عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الزُّبَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قُلْتُ لَهُ أَخْبِرْنِي عَنْ وُجُوهِ الْكُفْرِ في المستضعفين، و هو في مشية الله فعسى أن تدركه الرحمة، و كذا الجاهل في سائر الأمور من أصول الدين و فروعه. الحديث العشرون: كالسابق. " و من جهله" أي توقف و لم ينكر" و من نصب معه شيئا" أي إماما آخر و أخره عن مرتبته فهو مشرك لأنه وضع دينا غير دين الله، و أشرك مع الله غيره في نصب الإمام. الحديث الحادي و العشرون: ضعيف كالموثق و قد مر مضمونه. باب وجوه الكفر الحديث الأول: ضعيف على المشهور ببكر بن صالح و إنما ضعفه ابن الغضائري و أبو عمرو الزبيري و إن كان مجهولا لكن يظهر من أخباره أنه من محققي الرواة و أصحاب أسرار الأئمة (عليهم السلام)، و هذا الخبر جزء خبر طويل فرقه المصنف و غيره على الأبواب كما يظهر من هذا الكتاب، و تفسير العياشي و غيرها، و قد مر فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ الْكُفْرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ فَمِنْهَا كُفْرُ الْجُحُودُ وَ الْجُحُودُ عَلَى وَجْهَيْنِ وَ الْكُفْرُ بِتَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ وَ كُفْرُ الْبَرَاءَةِ وَ كُفْرُ النِّعَمِ فَأَمَّا كُفْرُ الْجُحُودِ فَهُوَ الْجُحُودُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ هُوَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ لَا رَبَّ وَ لَا جَنَّةَ وَ لَا نَارَ وَ هُوَ قَوْلُ صِنْفَيْنِ مِنَ الزَّنَادِقَةِ يُقَالُ لَهُمُ الدَّهْرِيَّةُ وَ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ- جزء آخر في باب السبق إلى الإيمان و لما سأله (عليه السلام) عن أجزاء الإيمان و زيادته و نقصانه و منازله و درجاته سأله عن معاني الكفر و وجوهه، فبين (عليه السلام) أن الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه وجهان منها يرجع إلى الجحود، و قوله: فهو الجحود بالربوبية لما كان الجحود في اللغة مطلق الإنكار، و كان المراد به هيهنا إنكار ما يتعلق بالربوبية أعني ما جاء من قبل الرب تعالى فسره (عليه السلام) بذلك و خصه به كما قيل. و أقول: إنما كان هذا جحدا للربوبية لأن ربيته سبحانه يقتضي التكليف و الثواب و العقاب، فهؤلاء إما ينكرون وجوده سبحانه أو ربيته، و كان المراد بالصنفين صنف أنكروا المبدأ و المعاد معا، و هم الملاحدة، و صنف أثبتوا المبدأ و أنكروا المعاد كبعض الفلاسفة حيث أنكروا المعاد و قالوا بقدم العالم و أبديته، و كفار مكة الذين ذكرهم الله في تلك الآية، و هم الذين يقولون" وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلَّا الدَّهْرُ" زعموا أن تولد الأشخاص و تكون الممتزجات و فسادها و حياتها و موتها مستندة إلى الدهر، و حركات الأفلاك و تأثيرات الكواكب، و يحتمل أن يكون إشارة إلى القائلين بالتناسخ و القائلين ببطلان الجسد و الروح بالكلية، أو القائلين بالطبيعة و القائلين بالدهر، و قيل: صنف طلبوا لهذا العالم سببا فأحالوه على الطبع الذي هو صفة جسمانية خالية عن العلم و الإدراك، و صنف لم يطلبوا له سببا بل اشتغلوا بأنفسهم و عاشوا عيش البهائم. قال الله تعالى:" إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ، أن ذلك" بفتح الهمزة و تشديد النون متعلق بيظنون. وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلَّا الدَّهْرُ وَ هُوَ دِينٌ وَضَعُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ بِالاسْتِحْسَانِ عَلَى غَيْرِ تَثَبُّتٍ مِنْهُمْ وَ لَا تَحْقِيقٍ لِشَيْءٍ مِمَّا يَقُولُونَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُونَ وَ قَالَ- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ يَعْنِي بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا أَحَدُ وُجُوهِ الْكُفْرِ وَ أَمَّا الْوَجْهُ الْآخَرُ مِنَ الْجُحُودِ عَلَى مَعْرِفَةٍ وَ هُوَ أَنْ يَجْحَدَ الْجَاحِدُ وَ هُوَ يَعْلَمُ و الحاصل أنه استشهد لقوله إنهم وضعوا الدين بمحض الاستحسان من غير حجة و برهان بأنه تعالى قال بعد قولهم:" وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلَّا الدَّهْرُ وَ مٰا لَهُمْ بِذٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ". " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ" سواء اسم من الاستواء و خبر لأن، و ما بعده فاعله أي مستو عليهم إنذارهم و عدمه، أو خبر لما بعده، و الجملة خبر لأن أي إنذاره و عدمه سيان عليهم، و قوله: بتوحيد الله متعلق بلا يؤمنون، و يحتمل تعلقه بكفروا أو بهما على التنازع، و الظاهر أن هذه الآية و الآية السابقة موردهما واحد و قد يقال: إن الآية الأولى في صنف من الزنادقة لا سبيل لهم إلى شبهة قوية و الثانية لقوم من الفلاسفة لهم شبه قوية على إنكار حدوث العالم و المعاد و فناء العالم فهو أشد رسوخا في باطلهم من الفرقة الأولى، و لذلك لا ينفعهم الإنذار و ليس ببعيد. و إنما خص نفي الإيمان في الآية بتوحيد الله لأن سائر ما يكفرون به من توابع التوحيد" و أما الوجه الآخر من الجحود" قيل: الصواب و أما الوجه الآخر من الجحود فهو الجحود على معرفة، و لعله سقط من قلم النساخ، انتهى. و كان الفرق بين هذا و ما تقدم أن الفرقة المتقدمة عرضت لهم شبهة ضعيفة اتبعوها، و هؤلاء أنكروا مع العلم عتوا و استكبارا و عنادا و حسدا كالفرق الذي ذكرنا سابقا بين الكفر و الشرك. و يحتمل وجها آخر من الفرق بأن يكون الأول ما يكون في التوحيد و ما يتبعه من أمر المعاد، و الثاني ما يكون بعد الإقرار بالتوحيد من الإقرار بالنبوة أَنَّهُ حَقٌّ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّٰهِ عَلَى الْكٰافِرِينَ فَهَذَا تَفْسِيرُ وَجْهَيِ الْجُحُودِ و الإمامة و غيرهما، و لكل من الوجهين شواهد لا يخفى على المتأمل. قوله: على معرفة، أي للحق" قد استقر عنده" أي استقرارا لا شك فيه" وَ جَحَدُوا بِهٰا" أي أنكروا آيات الله و كذبوها، و الحال أن أنفسهم مستيقنة بها عالمة إياها، و إنما أنكروها ظلما لأنفسهم و علوا أي ترفعا على الرسول و الانقياد له و الإيمان به، و استدلوا بها على أن الإيمان هو التصديق مع العمل دون التصديق وحده، و اعترض عليه بأنه يمكن أن يكون مشروطا بالإقرار باللسان مع القدرة كما ذهب إليه طائفة من العامة، كما قال الدواني في شرح العقائد: التلفظ بكلمتي الشهادتين مع القدرة عليه شرط، فمن أخل به فهو كافر مخلد في النار، انتهى. و قيل: مشروط بعدم الإنكار فينتفى الإيمان بالإنكار و قد مر القول فيه مفصلا و قال الله عز و جل:" وَ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا" أي و كان أهل الكتاب من قبل البعثة يطلبون الغلبة على المشركين و يستنصرون عليهم بخاتم الأنبياء، و يقولون اللهم انصرنا بنبي آخر الزمان المنعوت في التوراة، أو يفتحون عليهم و يعرفونهم أن نبيا يبعث منهم و قرب زمانه" فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ" النبي الذي