم يكن في ضمن العقد اللازم هو وعد يستحب الوفاء به، و لنذكر بعض كلماتهم: قال السيد الشريف في حاشية شرح التخليص: الخبر إذا قيد حكمه بزمان أو قيد آخر كان صدقه بتحقق حكمه في ذلك الزمان أو مع ذلك القيد، و كذبه بعدمه فيه أو معه، و إذا لم يقيد فصدقه بتحققه في الجملة، و كذبه بمقابله، فإذا قلت أضرب زيدا و أردت الاستقبال فإن تحقق ضربك إياه في وقت من الأوقات المستقبلة كان صادقا و إلا فكاذبا، و كذلك إذا قلت أضربه يوم الجمعة أو قائما فلا بد في صدقه من تحقق ضربك إياه و تحقق ذلك القيد معه، فإن لم يضربه أو ضربه في غير حالة القيام كان كاذبا، و كذلك إذا كان القيد ممتنعا كقولك اضربه في زمان لا يكون ماضيا و لا حالا و لا مستقبلا، فالخبر يكون كاذبا. و بالجملة انتفاء القيد سواء كان ممتنعا أو غير ممتنع يوجب انتفاء المقيد من حيث هو مقيد فيكذب الخبر الذي يدل عليه، و كيف لا و قولك أضربه يوم الجمعة أو قائما مشتمل على وقوع الضرب منك عليه، و على كون ذلك الضرب واقعا يوم الجمعة أو مقارنا للقيام، فلو فرض انتفاء القيام مثلا لم يكن الضرب المقارن له موجودا فينتفى مدلول الخبر، فيكون كاذبا سواء وجد منك ضرب في حال غير القيام أو لم يوجد، انتهى. و هذا لا دلالة فيه على كون الوعد خبرا بل إنما يدل على أنه يمكن تعلق الخبر بالمستقبل و لا ريب فيه، و إن زعم بعضهم اختصاصه بالماضي و الحال كما عرفت و الخبر عن الآتي لا ينحصر في الوعيد و الوعد، بل يمكن أن يكون الغرض فيه محض الإخبار. و إنما أوردت ذلك لئلا يتوهم متوهم أنه يمكن الاستدلال به و إن كان لا حجة في قوله، و لتستعين به على فهم بعض ما سيأتي من الوجوه في بعض الآيات. و قال في شرح المقاصد: تمسك القائلون بجوار العفو عقلا و امتناعه سمعا بالنصوص الواردة في وعيد الفساق و أصحاب الكبائر، فلو تحقق العفو و ترك العقوبة بالنار لزم الخلف في الوعيد و الكذب في الإخبار، و اللازم باطل فكذا الملزوم، و أجيب: بأنهم داخلون في عمومات الوعد بالثواب و دخول الجنة على ما مر، و الخلف في الوعد لؤم لا يليق بالكريم وفاقا، بخلاف الخلف في الوعيد فإنه ربما يعد كرما. ثم ساق الكلام إلى أن قال: نعم لزوم الكذب بإخبار الله تعالى مع الإجماع على بطلانه و لزوم تبديل القول مع النص الدال على انتفائه مشكل، فالجواب الحق أن من تحقق العفو في حقه يكون خارجا عن عموم اللفظ بمنزلة التائبين. فإن قيل: صيغة العموم المعرية عن دليل الخصوص يدل على إرادة كل فرد مما يتناوله التنصيص عليه باسم الخاص، فإخراج البعض بدليل متراخ يكون نسخا و هو لا يجري في الخبر للزوم الكذب، و إنما التخصيص هو الدلالة على أن المخصوص غير داخل في العموم و لا يكون ذلك إلا بدليل متصل؟ قلنا: ممنوع بل إرادة الخصوص من العام و التقييد من المطلق شائع من غير دليل متصل، ثم دليل التخصيص و التقييد بعد ذلك و إن كان متراخيا بيان لا نسخ و هذا هو المذهب عند الفقهاء الشافعية و القدماء من الحنفية، و كانوا ينسبون القول بخلاف ذلك إلى المعتزلة، إلا أن المتأخرين منهم تعدون ذلك نسخا و يخصون التخصيص بما يكون دليله متصلا و يجوزون الخلف في الوعيد، و يقولون الكذب يكون في الماضي دون المستقبل، و هذا ظاهر الفساد فإن الأخبار بالشيء على خلاف ما هو كذب، سواء كان في الماضي أو في المستقبل، قال الله تعالى:" أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نٰافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوٰانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لٰا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً" ثم قال:" وَ اللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكٰاذِبُونَ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لٰا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لٰا