قَالَ وَ النِّفَاقُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ عَلَى الْهَوَى وَ الْهُوَيْنَا وَ الْحَفِيظَةِ وَ الطَّمَعِ تأول العوج لاختياره، فإذا اختاره فهو يميل به، و قيل: هو إما للاختصار اكتفاء بما سبق، أو للتنبيه على أن تأول العوج أيضا عوج. " و إن اللبس" أي لبس الحق بالباطل و إن كان واحدا" ظُلُمٰاتٌ بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ" ظلمة الباطل و ظلمة القلب، و ظلمة الأعمال المترتبة عليه كذا قيل، أو المعنى أن سلوك هذه الطريقة يوجب تراكم الظلمات الكثيرة لكثرة موارده. باب صفة النفاق و المنافق الحديث الأول: كالسابق و هو تتمته، أفرده المصنف عنه و جعله جزء هذا الباب كما أنه جعل سائر أجزائه أجزاء لأبواب أخر، مرت في أول الكتاب، و النفاق بالكسر فعل المنافق و محله القلب و اشتقاقه إما من نفقت الدابة تفوقا من باب قعد إذا ماتت، لأن المنافق بنفاقه بمنزلة الميت الهالك، أو من نفق البيع نفاقا بالفتح إذا راج، لأن المنافق يروج إيمانه ظاهرا و يخفى باطله باطنا أو من النفق بفتحتين و هو ضرب من الأرض يكون له مخرج من موضع آخر. لأن المنافق يستر نفاقه كما يستر السائر في الأرض نفاقه أي دراهمه و غيرها، أو من النافقاء و هي إحدى جحرتي اليربوع، لأن له جحرتين يقال لإحديهما النافقاء و للأخرى القاصعاء، فإذا دخل عن إحداهما و هي القاصعاء أخرج من الأخرى و هي النافقاء، و فيه تشبيه له باليربوع فإن اليربوع يخرق الأرض من أسفل حتى إذا قارب وجهها أرق التراب، فَالْهَوَى عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى الْبَغْيِ وَ الْعُدْوَانِ وَ الشَّهْوَةِ وَ الطُّغْيَانِ- فَمَنْ بَغَى كَثُرَتْ غَوَائِلُهُ وَ تُخُلِّيَ مِنْهُ وَ قُصِرَ عَلَيْهِ وَ مَنِ اعْتَدَى لَمْ يُؤْمَنْ بَوَائِقُهُ وَ لَمْ يَسْلَمْ قَلْبُهُ وَ لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَ مَنْ لَمْ يَعْذِلْ نَفْسَهُ فِي الشَّهَوَاتِ خَاضَ فِي الْخَبِيثَاتِ وَ مَنْ طَغَى فإذا رابه شيء دفع التراب برأسه و خرج، فظاهر جحرة تراب و باطنه خفر، و كذا المنافق ظاهره إيمان و باطنه كفر، و يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل فيه. " على الهوى و الهوينا" قد مر تفسير الهوى و قيل: إنه ميل النفس إلى مقتضى طباعها و خروجها عن حدود الله عز و جل، و هو أشد جاذب عن قصد الحق و أعظم ساد عن سلوك سبيله و أقوى باعث على سلوك سبيل النفاق، و قال في النهاية: الهوينا تصغير الهونى تأنيث الأهون، و هو من الهون الرفق و اللين و التثبت، انتهى. و المراد هنا التهاون في أمر الدين و ترك الاهتمام فيه كما هو طريقة المتقين، و قيل: هي الفتنة الصغرى التي تجر إلى الكبرى، و الفتن تترتب كبراها على صغراها، و المؤمن يترك الصغرى فضلا عن الكبرى، و قال الجوهري: الحفيظة الغضب و الحمية، و قال: بغى عليه بغيا علا و ظلم و استطال و كذب و في مشيه اختال، و قال: العدوان الظلم الصراح، و قد عدا عليه و تعدى عليه و اعتدى كله بمعنى، و التعدي مجاوزة الشيء إلى غيره، و قال: طغا يطغى و يطغو طغيانا: جاوز الحد، و قال: فلان قليل الغائلة و المغالة أي الشر، و الغوائل الدواهي" و تخلي" على بناء المجهول،" و منه" نائب مناب الفاعل، و كذا" قصر" و" عليه" يقال: تخلى منه و عنه تركه، أي يخليه الله مع الشيطان و غلب