الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ٢

شق عليه، فأنزل الله هذه الآية يأمره بالاستثناء بمشية الله. و قوله:" وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذٰا نَسِيتَ" فيه وجهان أحدهما أنه كلام متصل بما قبله ثم اختلف في ذلك فقيل: معناه وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذٰا نَسِيتَ الاستثناء ثم تذكرت فقل إنشاء الله، و إن كان بعد يوم أو شهر أو سنة عن ابن عباس، و قد روي ذلك عن أئمتنا (عليهم السلام)، و يمكن أن يكون الوجه فيه أنه إذا استثني بعد النسيان فإنه يحصل له ثواب المستثنى من غير أن يؤثر الاستثناء بعد انفصال الكلام في الكلام، و في إبطال الحنث و سقوط الكفارة في اليمين و هو الأشبه بمراد ابن عباس في قوله، و قيل: فاذكر الاستثناء ما لم تقم من المجلس عن الحسن و مجاهد، و قيل: فاذكر الاستثناء إذا تذكرت ما لم ينقطع الكلام و هو الأوجه، و قيل: معناه وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذٰا نَسِيتَ الاستثناء بأن تندم على ما قطعت عليه من الخبر عن الأصم، و الآخر أنه كلام مستأنف. ثم قال (ره): قال السيد الأجل المرتضى (قدس الله روحه): اعلم أن للاستثناء الداخل على الكلام وجوها مختلفة فقد يدخل في الأيمان و الطلاق و العتاق و سائر العقود و ما يجري مجراها من الإخبار، فإذا دخل في ذلك اقتضى التوقف عن إمضاء الكلام و المنع من لزوم ما يلزم به، و لذلك يصير ما يتكلم به كأنه لا حكم له، و كذلك يصح على هذا الوجه أن يستثني الإنسان في الماضي فيقول: قد دخلت الدار إن شاء الله ليخرج بهذا الاستثناء من أن يكون كلامه خبرا قاطعا أو يلزم به حكما، و إنما لم يصح دخوله في المعاصي على هذا الوجه، لأن فيه إظهار الانقطاع إلى الله تعالى و المعاصي لا يصح ذلك فيها. و هذا الوجه أحد ما يحتمله تأويل الآية، و قد يدخل الاستثناء في الكلام و يراد به اللطف و التسهيل و هذا الوجه يختص بالطاعات، و لهذا جرى في قول القائل لأقضين غدا ما علي من الدين أو لأصلين غدا إنشاء الله مجرى أن يقول إني فاعل إن لطف الله فيه و سهلة، و متى قصد الحالف هذا الوجه لم يحنث إذا لم يقع منه الفعل أن يكون حانثا أو كاذبا لأنه إذا لم يقع منه الفعل علمنا أنه لم يلطف فيه لأنه لا لطف له. و هذا الوجه لا يصح أن يقال في الآية لأنه يختص الطاعات و الآية تتناول كلما لم يكن قبيحا بدلالة إجماع المسلمين على حسن ما تضمنته في كل فعل لم يكن قبيحا. و قد تدخل الاستثناء في الكلام و يراد به التسهيل و الأقدار و التخلية و البقاء على ما هو عليه من الأحوال، و هذا هو المراد إذا دخل في المباحات. و هذا الوجه يمكن في الآية، و قد يدخل استثناء المشية في الكلام و إن لم يرد به شيء من المتقدم ذكره، بل يكون الغرض الانقطاع إلى الله من غير أن يقصد به إلى شيء من هذه الوجوه، و يكون هذا الاستثناء أيضا غير معتد به في كونه كاذبا أو صادقا لأنه في الحكم كأنه قال: لا فعلن كذا إن وصلت إلى مرادي مع انقطاعي إلى الله و إظهاري الحاجة إليه. و هذا الوجه أيضا يمكن في الآية و متى تأمل جملة ما ذكرناه من الكلام عرف به الجواب عن المسألة التي يسأل عنها من يذهب إلى خلاف العدل من قولهم: لو كان الله تعالى إنما يريد الطاعات من الأعمال دون المعاصي لوجب إذا قال الذي عليه الدين و طالبه به: و الله لأعطينك حقك غدا إن شاء الله، أن يكون كاذبا