الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ سُلَيْمٍ مَوْلَى طِرْبَالٍ قَالَ حَدَّثَنِي هِشَامٌ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الطَّيَّارِ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)النَّاسُ عَلَى سِتَّةِ أَصْنَافٍ قَالَ قُلْتُ أَ تَأْذَنُ لِي أَنْ أَكْتُبَهَا قَالَ نَعَمْ قُلْتُ مَا أَكْتُبُ باب أصناف الناس الحديث الأول: ضعيف على المشهور. " الناس ستة أصناف" قيل: لعل وجه الحصر أن الناس إما مؤمن أو كافر أو لا هذا و لا ذاك، و الأخير هم المستضعفون الذين لا يقرون بالحق و لا ينكرونه، و الثاني هم أهل النار قطعا، و الأول إما مؤمن كامل سابق بالخيرات لم يصدر منه ذنب أصلا أولا، و الأول هم أهل الجنة قطعا، و الثاني إما أن يتوب عن ذنبه أو لا و الأول هم" آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ" أي يقبل توبتهم، و الثاني إما أن تغلب حسناته على سيئاته أو لا، و الأول هم" آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّٰهِ إِمّٰا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمّٰا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ" و الثاني هم أصحاب الأعراف، انتهى. و أقول: قد عرفت أن مصطلح الآيات و الأخبار في الإيمان و الكفر غير مصطلح المتكلمين، و أن المؤمن غالبا يطلق على من صحت عقائده و عمل بفرائض الله و اجتنب الكبائر، فهو من أهل الوعد بالجنة، و يدخلها البتة و يقابله أقسام كثيرة، فلذا تنقسم الفرق ستة أقسام، فالأول و الثاني أهل الوعد و الوعيد، اكتفي بأحدهما تغليبا، و في بعض النسخ الوعد لذلك، و في بعضها الوعدين و هو أظهر، أي الذين قَالَ اكْتُبْ أَهْلَ الْوَعِيدِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ أَهْلِ النَّارِ وَ اكْتُبْ وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا يتحقق فيهم وعد الثواب و وعيد العقاب قطعا إذا ماتوا على إحدى الحالتين. و قوله: من أهل الجنة و النار بيان لأهل الوعيد، أي جزما، و هم الذين قال الله تعالى فيهم في سورة التوبة:" وَعَدَ اللّٰهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنٰاتِ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا وَ مَسٰاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّٰاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوٰانٌ مِنَ اللّٰهِ أَكْبَرُ ذٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" و قال في تلك السورة أيضا" وَعَدَ اللّٰهُ الْمُنٰافِقِينَ وَ الْمُنٰافِقٰاتِ وَ الْكُفّٰارَ نٰارَ جَهَنَّمَ خٰالِدِينَ فِيهٰا هِيَ حَسْبُهُمْ وَ لَعَنَهُمُ اللّٰهُ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُقِيمٌ" فهاتان الفرقتان أهل الوعدين و قال أيضا في تلك السورة:" وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ". قال الطبرسي: يعني من أهل المدينة أو من الأعراب آخرون أقروا بذنوبهم و ليس براجع إلى المنافقين، و الاعتراف و الإقرار بالشيء عن معرفة" خَلَطُوا عَمَلًا صٰالِحاً" يعني أنهم يفعلون أفعالا جميلة و أفعالا سيئة قبيحة، و التقدير و عملا آخرا سيئا" عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ"، قال المفسرون: عسى من الله واجبة و إنما قال عسى حتى يكونوا بين طمع و إشفاق، فيكون ذلك أبعد من الاتكال على العفو و إهمال التوبة" إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" هذا تعليل لقبول التوبة من العصاة. ثم قال (ره): قال أبو حمزة: بلغنا أنهم ثلاثة نفر من الأنصار: أبو لبابة بن عبد المنذر، و ثعلبة بن وديعة، و أوس بن حذام، تخلفوا عن رسول الله عند مخرجه إلى تبوك، فلما بلغهم ما أنزل فيمن تخلف عن نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) أيقنوا بالهلاك فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد، فلم يزالوا كذلك حتى قدم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فسأل عنهم فذكروا أنهم أقسموا لا يحلون أنفسهم حتى يكون رسول الله محلهم، فقال رسول الله بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً قَالَ قُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ قَالَ وَحْشِيٌّ مِنْهُمْ قَالَ وَ اكْتُبْ وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّٰهِ إِمّٰا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمّٰا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ قَالَ (صلى الله عليه و آله و سلم): و أنا أقسم لا أكون أول من حلهم إلا أن أو مر فيهم بأمر، فلما نزل" عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ" عمد رسول الله إليهم فحلهم فانطلقوا فجاءوا بأموالهم إلى رسول الله فقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا عنده فخذها و تصدق بها عنا، فقال (عليه السلام): ما أمرت فيها بأمر، فنزل:" خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ" الآيات. و قيل: إنهم كانوا عشرة رهط منهم أبو لبابة عن ابن عباس، و روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنها نزلت في أبي لبابة و لم يذكر معه غيره، و سبب نزولها فيه ما جرى منه في بني قريظة حين قال: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح، و به قال مجاهد. و قيل: نزلت فيه خاصة حين تأخر عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية كما تقدم. " قال: وحشي منهم" قال في القاموس: وحشي بن حرب صحابي و هو قاتل حمزة رضي الله عنه في الجاهلية، و مسيلمة الكذاب في الإسلام. و أقول: أدرجه (عليه السلام) في هذا الصنف و أدرجه أبوه (عليه السلام) فيما سيأتي في المرجون لأمر الله، و لعله قد يطلق المرجون على المعنى الشامل