عليه، لسلب توفيق الله منه، و البوائق الدواهي و الشرور" و لم يسلم قلبه" على بناء المجرد، أي من الآفات و الأمراض النفسانية. " و من لم يعذل نفسه" في المصباح عذلته عذلا من بابي ضرب و قتل لمته، فاعتذل، أي لام نفسه و رجع، انتهى. ضَلَّ عَلَى عَمْدٍ بِلَا حُجَّةٍ وَ الْهُوَيْنَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى الْغِرَّةِ وَ الْأَمَلِ وَ الْهَيْبَةِ وَ الْمُمَاطَلَةِ وَ ذَلِكَ و في بعض النسخ بالدال المهملة، فهو على بناء التفعيل، و تعديله هو أن تقتصر على الحلال و لم تتجاوز إلى الحرام، و الأول أكثر و أظهر، و في" ل" و من لم يعزل نفسه عن الشهوات بالزاي، و له وجه خاص أي دخل في الخبيثات أي الخصال الدنية و الأفعال الرديئة." و من طغى" أي جاوز حده و ادعى ما لم يكن له و لم يتصف به، و قيل: ارتكب الكبائر و أصر عليها، و الأول أظهر" ضل على عمد" لأنه عارف بنفسه بلا حجة له عند الله و الغرة بالكسر الغفلة، و هي هنا الغفلة عن ربه و عن عدوه الأكبر، و عما خلق لأجله، و عما يؤول إليه أمره، أو الاغترار بالأماني و الآمال، و برحمة الله و شفاعة الشفعاء، أو بكثرة الأعمال مع غفلته عن شرائطها. و الأمل الرجاء، قال في المصباح: أملته أملا من باب طلب و هو ضد اليأس، و أكثر ما يستعمل فيما يستبعد حصوله قال زهير:" أرجو و آمل أن تدنو مودتها" و من عزم إلى بلد بعيد يقول أملت الوصول و لا يقول طمعت إلا إذا قرب منها، و الرجاء بين الأمل و الطمع فإن الراجي قد يخاف أن لا يحصل مأمولة، انتهى. و تطويل الأمل هو أن يأمل أمورا يتوقف حصوله على عمر طويل، و هو إنما يكون بأن يعد الموت منه بعيدا و هذا يصير سببا لأن يجترئ على المعاصي و يسوف التوبة و يتوغل في الدنيا و يبني ما لا يسكنه، و يحصل ما لا ينتفع به، و لذا ورد: من أطال الأمل أساء العمل، و قد قال سبحانه:" رُبَمٰا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كٰانُوا مُسْلِمِينَ، ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" و قد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: أن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان اتباع الهوى و طول الأمل فإن اتباع الهوى يصد عن الحق، و طول الأمل ينسى الآخرة. و المطل و المماطلة: التسويف بالعدة و الدين" و ذلك بأن الهيبة" أي المهابة بِأَنَّ الْهَيْبَةَ تَرُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَ الْمُمَاطَلَةَ تُفَرِّطُ فِي الْعَمَلِ حَتَّى يَقْدَمَ عَلَيْهِ الْأَجَلُ وَ لَوْ لَا الْأَمَلُ عَلِمَ الْإِنْسَانُ حَسَبَ مَا هُوَ فِيهِ وَ لَوْ عَلِمَ حَسَبَ مَا هُوَ فِيهِ مَاتَ خُفَاتاً مِنَ الْهَوْلِ و المخافة من غير الله" و المماطلة" أي صاحبها و الإسناد مجازي" حتى يقدم عليه" أي على المماطل بقرينة المقام، و قيل: الضمير للعمل، و الأجل آخر العمر. " حسب ما هو فيه" بالتحريك أي حسابه و قدره و عدده، و ما هو فيه عمره و عمله إشارة إلى قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و يحتمل التدبير لكنه بعيد، و في القاموس: حسبه حسبا و حسبانا بالضم و حسبانا و حسابا و حسابة و حسبة بكسرهن عده و المعدود محسوب، و حسب محركة و منه هذا بحسب ذا، أي بعدده و قدره و قد يسكن و في الصحاح: حسبته أحسبه بالضم حسبا و حسابا و حسبانا و حسابة إذا عددته، و المعدود