يَنْصُرُونَهُمْ" على أن المذهب عندنا أن أخبار الله تعالى أزلي لا يتعلق بالزمان و لا يتغير المخبر به، على ما سبق في بحث الكلام. ثم قال: و للإمام الرازي هنا جواب إلزامي و هو أن صدق كلامه لما كان عندنا أزليا امتنع كذبه، لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، و أما عندكم فإنما امتنع كذبه لكونه قبيحا، و لم قلتم أن هذا الكذب قبيح و قد توقف عليه العفو الذي هو غاية الكرم، و هذا كمن أخبر أنه يقتل زيدا غدا ظلما، ففي الغد إما أن يكون الحسن قتله و هو باطل، و أما ترك قتله و هو الحق لكنه لا يوجد إلا عند وجود الكذب، و ما لا يوجد الحسن إلا عند وجوده حسن قطعا فهذا الكذب حسن قطعا. و يمكن دفعه بأن الكذب في إخبار الله تعالى قبيح و إن تضمن وجوها من المصلحة، و توقف عليه أنواع من الحسن لما فيه من مفاسد لا تحصى، و مطاعن في الإسلام لا تخفى، منها مقال الفلاسفة في المعاد، و مجال الملاحدة في العناد، و منها بطلان ما وقع عليه الإجماع من القطع بوجود الكفار في النار، فإن غاية الأمر شهادة النصوص القاطعة بذلك و إذا جاز الخلف لم يبق القطع إلا عند شرذمة لا يجوزون العفو عنهم في الحكمة، على ما يشعر به قوله تعالى:" أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" و غير ذلك من الآيات. و وجه التفرقة أن المعاصي قلما تخلو عن خوف عقاب و رجاء رحمة و غير ذلك من خيرات تقابل ما ارتكب من المعصية اتباعا للهوى، بخلاف الكافر، و أيضا الكفر مذهب و المذهب يعتقد للأبد و حرمته لا تحتمل الارتفاع أصلا، فكذلك عقوبته بخلاف المعصية فإنها لوقت الهوى و الشهوة، و أما من جوز العفو عقلا و الكذب في الوعيد إما قولا بجواز الكذب المتضمن لفعل الحسن، أو بأنه لا كذب بالنسبة إلى المستقبل، فمع صريح إخبار الله تعالى بأنه لا يعفو عن الكافر، و يخلده في النار، فجواز الخلف و عدم وقوع مضمون هذا الخبر محتمل، و لما كان هذا باطلا علم أن القول بجواز الكذب في إخبار الله تعالى باطل قطعا. و قال المحقق الدواني في شرح العقائد: لا يجب الثواب عليه تعالى في الطاعة و لا العقاب على المعصية خلافا للمعتزلة و الخوارج، فإنهم أوجبوا عقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة على الله تعالى، و حرموا عليه العفو، و استدلوا عليه بأن الله تعالى أوعد مرتكب الكبيرة بالعقاب، فلو لم يعاقب لزم الخلف في وعيده و الكذب في خبره، و هما محالان على الله تعالى. و أجيب عنه: بأن غايته عدم وقوعه و لا يلزم منه الوجوب على الله تعالى، و اعترض عليه الشريف العلامة بأنه حينئذ يلزم جوازهما و هو محال، لأن إمكان المحال محال، و أجاب عنه بأن استحالتهما ممنوعة كيف و هما من الممكنات يشملهما قدرة الله تعالى عليهما. قلت: الكذب نقص و النقص عليه تعالى محال، فلا يكون من الممكنات و لا يشملهما القدرة كسائر وجوه النقص عليه كالجهل و العجز و نفي صفة الكلام و غيرها من صفات الكمال، بل الوجه في الجواب ما أشرنا إليه سابقا من أن الوعد و الوعيد مشروطتان بقيود و شروط معلومة من النصوص فيجوز التخلف بسبب انتفاء بعض تلك الشروط، و أن الغرض منهما إنشاء الترغيب و الترهيب. على أنه بعد التسليم إنما يدل علي أن استحالة وقوع التخلف لا على الوجوب عليه، إذ فرق بين استحالة الوقوع و بين الوجوب عليه كما أن إيجاد المحال محال على الله تعالى، و لا يقال: أنه حرام عليه بل الوجوب و الحرمة و نحوهما فرع القدرة على الواجب و الحرام. و اعلم أن بعض العلماء ذهب إلى أن الخلف في الوعيد جائز على الله تعالى، و ممن صرح به الواحدي في تفسير الوسيط في قوله تعالى في سورة النساء:" وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا" حيث قال: و الأصل في هذا أن الله تعالى