عرفوه كفروا به و جحدوه حسدا أو خوفا من الرئاسة أو لغير ذلك" فَلَعْنَةُ اللّٰهِ عَلَى الْكٰافِرِينَ" أي عليهم فوضع الظاهر موضع الضمير للتنصيص على أن لعنهم بسبب كفرهم و إنكارهم الحق المعروف عندهم. أقول: روى علي بن إبراهيم هذا الخبر عن أبيه عن بكر بن صالح عن الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الكفر في كتاب الله على خمسة وجوه، فمنه كفر الجحود و هو على وجهين كفر جحود بعلم، و جحود بغير علم، فأما الذين جحدوا بغير علم وَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْكُفْرِ كُفْرُ النِّعَمِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى يَحْكِي قَوْلَ سُلَيْمَانَ ع- هٰذٰا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ وَ قَالَ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ وَ قَالَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لٰا تَكْفُرُونِ فهم الذين حكى الله عنهم في قوله:" وَ قٰالُوا مٰا هِيَ إِلّٰا حَيٰاتُنَا الدُّنْيٰا نَمُوتُ وَ نَحْيٰا وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلَّا الدَّهْرُ وَ مٰا لَهُمْ بِذٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ" و قوله:" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ" فهؤلاء كفروا و جحدوا بغير علم، و أما الذين كفروا و جحدوا بعلم فهم الذين قال الله عز و جل: " وَ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ" فهؤلاء كفروا و جحدوا بعلم. و في تفسير النعماني عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: و أما الكفر المذكور في كتاب الله تعالى فخمسة وجوه، منها كفر الجحود، و منها كفر فقط، و الجحود ينقسم على وجهين، و منها كفر الترك لما أمر الله تعالى به، و منها كفر البراءة، و منها كفر النعم فأما كفر الجحود فأحد الوجهين منه جحود الوحدانية و هو قول من يقول لا رب و لا جنة و لا نار و لا بعث و لا نشور، و هؤلاء صنف من الزنادقة، و صنف من الدهرية الذين يقولون ما يهلكنا إلا الدهر، و ذلك رأي وضعوه لأنفسهم استحسنوه بغير حجة فقال الله تعالى" إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ" و قال:" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا" إلى قوله" لٰا يُؤْمِنُونَ" أي لا يؤمنون بتوحيد الله. و الوجه الآخر من الجحود هو الجحود مع المعرفة بحقيته قال تعالى" وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا". و قال سبحانه:" وَ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ" إلى قوله" عَلَى الْكٰافِرِينَ" أي جحدوه وَ الْوَجْهُ الرَّابِعُ مِنَ الْكُفْرِ تَرْكُ مَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- بعد أن عرفوه. أقول: إنما أوردنا الروايتين لتأييد كل منهما لبعض الوجوه السابقة" يحكي قول سليمان" لما عرف سليمان (عليه السلام) نعمة الله عليه، و علم أنها للابتلاء قال هذا من فضل ربي، أي الاقتدار من إحضار العرش في مدة يسيرة من مسافة بعيدة و هي ما بين سبأ و الشام بلا حركات جسمانية من فضل نعم ربي" لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ" بالإقرار بأن ذلك الفضل له و منه لا لي و مني، و الإتيان بالثناء الجزيل و الذكر الجميل" أَمْ أَكْفُرُ" بترك ذلك الإقرار و عدم ذلك الإتيان. " وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ" لأنه يديم العتيد و يجلب المزيد، و يستحق به الثواب، و من كفر بما مر فلا يضر الله