محسوب، و حسب و هو فعل بمعنى مفعول، و منه قولهم: ليكن عملك بحسب ذلك أي على قدره و عدده، و احتسبت عليه كذا إذا أنكرت عليه، و احتسبت بكذا أجرا عند الله، و الاسم الحسبة بالكسر و هي الأجر و الجمع الحسب. و في المصباح قال الأصمعي: فلان حسن الحسبة في الأمر أي حسن التدبير و النظر، و جمع الحسبة حسب كعنب، و قيل: هو حسب جمع الحسبة بمعنى الاحتساب و هو إنكار المنكر بجزاء العمل السيء و هو بعيد. و الحاصل على ما ذكرنا أنه لو لا الأمل و الغفلة التي يستلزمها توجه إلى حساب عمره و ما صرفه فيه و ما اكتسبه من المعاصي فيه و تفكر في أنه يمكن أن يأتيه الموت قريبا فيذهب إلى الآخرة بلا عمل و لا زاد، و تفكر في سكرات الموت و أهوال ما بعده و عقبات القيامة و أفزاعها و شدائد العقوبات التي استحقها فكرا صحيحا كان حقه أن يموت فجأة من الهول و الوجل، كما مات همام لما سمع صفات المؤمن، و أما الأمل فيلهيه عن جميع ذلك حتى يأتيه الأجل، و يظهر منه أن في قدر من الأمل و الغفلة حكمة لنظام النوع و بقاء الدنيا، و الإكثار منهما يوجب الشقاوة في العقبى. و في القاموس: خفت خفوتا سكن و سكت و خفاتا أي بالضم مات فجاءة، و الهول وَ الْوَجَلِ وَ الْغِرَّةَ تَقْصُرُ بِالْمَرْءِ عَنِ الْعَمَلِ وَ الْحَفِيظَةُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى الْكِبْرِ وَ الْفَخْرِ وَ الْحَمِيَّةِ وَ الْعَصَبِيَّةِ فَمَنِ اسْتَكْبَرَ الخوف، و الوجل بالتحريك الفزع و هو من آثار الخوف و توابعه. " و الغرة" بالمعاني المتقدمة" تقصر بالمرء عن العمل" أي تجعله قاصرا عن كمال العمل مقصرا فيه، و هو ظاهر و قيل: الفرق بين الغرة و المماطلة أن مع المماطلة شعورا بالعمل و معرفة بثبوته و حقيته، بخلاف الغرة و لذلك ذكر التفريط مع المماطلة، و القصر مع الغرة إذ الشائع في التفريط هو التقصير في الشيء مع العلم به، انتهى. و أقول: على ما ذكرنا من معاني الغرة يظهر الفرق بوجوه أخرى كمالا يخفى على المتدبر. " و الحفيظة على أربع شعب على الكبر" و قد مر أنه ترفع الإنسان و تعظمه بادعاء الشرف و العلو على غيره، أو هو بطر الحق كما مر في الأخبار، قال في النهاية: هو أن يجعل ما جعله الله حقا من توحيده و عبادته باطلا، و قيل: هو أن يتجبر عند الحق فلا يراه حقا، و قيل: هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله" و الفخر" و هو إظهار الفرح و الكمال بالحسب و النسب و المال و نحوها، و ادعاء العظمة و الشرف بذلك، و أما ذكر آلائه تعالى و نعمائه فليس من الفخر كما قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): أنا سيد ولد آدم و لا فخر، أي لا أقوله تبجحا و فخرا و لكن شكر الله تعالى و تحدثا بنعمته. و" الحمية" الأنفة و الغيرة قال الراغب: عبر عن القوة الغضبية إذا ثارت و كثرت بالحمية فقيل: حميت على فلان، أي غضبت عليه، قال تعالى:" حَمِيَّةَ الْجٰاهِلِيَّةِ" و العصبة الأقارب من جهة الأب و العصبية حمايتهم و الدفع عنهم، و التعصب المحاماة و المدافعة و هي و الحمية من توابع الكبر، و كان الفرق بينهما أن الحمية للنفس و العصبية للأقارب، أو الحمية للأهل و العصبية للقبيلة. أَدْبَرَ عَنِ الْحَقِّ وَ مَنْ فَخَرَ فَجَرَ وَ مَنْ حَمِيَ أَصَرَّ عَلَى الذُّنُوبِ وَ مَنْ أَخَذَتْهُ الْعَصَبِيَّةُ جَارَ فَبِئْسَ الْأَمْرُ أَمْرٌ بَيْنَ إِدْبَارٍ وَ فُجُورٍ وَ إِصْرَارٍ وَ جَوْرٍ عَلَى الصِّرَاطِ وَ الطَّمَعُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ الْفَرَحِ وَ الْمَرَحِ وَ اللَّجَاجَةِ وَ التَّكَاثُرِ فَالْفَرَحُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ الْمَرَحُ خُيَلَاءُ وَ اللَّجَاجَةُ بَلَاءٌ لِمَنِ اضْطَرَّتْهُ إِلَى حَمْلِ الْآثَامِ وَ التَّكَاثُرُ " فمن استكبر أدبر عن الحق" لتكبره عن طاعة أئمة الحق و التذلل عند ظهوره" و من فخر فجر" أي كذب أو أذنب بوقوعه في المحارم." و من حمى أصر" أي على الذنوب التي توجبها الحمية من الشتم و الضرب و القتل و إنكار الحق و تقوية الباطل" جار" أي مال عن الحق و ظلم و تعدى لرعاية العشيرة و القبيلة. " فبئس الأمر" الحفيظة لتردده بين الأدبار عن الحق و الفجور و التوسع في الشر و الإصرار علي الباطل و الذنوب" و الجور على الصراط" و كان على بمعنى عن أي ميل عن الصراط المستقيم. " الفرح" أي السرور بما يحصل من الدنيا" و المرح" هو بالتحريك أشد الفرح و كان المراد هنا إظهاره بالتبختر، و هو التمادي في الفعل المزجور عنه، و التكاثر و هو التباهي بالكثرة في الأموال و الأولاد و الأنصار و نحوها،" فالفرح مكروه عند الله" كما قال سبحانه:" إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ"" و المرح خيلاء" هو بالضم و الكسر و المد العجب و التبختر في المشي، و قيل: هو التكبر في كل شيء، و قال ابن دريد: هو التكبر مع جر الإزار، و أنه من كمال التكبر عند العرب. " و اللجاجة بلاء" أي فتنة و محنة" لمن اضطرته" أي اللجاجة" إلى حمل الآثام" الناشئة منها، لأن اللجاجة سبب للمعاصي و الآثام، و لذلك قيل: اللجاجة متولدة من الكبر و غيره من الأمور الفاسدة، و يتولد منها أمور فاسدة أخرى" و التكاثر لهو و لعب" شبه التقلب في أمر الدنيا باللهو و اللعب في الإتعاب بلا منفعة و في المنع عما يوجب منفعة أبدية من أمر الآخرة و شغل القلب عن الله تعالى و عما أراد لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ شُغُلٌ وَ اسْتِبْدَالُ الَّذِي هُوَ أَدْنىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ- فَذَلِكَ النِّفَاقُ وَ دَعَائِمُهُ وَ شُعَبُهُ وَ اللَّهُ قَاهِرٌ فَوْقَ عِبٰادِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ جَلَّ وَجْهُهُ من نوع الإنسان من الأعمال الصالحة و الأخلاق الفاضلة النافعة في الآخرة" و استبدال الذي هو أدنى" و هو الدنيا و زهراتها الفانية" بالذي هو خير" و هو الآخرة و نعمها الباقية. " فذلك النفاق و دعائمه و شعبة" أي أصوله و فروعه المنتجة للبعد من الله و من دينه، فمن تخلص من الجميع فهو مؤمن كامل، و من اتصف بالجميع فهو منافق كامل و من اتصف ببعض دون بعض فهو مذبذب بينهما شبيه بالمنافق إلى أن يستقر أمره فيما شاء الله تعالى. قيل: أحاديث هذا الباب تدل على أن المؤمن أقل وجودا من الكبريت الأحمر إذ لا يخلو أحد من العلماء و الصالحين عن بعض الخصال المذكورة فضلا عن غيرهم. و يمكن أن يقال: هذه الخصال إن كانت لأجل التهاون بالدين أو عدم اعتقاد حقيته كان صاحبها منافقا خارجا عن الإيمان، مشاركا لمنافقي عهد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في الاسم و المعنى، و إن لم يكن لأجل ذلك بل حصلت بمجرد اقتضاء الطبيعة و هوى النفس الأمارة