يجوز أن يخلف الوعيد و إن كان لا يجوز أن يخلف الوعد و بهذا وردت السنة، ثم ذكر في ذلك أخبارا. ثم قال: و قيل: إن المحققين على خلافه كيف و هو تبديل للقول و قد قال الله تعالى:" مٰا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ" قلت: إن حمل آيات الوعيد على إنشاء التهديد، فلا خلاف لأنه حينئذ ليس خبرا بحسب المعنى و إن حمل على الإخبار كما هو الظاهر، فيمكن أن يقال بتخصيص المذنب المغفور عن عمومات الوعيد بالدلائل المفصلة و لا خلف على هذا التقدير أيضا فلا يلزم تبدل القول، و أما إذا لم نقل بأحد هذين الوجهين فيشكل التفصي عن لزوم التبدل و الكذب، إلا أن تحمل آيات الوعيد على استحقاق ما أوعد به لا على وقوعه بالفعل، و في الآية المذكورة إشارة إلى ذلك حيث قيل" فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا" انتهى. و قال الرازي في تفسير قوله تعالى:" بَلىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحٰاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ" اختلف أهل القبلة في وعيد أصحاب الكبائر فمن الناس من قطع بوعيدهم و هم فريقان، منهم من أثبت الوعيد المؤبد و هو قول جمهور المعتزلة و الخوارج، و منهم من أثبت وعيدا منقطعا، و من الناس من قطع بأنه لا وعيد لهم و هو قول شاذ، و القول الثالث إنا نقطع بأنه سبحانه يعفو عن بعض العصاة و عن بعض المعاصي، لكنا نتوقف في حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا، و نقطع بأنه إذا عذب أحدا منهم فإنه لا يعذبه أبدا بل يقطع عذابه و هو قول أكثر الصحابة و التابعين و أهل السنة و الجماعة و أكثر الإمامية، و بسط الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه و لا يناسب ذكرها في هذا المقام، و يرجع حاصل أجوبته عن دلائل الخصم إلى أن آيات العفو مخصصة و مقيدة لآيات العقاب. و قال في قوله تعالى:" إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُخْلِفُ الْمِيعٰادَ" كلاما طويلا في ذلك ثم قال في آخر كلامه: فأما قولك إنه لو لم يفعل لصار كاذبا أو مكذبا نفسه، فجوابه أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيد ثابتا جزما من غير شرط، و عندي جميع الوعيدات مشروط بعدم العفو، فلا يلزم من تكره دخول الكذب في كلام الله، انتهى. و مما يدل على أنهم يعدونه خبرا أنهم يحكمون بوجوب الاستثناء فيما يعده الإنسان أو يخبر بإيقاعه، إما بالقول أو بالضمير، قال السيد المرتضى رضي الله عنه عند تأويل قوله تعالى:" وَ لَقَدْ فَتَنّٰا سُلَيْمٰانَ" الآية، فأما قول بعضهم أن ذنبه من حيث لم يستشهد بمشية الله لما قال: تلد كل واحدة منهن غلاما فهذا غلط، لأنه (عليه السلام) و إن لم يستثن ذلك فقد استثناه ضميرا و اعتقادا، إذ لو كان قاطعا مطلقا للقول لكان كاذبا، أو مطلقا لما لا يأمن أن يكون كذبا، و ذلك لا يجوز عند من جوز الصغائر على الأنبياء. و نحوه قال الشيخ الطبرسي (قدس سره) في تأويل تلك الآية، و هذا الكلام و إن كان فيما ظاهره الخبر لكن سيأتي منهما رضي الله عنهما ما يدل على أنهم لا يفرقون في ذلك بين الوعد و الخبر. و أقول: كلام كثير من أصحابنا جار هذا المجرى، و سلموا كون الوعد أو الوعيد خبرا فعلى هذا يشكل القول بجواز مخالفة الوعد من غير عذر و مصلحة، و أما الوعيد فتكون مخالفته من قبيل الكذب المجوز للمصلحة إذ لا خلاف في أن خلف الوعيد ليس بحرام بل هو حسن، فيكون جوازه مشروطا بمصلحة مجوزة للكذب، و القول بهذا أيضا مشكل فإن العبد إذا استحق من المولى تأديبا و أوعده ذلك من غير مصلحة في ذلك الوعيد، ثم عفا عنه يكون كذبا بغير مصلحة و حراما، و لا أظن أحدا قال بذلك إلا أن يقال العفو من الصفات الحسنة و الأفعال الجميلة، فإذا صادف الكذب يصير به حسنا، و فيه بعد. و أيضا