شيئا فإن ربي غني عن عبادة العابدين و شكر الشاكرين، كريم بالإفضال و الإحسان و ترك مؤاخذة العبد بالإساءة و الكفران لعله يتوب و يصلح حاله في مستقبل الأزمان، و من هاهنا ظهر أن ترك الشكر على النعمة كفر. و قال:" لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ" قيل: الشكر هو الاعتراف بالنعمة ظاهرة كانت أو باطنة، جلية كانت أم خفية و الإقرار بها للمنعم، و الإتيان بالأعمال الصالحة المطلوبة له و الامتثال لأوامره و الاجتناب عن معاصيه، و كفر النعم ضد ذلك، و هو سبب لزوال النعمة و عدم الزيادة و تحقق العقوبة في الدنيا و الآخرة، و لذلك قال الله عز و جل مؤكدا بوجوه شتى:" وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ". و قال:" فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ" قيل: أي فاذكروني ظاهرا باللسان و باطنا بالجنان لا سيما عند الأوامر و النواهي، أذكركم في ملإ المقربين بالخير و الصلاح أو بالجزاء الجميل، أو في القيامة إذا بلغت القلوب الحناجر من شدائدها، أو في حال الموت أو في البرزخ أو في جميع الأحوال، كما دلت عليه صيغة الاستقبال. وَ إِذْ أَخَذْنٰا مِيثٰاقَكُمْ لٰا تَسْفِكُونَ دِمٰاءَكُمْ وَ لٰا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هٰؤُلٰاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ " وَ إِذْ أَخَذْنٰا مِيثٰاقَكُمْ" قيل: أخذ العهد منهم بأن لا يقتلوا أنفسهم كما يفعله من يصعب عليه الزمان للتخلص من الصعوبة، و كما يفعله أهل الهند للتخلص من عالم الفساد و اللحوق بعالم النور، و قيل: بأن لا يفعلوا ما يوجب قتلهم و إخراجهم من ديارهم، و قيل: بأن لا يقتل بعضهم بعضا و لا يخرج بعضهم بعضا من وطنه، و إنما جعل قتل الرجل و إخراجه غيره قتل نفسه و إخراجها لاتصاله به نسبا أو دينا، أو لأنه يقتص منه فكأنه قتل نفسه و قيل: بأن لا يفعلوا ما يصرفهم في الحياة الأبدية التي هي الحياة الحقيقية و ما يمنعهم من الجنة التي هي دار القرار، فإنه الجلاء الحقيقي. " ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ" أي ثم أقررتم بالميثاق و اعترفتم على أنفسكم بلزومه" وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ" عليها، و هذا تأكيد كقولك أقر فلان على نفسه بكذا شاهدا عليها أو اعترفتم على قبوله و شهد بعضكم على بعض بذلك، أو أنتم تشهدون يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق فيكون إسناد الإقرار إلى المخاطبين مجازيا. " ثُمَّ أَنْتُمْ هٰؤُلٰاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ" قيل: ثم استبعاد لما أسند إليهم من القتل و الأجلاء و العدوان بعد الميثاق منهم و إقرارهم و شهادتهم، و أنتم مبتدأ و هؤلاء خبره و المعنى أنتم بعد ذلك هؤلاء الناقضون الشاهدون يعني أنتم قوم آخرون غير هؤلاء الشاهدين، كقولك رجعت بغير الوجه الذي خرجت، أي ما أنت الذي كنت من قبل نزل تغير الصفة منزلة تغير الذات، و تقتلون حينئذ بيان لهذه الجملة. و قيل: أنتم مبتدأ و تقتلون خبره، و هؤلاء إما منصوب بتقدير أعني أو منادي بحذف حرف النداء عند من جوز حذف حرف النداء في المبهمات كسيبويه و أتباعه و قيل: أنتم مبتدأ و هؤلاء بمعنى الذين و تقتلون صلته، أي ثم أنتم الذين تقتلون، دِيٰارِهِمْ تَظٰاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسٰارىٰ تُفٰادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ و هذا عند الكوفيين، و أما البصريون فلا يجوزون أن يكون هؤلاء و أولاء و هذا بمعنى الموصول. و قيل: أنتم مبتدأ و هؤلاء خبره بحذف المضاف، أي مثل هؤلاء" تَظٰاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ" قيل: هو حال عن فاعل تخرجون أو عن مفعوله أو كليهما، و التظاهر التعاون من الظهر أي تتعاونون عليهم، و قيل: و لما كان الإخراج من الديار و قتل البعض بعضا مما تعظم به الفتنة، و احتيج فيه إلى زيادة اقتدار عليه، بين الله تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم و العدوان، و فيه دلالة على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة، و لا يشكل هذا بتمكين الله تعالى الظالم من الظلم فإنه كما مكنه فقد زجره بخلاف معين الظالم، فإنه يدعوه إلى الظلم و يحسنه عنده. " وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسٰارىٰ تُفٰادُوهُمْ" قال المفسرون: قريظة و هم قبيلة من يهود خيبر كانوا حلفاء الأوس و النضير، و هم قبيلة أخرى كانوا حلفاء الخزرج، فإذا اقتتلا عاون كل فريق حلفاءه في القتل و تخريب الديار و إخراج أهلها، و إذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فعيرتهم العرب و قالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم، فيقولون أمرنا أن نفديهم و حرم علينا قتالهم، و لكنا نستحيي أن نذل حلفاءنا فذمهم الله على ذلك إذ أتوا ببعض الواجب و تركوا البعض، و قيل: معناه إن يأتوكم أسارى في أيدي الشياطين تتصدون لإنقاذهم بالإرشاد و الوعظ مع تضييعكم أنفسكم، كقوله:" أَ تَأْمُرُونَ النّٰاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ". و أسارى جمع أسرى كسكارى و سكرى، و أسرى جمع أسير كمرضي و مريض، و قيل: أسارى أيضا جمع أسير، و قيل: هو من الجموع التي تركوا مفردها كأنه جمع أسران كعجالي و عجلان. عَلَيْكُمْ إِخْرٰاجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتٰابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمٰا جَزٰاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَكَفَّرَهُمْ بِتَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ وَ نَسَبَهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ وَ لَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُمْ وَ لَمْ " وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرٰاجُهُمْ" متعلق بقوله: و تخرجون فريقا منكم من ديارهم، و ما بينهما اعتراض، و الضمير للشأن أو مبهم، و يفسره إخراجهم أو راجع إلى ما دل عليه يخرجون من المصدر، و إخراجهم تأكيد أو بيان له" أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتٰابِ" يعني الفداء" وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ" يعني حرمة المقاتلة و الأجلاء. و أقول: و يظهر من الخبر أن المراد بالكفر هنا ترك ما أمر الله تعالى به من الكف عن قتلهم و إخراجهم، و كان التعبير عنه بترك ما أمر الله به دون فعل ما نهى الله عنه ليشمل ترك الطاعات أيضا و هو أهم و أعظم، أو لأن المقصود في النهي عن المعاصي حصول أضدادها، فإن النهي عن شرب الخمر الغرض منه حفظ العقل و الغرض من النهي عن الزنا حفظ الأنساب، و عن القتل حفظ النفوس، و هكذا و يظهر مما سيأتي في تأويل الآية بروايات أهل البيت (عليهم السلام) أنها نزلت في ترك القول بإمامة أهل البيت (عليهم السلام)، و ما تفرع على ذلك من قتلهم و إخراجهم عن الإمامة و إخراج أصحابهم كأبي ذر رضي الله عنه عن ديارهم نكتة أخرى أظهر مما ذكرنا كما لا يخفى على المتأمل. " و نسبهم إلى الإيمان" أي الإيمان الظاهري حيث ورد في تفسير النعماني في سياق هذا الخبر، فكانوا كفارا لتركهم ما أمر الله به فنسبهم إلى الإيمان بإقرارهم بألسنتهم على الظاهر دون الباطن، فلم ينفعهم ذلك لقوله" فَمٰا جَزٰاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ" الآية. قال الطبرسي (ره): و مما يسأل في هذه الآية أن ظاهرها يقتضي صحة اجتماع الإيمان و الكفر، و ذلك مناف للصحيح من المذهب؟ و القول فيه: أن المعنى أنهم أظهروا التصديق ببعض الكتاب و الإنكار للبعض، و يحتمل أن يكون المراد بذلك يَنْفَعْهُمْ عِنْدَهُ فَقَالَ فَمٰا جَزٰاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ إِلّٰا خِزْيٌ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يُرَدُّونَ إِلىٰ أَشَدِّ الْعَذٰابِ وَ مَا اللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا تَعْمَلُونَ أنكم إذا اعتقدتم جميع ذلك ثم عملتم ببعضه دون بعض فكأنكم آمنتم ببعضه دون بعض، و هذا يدل على أنه لا ينفعهم الإيمان بالبعض مع الكفر بالبعض الآخر، انتهى. " فَمٰا جَزٰاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ" أي الكفر أو الجمع بين الأمرين" إِلّٰا خِزْيٌ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا" كقتل بني قريظة و سبي نسائهم و ذراريهم، و أجلاء بني النضير لنقض عهدهم و ضرب الجزية على غيرهم، و الخزي ذل يستحيي منه، يقال: أخزاه الله أي إهانة و أوقعه موقعا يستحيي منه، و تنكير خزي يدل على فظاعة شأنه و أنه بلغ مبلغا لا يعرف كنهه. " إِلىٰ أَشَدِّ الْعَذٰابِ" قيل: عذاب منكري الصانع كالدهرية يجب أن يكون أشد فكيف وصف عذاب اليهود بأنه أشد؟ و أجيب أولا بأن كفر العناد أشد فعذابهم أشد، و ثانيا بأن المراد أن عذابهم أشد من الخزي لا مطلقا" وَ مَا اللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا يَعْمَلُونَ" قيل: هذا وعيد شديد للعاصين، و بشارة عظيمة للمطيعين، لأن القدرة الكاملة مع عدم الغفلة يقتضي وصول الحقوق إلى مستحقيها. و أقول: قال الإمام (عليه السلام) في تفسيره: قوله عز و جل:" إِخْرٰاجُهُمْ" و لم يقتصر على أن يقول و هو محرم عليكم لأنه لو قال ذلك لرأي أن المحرم إنما هو مفاداتهم ثم قال عز و جل:" أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتٰابِ" و هو الذي أوجب عليكم المفاداة" وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ" و هو الذي حرم قتلهم و إخراجهم، فقال فإذا كان قد حرم الكتاب قتل النفوس و الإخراج من الديار كما فرض فداء الأسراء فما بالكم تطيعون في بعض و تعصون في بعض؟ كأنكم ببعض كافرون و ببعض مؤمنون، ثم قال عز و جل:" فَمٰا جَزٰاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ" يا معشر اليهود" إِلّٰا خِزْيٌ" ذل" فِي وَ الْوَجْهُ الْخَامِسُ مِنَ الْكُفْرِ كُفْرُ الْبَرَاءَةِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَحْكِي قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ ع- كَفَرْنٰا بِكُمْ وَ بَدٰا بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةُ وَ الْبَغْضٰاءُ أَبَداً حَتّٰى تُؤْمِنُوا بِاللّٰهِ وَحْدَهُ يَعْنِي تَبَرَّأْنَا مِنْكُمْ وَ قَالَ يَذْكُرُ إِبْلِيسَ وَ تَبْرِئَتَهُ مِنْ أَوْلِيَائِهِ مِنَ الْإِنْسِ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا" جزية تضرب عليه يذل بها" وَ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يُرَدُّونَ إِلىٰ أَشَدِّ الْعَذٰابِ" إلى جنس أشد العذاب، يتفاوت