كان مشابها بهم و مشاركا لهم في الاسم دون المعنى، و لا يكون بذلك خارجا عن الإيمان و إن خرج عن كماله، قال المازري: من المخالفين من غلب عليه خصال النفاق و أصر فيها و جعلها طبيعة و عادة له لا من وجدت فيه ندرة، و قال: لا بد من هذا التأويل لأن تلك الخصال قد تجتمع في واحد و لا تخرجه من الإسلام كما اجتمعت في بعض السلف و بعض العلماء، و في إخوة يوسف و أنهم حدثوا فكذبوا و وعدوا و أخلفوا و ائتمنوا فخانوا، مع أنهم لم يكونوا منافقين خارجين عن الإسلام لأن ذلك كان ندرة منهم، و لم يصروا على ما فعلوا، و قال محيي الدين البغوي: هذه ذنوب لا تكفر بها فتحمل على أن من فعلها عادة و تهاونا بالدين يكون منافقا خارجا عن الإسلام، أو على أن المراد بالنفاق معناه اللغوي لأنه لغة إظهار خلاف وَ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَ انْبَسَطَتْ يَدَاهُ وَ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَتُهُ وَ ظَهَرَ أَمْرُهُ وَ أَشْرَقَ ما في الضمير، و من فيه هذه الخصال كذلك فإن الكاذب يظهر أنه صادق و مخلف الوعد يظهر أنه يفي بوعده و كذا في بقيتها" و الله قاهر فوق عباده" إشارة إلى قوله تعالى: " وَ هُوَ الْقٰاهِرُ فَوْقَ عِبٰادِهِ" أي غالب على جميعهم فوقهم بالاستيلاء و القدرة على إيجادهم و إبقائهم و إفنائهم" تعالى ذكره" أي عن النقائص أو عن أن يشبه ذكر المخلوقين أو عين أن يأتي به أحدكما هو حقه. و يؤيد الثاني ما ورد في الدعاء: تعالى ذكرك عن المذكورين. " و جل وجهه" أي ذاته أجل من أن يوصل إلى كنهه أو أنبيائه و حججه (عليهم السلام) أو دينه" و أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ" قوله: خلقه بدل اشتمال لكل شيء أي أحسن خلق كل شيء أو هو بفتح اللام على صيغة الفعل و على التقديرين ناظر إلى قوله سبحانه:" ذٰلِكَ عٰالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهٰادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ" و قد قرئ على الوجهين. قال البيضاوي الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ موفرا عليه ما يستعده و يليق به على وجه الحكمة و المصلحة، و خلقه بدل من كل شيء بدل الاشتمال، و قيل: علم كيف يخلقه عن قوله: قيمة المرء ما يحسنه، أي يحسن معرفته و خلقه مفعول ثان، و قرأ نافع و الكوفيون بفتح اللام على الوصف، انتهى. و يرد عليه أن الإحسان بمعنى العلم لا يتعدى إلى مفعولين. في القاموس: هو يحسن الشيء إحسانا يعلمه، فالظاهر أن يكون على هذا التقدير أيضا بدل اشتمال" و انبسطت يداه" إشارة إلى قوله تعالى:" وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّٰهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمٰا قٰالُوا بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشٰاءُ" و قيل: ثنى اليد مبالغة في الرد و نفي البخل عنه و إثباتا لغاية الجود، فإن غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطيه بيديه، و تنبيها على منح الدنيا و الآخرة و على ما يعطى للاستدراج و ما يعطى للإكرام. و قال الطبرسي (ره): اليد تذكر في اللغة على خمسة أوجه: الجارحة و النعمة، و القوة و الملك، و تحقيق إضافة الفعل، ثم قال: و لما كان الجواد ينفق باليد و الجواد بمسك اليد عن الإنفاق، أضافوا الجود و البخل إلى اليد، فقالوا للجواد: مبسوط اليد، و