أو حانثا إذا لم يفعل لأن الله قد شاء ذلك منه عندكم و إن كان لم يقع، و لكان يجب أن تلزمه به الكفارة و أن لا يؤثر هذا الاستثناء في يمينه، و لا يخرجه من كونه حانثا كما أنه لو قال: و الله لأعطينك حقك إن قام زيد فقام و لم يعطه فيكون حانثا، و في التزام هذا الحنث خروج عن الإجماع" انتهى" و سيأتي تمام الكلام فيه في الاستثناء بالمشية إن شاء الله. و أقول: قد أطبق الأصحاب على أنه يجوز للحالف الاستثناء في يمينه بمشية الله، و المشهور أنه يقتضي عدم انعقاد اليمين، و فصل العلامة في القواعد فحكم بانعقاد اليمين مع الاستثناء إن كان المحلوف عليه واجبا أو مندوبا و إلا فلا، و مستند المشهور و إن كان ضعيفا لكنه منجبر بالشهرة بين الأمة، و أيضا ظاهرا لأكثر عدم الفرق بين قصد التعليق و التبرك، و ربما يقصر الحكم على التعليق، و أيضا المشهور أن الاستثناء إنما يكون باللفظ و استوجه في المختلف الاكتفاء بالنية و فيه نظر، و ورد في الأخبار جواز الاستثناء إلى أربعين يوما، و لعله في العمل بالسنة لا التأثير في اليمين كما ذكره الطبرسي و سيأتي الكلام في جميع ذلك إن شاء الله. و لا يبعد جريان جميع تلك الأحكام هنا بتقريب ما مر و كما يظهر من كلام السيد رضي الله عنه، و كما يومئ إليه الخبر: الأول: من تشبيهه بالنذر، الثاني: ما إذا كان الأمر الموعود حراما، فإنه لا ريب في عدم جواز الوفاء به و وجوب الخلف. الثالث: إذا كان الأمر الموعود مرجوحا دينا أو دنيا فإنه لا يبعد جواز الخلف فيه، فإن اليمين و النذر و العهد مع كونها عدة مؤكدة مع الله و عهدا موثقا مقرونا باسمه سبحانه يجوز مخالفته فهذا يجوز الخلف فيه بطريق أولى، و أيضا يشمل تلك الأخبار ما يتضمن عدة لمؤمن أو مؤمنة، و قد ورد في أخبار كثيرة إذا رأيت خيرا من يمينك فدعها، و في بعضها إذا حلف الرجل على شيء و الذي حلف عليه إتيانه خيرا من يمينك فدعها، و في بعضها إذا حلف الرجل على شيء و الذي حلف عليه إتيانه خير من تركه فليأت الذي هو خير و لا كفارة عليه، و في خبر آخر من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فأتى ذلك فهو كفارة يمينه و له حسنة، فعلى هذا لو وعده فيما فعله مكروه أو خلافه مستحب يجوز له الخلف، و أما إذا كان خلافه راجحا بحسب الدنيا، فإن تضمن ضررا بدنيا بالنسبة إلى الواعد أو غيره من المؤمنين أو هتك عرض له بينا بالنسبة إلى الواعد فيجوز الخلف فيه، بل يجب في بعض الصور و إن تضمن ضررا ماليا قليلا لا يضر بحال الواعد، فالظاهر عدم جواز الخلف على تقدير الوجوب و إلا يلزم أن لا يجب الوفاء في الوعد بالمال أصلا. نعم إذا تضمن تفويت مال بغير جهة شرعية كالسرقة و الغصب و فوت الغريم و نحو ذلك، فلا يبعد القول بالجواز كما جوزوا قطع الصلاة الواجبة له، بل جوز بعض الأصحاب ترك الحج أيضا لذلك، و جوزوا لذلك التيمم و ترك طلب الماء للطهارة. الرابع: ما كان فعله راجحا دينا بحيث لا يصل إلى حد الوجوب و مرجوحا دنيا هل يجوز الخلف فيه؟ ظاهرا لأصحاب عدم جواز الخلف في اليمين، و يظهر من كثير من الأخبار الجواز كقول أبي عبد الله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: كلما كان لك منفعة في أمر دين أو دنيا فلا حنث عليك، و قول أبي جعفر (عليه السلام) في موثقة زرارة: كل يمين حلفت عليها لك فيها منفعة في أمر دين أو دنيا فلا شيء عليك فيها، و إنما تقع عليك الكفارة فيما حلفت عليه فيما لله فيه معصية أن لا تفعله ثم تفعله، و في الحسن كالصحيح عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أي شيء لا نذر في معصية؟ قال: فقال: كل ما كان لك فيه منفعة في دين أو دنيا فلا حنث عليك فيه، فإذا كان في اليمين و النذر كذلك ففي الوعد كذلك، بتقريب ما مر مع ما ورد في الخبر من تشبيهه بالنذر. الخامس: ما كان مباحا متساوي الطرفين فالمشهور في اليمين الانعقاد، و في النذر عدمه، و ظاهر كثير من الأخبار أن اليمين أيضا لا ينعقد كما روي عن زرارة أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام): أي شيء الذي فيه الكفارة من الأيمان؟ فقال: ما حلفت عليه مما فيه البر فعليك الكفارة إذا لم تف به، و ما حلفت عليه مما فيه المعصية فليس عليك فيه الكفارة إذا لم تف به، و ما حلفت عليه مما فيه المعصية فليس عليك فيه الكفارة إذا رجعت عنه، و ما كان سوى ذلك مما ليس فيه بر و لا معصية فليس بشيء، و قد ورد مثله بأسانيد جمة فالظاهر بتقريب ما مر عدم الوجوب في الوعد، و يدل عليه أيضا تسميته نذرا في الخبر الأول، إذ قوله (عليه السلام): نذر، الظاهر أن المراد به النذر الشرعي لا اللغوي لقوله: لا كفارة، فلما لم يكن نذرا شرعيا فالغرض التشبيه به في الاشتراك في الأحكام، و قوله: لا كفارة له، بمنزلة الاستثناء إذ هو بقوة إلا أنه لا كفارة له، كما هو الظاهر من السياق، و الاستثناء دليل العموم، فالكلام في قوة أنه بحكم النذر، و مشترك معه في الأحكام إلا في الكفارة، فيجري فيه أحكام النذر. السادس: أنه لا حكم له مع عدم القصد كالنذر و اليمين. السابع: أنه لا حكم له مع الجبر و الإكراه و التقية، و حفظ عرض مؤمن أو ماله أو دمه، و كلما يجوز فيه اليمين، و ينحل به النذر كل ذلك بتقريب ما مر، و وجوه أخرى لا تخفى. الثامن: أن النية فيه على قصد الحق و العبرة به كاليمين. التاسع: وعد الأهل كما مر في باب الكذب عن عيسى بن حسان عن أبي عبد الله (عليه السلام) حيث قال: كل كذب مسئول عنه صاحبه يوما إلا كذبا في ثلاثة، إلى أن قال: أو رجل وعد أهله شيئا و هو لا يريد أن يتم لهم، و يمكن أن يستدل به على السادس و الثامن، و قد مر الكلام في تسميته كذبا، و لو حمل على الحقيقة، و قيل: بأن قبحه للكذب فأخبار جواز الكذب للمصلحة كثيرة، و قد سبق بعضها، و الخبر يومئ إلى جواز الخلف لقليل من المصالح الدنيوية، فكيف الدينية. ثم اعلم أن كلما ذكرنا فإنما هو في الوعد، و أما الوعيد فلا ريب في حسن الخلف فيه عقلا و نقلا كما مر بعض الكلام فيه في وعيد الله سبحانه، و الأخبار الدالة على الوجوب أو الرجحان إنما هي في الوعد لا الوعيد، و الخبر الأول أيضا ورد بلفظ العدة و قد مر في كلام الجوهري أنها في الوعد بالخير، و الخبر الثاني ظاهر و الأخبار الواردة بحسن العفو عن الوعيد قولا و فعلا عن أئمة الهدى (عليهم السلام) أكثر من أن تحصى. و اعلم أيضا أن الوعد على تقدير القول بوجوب الوفاء به الظاهر أنه لا يوجب شغل ذمة للواعد و لا حقا لازما للموعود له يمكنه الاستعداء به و الأخذ منه قهرا، بل الأظهر عندي في اليمين أيضا كذلك، بل حق لله عليه يلزمه الوفاء به، و بهذا يظهر الفرق بين ما إذا كان في ضمن عقد لازم أو لم يكن، و يمكن حمل كلام بعض

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ خُلْفِ الْوَعْدِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.