لو كان قبح خلف الوعد من جهة الكذب لزم إذا قال رجل أركب غدا مخبرا بذلك من غير أن يعد أحدا ثم بدا له و لم يركب أن يكون عاصيا، و لعله مما لم يقل به أحد، فالأولى جعلهما من قبيل الإنشاء لا الخبر، فلا يوصفان بالصدق و الكذب، و إطلاقهما عليهما على التوسع و المجاز. و مما ينبه على ذلك أن الصدق و المكذب إنما يطلقان على ما يتصف بهما حين القول، لا ما يكون تصديقه و تكذيبه باختيار القائل، و ليس هذا دليلا و لكنه منبه و يمكن المناقشة فيه. فإن قيل: لم لم يعد أهل العربية الوعد من أقسام الإنشاء؟ قلت: مدارهم على ذكر الإطلاقات اللغوية و مصطلحاتهم، و لذا لم يعدوا بعت و اشتريت و أنكحت و آجرت و أمثالها من أنواع الإنشاء، لأنها من الحقائق الشرعية لا من الحقائق اللغوية. قال الشهيد (قدس سره): الإنشاء أقسام القسم و الأمر و النهي و الترجي و العرض و النداء قيل: و هذه تبنى على كونها إنشاء في الإسلام و الجاهلية، و أما صيغ العقود فالصحيح أنها إنشاء، و قال بعض العامة: هي أخبار على الوضع اللغوي و الشرع قدم مدلولاتها قبل النطق بها لضرورة تصديق المتكلم بها و الإضمار أولى من النقل، و هو تكلف. ثم اعلم أنه على تقدير القول بالوجوب، فالظاهر أنه يستثنى منه أمور: الأول: الاستثناء بالمشية، و قول إن شاء الله فإنه يحل النذور و الأيمان المؤكدة كما صرح به في الأخبار و يدل عليه قوله تعالى:" وَ لٰا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فٰاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلّٰا أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ". قال الطبرسي (قدس سره) قد ذكر في معناه وجوه: أحدها أنه نهي من الله لنبيه عليه و آله السلام أن يقول أفعل شيئا في الغد إلا أن يقيد ذلك بمشية الله تعالى، فيقول: إن شاء الله، قال الأخفش: و فيه إضمار القول، فتقديره إلا أن تقول إن شاء الله، فلما حذف تقول فقل إن شاء الله إلى لفظ الاستقبال، فيكون هذا تأديبا من الله لعباده و تعليما لهم أن يعلقوا ما يخبرون به بهذه اللفظة حتى يخرج عن حد القطع، فلا يلزمهم كذب أو حنث إذا لم يفعلوا ذلك لمانع، و هذا معنى قول ابن عباس. و ثانيها: أن قوله أن يشاء الله بمعنى المصدر و تعلق بما تعلق به على ظاهره، و تقديره و لا تقولن إني فاعل شيئا غدا إلا بمشية الله، عن الفراء و هذا وجه حسن يطابق الظاهر، و لا يحتاج فيه إلى بناء الكلام على محذوف، و معناه لا تقل إني أفعل إلا ما يشاء الله و يريده، و إذا كان الله تعالى لا يشاء إلا الطاعات فكأنه قال لا تقل إني أفعل إلا الطاعات، و لا يطعن على هذا بجواز الإخبار عما يفعل من المباحات التي لا يشاءها الله تعالى، لأن هذا النهي نهي تنزيه لا نهي تحريم، بدلالة أنه لو لم يقل ذلك لم يأثم بلا خلاف. و ثالثها: أنه نهي عن أن يقول الإنسان سأفعل غدا و هو يجوز الاخترام قبل أن يفعل ما أخبر به فلا يوجد مخبره على ما أخبر به فهو كذب، و لا يأمن أيضا أن لا يوجد مخبره بحدوث شيء من فعل الله تعالى نحو المرض و العجز، أو بأن يبدو له هو في ذلك فلا يسلم خبره من الكذب إلا بالاستثناء الذي ذكره الله تعالى، فإذا قال إني صائر غدا إلى المسجد إن شاء الله أمن من أن يكون خبره هذا كذبا لأن الله إن شاء أن يلجئه إلى المصير إلى المسجد غدا حصل المصير إليه منه لا محالة، فلا يكون خبره هذا كذبا و إن لم يوجد المصير منه إلى المسجد لأنه لم يوجد ما استثناه في ذلك من مشية الله تعالى عن الجبائي، و قد ذكرنا فيما قبل ما جاء في الرواية أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) سئل عن قصة أصحاب الكهف و ذي القرنين فقال: أخبركم عنه غدا و لم يستثن فاحتبس عنه الوحي أياما حتى …
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ خُلْفِ الْوَعْدِ