للبخيل مقبوض الكف، و أنكر الزجاج كون اليد هنا بمعنى النعمة لأنه يكون معناه نعمتاه مبسوطتان، و نعم الله أكثر من أن تحصى، و أجيب بأن المراد مطلق التكرار نحو لبيك و سعديك، ثم قال: و لك أن تحمل المثنى على أنه تثنية جنس، و يكون أحد جنسي النعمة نعمة الدنيا، و الآخرة نعمة الآخرة و النعم الظاهرة و الباطنة كما قال سبحانه:" وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً" و قيل: المراد باليد القوة أي قوتاه بالثواب و العقاب مبسوطتان، انتهى. و أقول: يحتمل أن يكون اليدان كناية عن النعمة و البلاء، فإن منحه تعالى منح لعباده كما قيل في الدعاء: و الخير في يديك، و قيل: كناية عن قبول توبة المذنبين، و إنما كني بذلك لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لأخذه، و إذا كرهه قبضها. " و وسعت كل شيء رحمته" من المؤمن و الكافر، و المكلف و غيره في الدنيا، و أما في الآخرة فهو للمؤمن خاصة كما قال جل شأنه:" وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهٰا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ". " و ظهر أمره" أي وجوده و علمه و قدرته و حكمته بما أظهر في الآفاق و الأنفس، أو دينه و شرائعه في العباد ليقروا له بالعبودية، أو أمره التكويني الدال على كمال نُورُهُ وَ فَاضَتْ بَرَكَتُهُ وَ اسْتَضَاءَتْ حِكْمَتُهُ وَ هَيْمَنَ كِتَابُهُ وَ فَلَجَتْ حُجَّتُهُ وَ خَلَصَ دِينُهُ قدرته" و أشرق نوره" أي أفاض نور الوجود و العلم و الكمالات على جميع المواد القابلة بحسب قابلياتها، و استعداداتها، و قيل: أي علمه في قلوب العارفين أو حجته الدالة على وحدانيته و علو ذاته و صفاته، أو نبوة محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) أو نور الولاية المشار إليه بقوله تعالى:" يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّٰهُ إِلّٰا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ" و الأظهر أنه إشارة إلى قوله سبحانه:" لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَ قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتّٰى جٰاءَ الْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللّٰهِ وَ هُمْ كٰارِهُونَ" قيل: لقد ابتغوا الفتنة، أي تشتت أمرك و تفريق أصحابك" مِنْ قَبْلُ" يعني يوم أحد" وَ قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ" أي دبروا لك المكائد و الحيل و دوروا لآراء في إبطال أمرك" حَتّٰى جٰاءَ الْحَقُّ" أي النصر و التأييد الإلهي" وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللّٰهِ" أي علانية" وَ هُمْ كٰارِهُونَ" أي على زعم منهم. " و فاضت بركته" أي كثرت من فاض الماء يفيض فيضا إذا كثر، و من أسمائه تعالى: الفياض لسعة عطائه و كثرته، و تطلق البركة غالبا على النعم الدنيوية كالرحمة على الأخروية، قال الراغب: أصل البرك صدر البعير، و إن استعمل في غيره يقال له: بركة، و برك البعير ألقى بركة، و اعتبر منه معنى اللزوم و سمي محبس الماء بركة، و البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء قال تعالى:" لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بَرَكٰاتٍ مِنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ" و سمي بذلك لثبوت الخير ثبوت الماء في البركة، و المبارك ما فيه ذلك