للصنفين جميعا، و يمكن أن يكون بين الصنفين عموم و خصوص و إنما أوردهما للاستشهاد بالآيتين،" وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّٰهِ" أي مؤخرون موقوفون لما يرد من أمر الله فيهم. و قال قال الأزهري: إلا رجاء تهمز و لا تهمز أرجأت الأمر و أرجيته أخرته" إِمّٰا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمّٰا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ" و إما لوقوع أحد الشيئين و الله سبحانه عالم بما يصير إليه أمرهم، و لكنه وَ اكْتُبْ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ لٰا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لٰا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً إِلَى الْكُفْرِ وَ لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا إِلَى الْإِيمَانِ- سبحانه خاطب العباد بما عندهم،" وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ" بما يؤول إليه حالهم" حَكِيمٌ" فيما يفعله بهم. و قال (ره): قال مجاهد و قتادة: نزلت الآية في هلال بن أمية و مرارة بن الربيع و كعب بن مالك، و هم من الأوس و الخزرج، و كان كعب بن مالك رجل صدق غير مطعون عليه، و إنما تخلف توانيا عن الاستعداد حتى فإنه المسير، و انصرف رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: و الله ما لي من عذر و لم يعتذر إليه بالكذب، فقال (صلى الله عليه و آله و سلم): صدقت قم حتى يقضي الله فيك، و جاء الآخران فقالا مثل ذلك و صدقا، فنهى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من مكالمتهم و أمر نساءهم باعتزالهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فأقاموا على ذلك خمسين ليلة، و بني كعب خيمة على سلع فيكون فيها وحده، ثم نزلت التوبة عليهم بعد الخمسين في الليل، و هي قوله:" وَ عَلَى الثَّلٰاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا" الآية، فأصبح المسلمون يبتدرونهم و يبشرونهم، انتهى. أقول: يظهر مما ذكروه أن هؤلاء أيضا كانوا تائبين فالفرق بينهم و بين الفرقة السابقة مشكل إلا أن يكون الفرق باختلاف مراتب ذنوبهم و مراتب توبتهم و سيأتي في الأخبار الآتية وجوه أخرى من الفرق بحسب ضعف الإيمان و قوته و كمال إتمام الحجة عليهم و عدمه. " إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ" أقول: سابقه هذه الآية:" إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ الْمَلٰائِكَةُ" أي يقبض أرواحهم" ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ" أي في حال هم فيها ظالمو أنفسهم" قٰالُوا فِيمَ كُنْتُمْ" أي قالت لهم الملائكة في أي شيء كنتم من دينكم؟ على وجه التقرير و التوبيخ" قٰالُوا كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ" فيستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا و بلادنا" قٰالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا" أي فتخرجوا من أرضكم و دوركم و تفارقوا من يمنعكم من الإيمان بالله و رسوله" فَأُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ" أي فَأُولٰئِكَ عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ قَالَ وَ اكْتُبْ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ قَالَ قُلْتُ وَ مَا أَصْحٰابُ الْأَعْرٰافِ قَالَ قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَ سَيِّئَاتُهُمْ فَإِنْ أَدْخَلَهُمُ النَّارَ فَبِذُنُوبِهِمْ وَ إِنْ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ فَبِرَحْمَتِهِ الذين استضعفهم المشركون" مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ لٰا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً" أي يعجزون عن الهجرة لإعسارهم و قلة حيلتهم" وَ لٰا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا" في الخلاص من مكة" فَأُولٰئِكَ عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ" لعذرهم في ترك الهجرة" وَ كٰانَ اللّٰهُ عَفُوًّا غَفُوراً". هذا على تفسير المفسرين، و على تأويله (عليه السلام) لا يستطيعون حيلة إلى الكفر أي لا يقدرون على إلقاء الشبه القوية في الكفر، و لا على الرسوخ فيه" وَ لٰا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا" إلى الإيمان أي لبلاهتهم و قلة عقلهم و معرفتهم لا يستولون على معرفة الحق و الثبات فيه، فلهم في ذلك عذر يمكن أن يعفو الله عنهم، و لعله من بطون الآية، و يمكن تطبيقه على ظاهر الآية أيضا بأن يكونوا في مكة غير عارفين بالإسلام و شرائعه و دلائله، و كانوا بين المشركين و لم يمكنهم تحصيل ذلك هناك، و لما سمعوا بعثة الرسول كان يجب عليهم الهجرة ليتم عليهم الحجة و يستقروا في الدين، فمنهم من كان يمكنه ذلك و لم يفعل فهو غير معذور و لذا تقول لهم الملائكة:" أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً"؟ و منهم من لم يمكنهم ذلك فعسى أن يقبل الله عذرهم. و أما الأعراف فقد مر تفسيرها، و قال بعض المفسرين: هو سور بين الجنة و النار، و هو السور المذكور في قوله تعالى:" فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بٰابٌ" و قيل: أي حاجة إلى ضرب هذا السور، و الجنة فوق السماوات و الجحيم في أسفل سافلين؟ و أجيب بأن بعد أحدهما عن الآخر لا يمنع أن يكون بينهما سور و حجاب و له أسفل و أعلى، و على أعلاه رجال يعرفون كلا بسيماهم، أجلسهم الله تعالى في ذلك المكان العالي إظهارا لشرفهم، و ليكونوا مشرفين مطلعين على أحوال الخلائق، و هم كما كانوا في الدنيا شهداء على أهل الإيمان و أهل الكفر و أهل الطاعة و أهل المعصية

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ أَصْنَافِ النَّاسِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.