ذلك على قدر تفاوت معاصيهم" وَ مَا اللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا يَعْمَلُونَ" أي يعمل هؤلاء اليهود. ثم قال (عليه السلام): فقال رسول الله: لما نزلت هذه الآية في اليهود، هؤلاء اليهود نقضوا عهد الله و كذبوا رسول الله، و قتلوا أولياء الله أ فلا أنبؤكم بمن يضاهيهم من يهود هذه الأمة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: قوم من أمتي ينتحلون بأنهم من أهل ملتي يقتلون أفاضل ذريتي و أطايب أمتي و يبدلون شريعتي و سنتي، و يقتلون ولدي الحسن و الحسين كما قتل أسلاف هؤلاء اليهود زكريا و يحيى، ألا و إن الله يلعنهم كما لعنهم، و يبعث على بقايا ذراريهم قبل يوم القيامة هاديا مهديا من ولد الحسين (عليه السلام) المظلوم يحرقهم بسيوف أوليائه إلى نار جهنم، إلى آخر الخبر. و قال علي بن إبراهيم: أنها نزلت في أبي ذر رضي الله عنه و فيما فعل به عثمان من إخراجه إلى الربذة و غير ذلك مما أجرى من الظلم عليه، و اعترف بأنه لو وجده أسيرا في أيدي المشركين فداه بجميع ماله، فصار مصداق هذه الآية، و القصة طويلة و سيأتي في المحل المناسب لها إن شاء الله. " يعني تبرأنا منكم" و قد يفرق بين العداوة و البغض بأن العداوة يظهر أثرها بخلاف البغض، أو بأن البغض أشد من العداوة، و في المصباح البغضة بالكسر و البغضاء شدة البغض" مِنْ دُونِ اللّٰهِ أَوْثٰاناً" قد دلت الأخبار الكثيرة على أن أئمة الكفر و الضلالة داخلة فيهم، و الآيات المذكورة صريحة في أن الكفر يطلق على البراءة، و أن كفر البراءة كما يكون بين المؤمن و الكافر كذلك يكون بين الكافرين يَوْمَ الْقِيَامَةِ- إِنِّي كَفَرْتُ بِمٰا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ وَ قَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ أَوْثٰاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً يَعْنِي يَتَبَرَّأُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ و قيل: لعله (عليه السلام) إنما لم يذكر كفر النفاق في هذا الحديث لأنه جعل النفاق قسيما للكفر لا قسما منه لأن فيه إذعانا، و يؤيده قوله سبحانه:" يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ جٰاهِدِ الْكُفّٰارَ وَ الْمُنٰافِقِينَ" حيث عطف أحدهما على الآخر. تأييد قال الراغب في مفرداته: الكفر في اللغة ستر الشيء، و وصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، و الزارع لستره البذر في الأرض، و ليس ذلك باسم لهما، و الكافور اسم أكمام الثمرة التي تكفرها، و كفر النعمة و كفرانها سترها بترك أداء شكرها قال عز و جل:" فَلٰا كُفْرٰانَ لِسَعْيِهِ" و أعظم الكفر جحود الوحدانية أو النبوة أو الشريعة، و الكفران في جحود النعمة أكثر استعمالا، و الكفر في الدين أكثر، و الكفور فيهما جميعا، قال تعالى:" فَأَبىٰ أَكْثَرُ النّٰاسِ إِلّٰا كُفُوراً"" فَأَبَى الظّٰالِمُونَ إِلّٰا كُفُوراً" و يقال منهما كفر فهو كافر، قال في الكفران:" لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ" و قال تعالى: " وَ اشْكُرُوا لِي وَ لٰا تَكْفُرُونِ" و قوله:" وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ الْكٰافِرِينَ" أي تحريت كفران نعمتي، و قال:" لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ". و لما كان الكفران يقتضي جحود النعمة صار يستعمل في الجحود، قال تعالى " وَ لٰا تَكُونُوا أَوَّلَ كٰافِرٍ بِهِ" أي جاحد له و ساتر. و الكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة أو ثلاثها و قد يقال كفر لمن أخل بالشريعة و ترك ما لزمه من شكر الله عليه" قال مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَ مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ" و يدل على ذلك مقابلته بقوله:" وَ مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ" و قال:" يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّٰهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهٰا وَ أَكْثَرُهُمُ الْكٰافِرُونَ" و قوله:" وَ لٰا تَكُونُوا أَوَّلَ كٰافِرٍ بِهِ" أي لا تكونوا أئمة في الكفر فيقتدي بكم، و قوله:" وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ" و عنى بالكافر الساتر للحق فلذلك جعله فاسقا، و معلوم أن الكفر المطلق هو أعظم من الفسق، و معناه من جحد حق الله فقد فسق عن ربه، و لما رأي جعل كل فعل محمود من الإيمان جعل كل فعل مذموم من الكفر. و قال في السحر:" وَ مٰا كَفَرَ سُلَيْمٰانُ وَ لٰكِنَّ الشَّيٰاطِينَ كَفَرُوا" و قال: " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ" إلى قوله" وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ كُلَّ كَفّٰارٍ أَثِيمٍ" و قال:" وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ" إلى قوله:" وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ". و الكفور المبالغ في كفران النعمة، و قوله:" إِنَّ الْإِنْسٰانَ لَكَفُورٌ" و قال" ذٰلِكَ جَزَيْنٰاهُمْ بِمٰا كَفَرُوا وَ هَلْ نُجٰازِي إِلَّا الْكَفُورَ" إن قيل: كيف وصف الإنسان هيهنا بالكفور و لم يرض بذلك حتى أدخل عليه إن و اللام كل ذلك تأكيدا و قال في موضع آخر: و كره إليكم الكفر" و قوله عز و جل:" إِنَّ الْإِنْسٰانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ" فتنبيه على ما ينطوي عليه الإنسان من كفران النعمة و قلة ما يقوم بأداء الشكر، و على هذا قوله:" قُتِلَ الْإِنْسٰانُ مٰا أَكْفَرَهُ" و لذلك قال:" وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ الشَّكُورُ" و قوله:" إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ السَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً" تنبيها أنه عرفه الطريقين كما قال:" وَ هَدَيْنٰاهُ النَّجْدَيْنِ" فمن سالك سبيل الشكر و من سالك سبيل الكفر و قال:" وَ كٰانَ الشَّيْطٰانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً" فمن الكفر و نبه بقوله" كان" أنه لم يزل منذ وجد منطويا على الكفر. و الكفار أبلغ من الكفور، لقوله:" كُلَّ كَفّٰارٍ عَنِيدٍ" و قال:" وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ كُلَّ كَفّٰارٍ أَثِيمٍ" و قال:" إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي مَنْ هُوَ كٰاذِبٌ كَفّٰارٌ" و قال:" وَ لٰا يَلِدُوا إِلّٰا فٰاجِراً كَفّٰاراً" و قد أجرى الكفار مجرى الكفور في قوله: " إِنَّ الْإِنْسٰانَ لَظَلُومٌ كَفّٰارٌ". و الكفار في جمع الكافر المضاد للإيمان أكثر استعمالا لقوله تعالى:" أَشِدّٰاءُ عَلَى الْكُفّٰارِ" و قوله:" لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّٰارَ" و الكفرة في جمع كافر النعمة أكثر استعمالا، و قوله عز و جل:" أُولٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ" أ لا ترى أنه وصف الكفرة بالفجرة، و الفجرة قد يقال للفساق من المسلمين. و قوله" جَزٰاءً لِمَنْ …
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ وُجُوهِ الْكُفْرِ