الخير. " و استضاءت حكمته" أي شريعته أو مصلحته أو علمه بالأشياء و إيجادها على غاية الإتقان، أو ما علمه العباد من الحكم كما قال تعالى:" وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ". " و هيمن كتابه" أي صار كتابه حافظا و شاهدا و رقيبا على كل شيء، لأن فيه تبيان كل شيء أو هو قائم على سائر الكتب رقيب عليها لأنه يشهد لها بالصحة و الأخير أظهر، لأنه ناظر إلى قوله تعالى:" وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتٰابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ". قال البيضاوي: من الكتاب، أي من جنس الكتب المنزلة و مهيمنا عليه و رقيبا على سائر الكتب يحفظها عن التغيير و يشهد لها بالصحة و الثبات، و قرئ على بنية المفعول، أي هو من عليه و حوفظ من التحريف و الحافظ له هو الله تعالى، و الحفاظ في كل عصر، و في القاموس: هيمن الطائر على فراخه رفرف، و على كذا صار رقيبا عليه و حافظا، و المهيمن و تفتح الميم الثانية من أسماء الله تعالى في معنى المؤمن من أمن غيره من الخوف فهو ماء من بهمزتين، قلبت الثانية ياءا ثم الأولى هاء، أو بمعنى الأمين أو المؤتمن أو الشاهد. " و فلجت حجته" أي غلبت حجته الدالة على ربوبيته و توحيده و قدرته و حكمته و ظهرت ظهورا تاما حتى فرقت بين الحق و الباطل أو تمت حجته على العباد، كما قال سبحانه:" قُلْ فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ" أو المراد بالحجة الرسل و الأوصياء (عليهم السلام)" و خلص دينه" أي الدين الذي شرع للعباد خالص عن الكذب و الباطل و الغش، و قيل: الدين الطاعة و فيه تنبيه على أن الطاعة المختلطة بغير وجه الله تعالى ليست طاعة. أقول: هذا إشارة إلى قوله تعالى في الزمر:" إِنّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللّٰهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ" قال البيضاوي: أي محضا له الدين من الشرك و الرياء، ثم قال: ألا لله الدين الخالص، قال: هو أي ألا هو الذي وجب اختصاصه بأن يخلص له الطاعة، فإنه المتفرد بصفات الألوهية و الاطلاع على السرائر و الضمائر ثم قال وَ اسْتَظْهَرَ سُلْطَانُهُ وَ حَقَّتْ كَلِمَتُهُ وَ أَقْسَطَتْ مَوَازِينُهُ وَ بَلَّغَتْ رُسُلُهُ فَجَعَلَ السَّيِّئَةَ ذَنْباً تعالى:" وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ مٰا نَعْبُدُهُمْ إِلّٰا لِيُقَرِّبُونٰا إِلَى اللّٰهِ زُلْفىٰ إِنَّ اللّٰهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مٰا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" ثم قال سبحانه:" قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّٰهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ" إلى أن قال:" قُلِ اللّٰهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مٰا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ". قال الطبرسي: مخلصا له الدين من شرك الأوثان و الأصنام، و الإخلاص له أن يقصد العبد بنيته و عمله إلى خالقه لا جعل ذلك لغرض الدنيا، و الخالص ما لا يشوبه الرياء و السمعة، و لا وجه من وجوه الدنيا، و الدين الخالص الإسلام، و قيل: معناه ألا لله الطاعة بالعبادة التي يستحق بها الجزاء فهذا لله وحده لا يجوز أن يكون لغيره، و قيل: هو الاعتقاد الواجب في التوحيد و العدل و النبوة و الإقرار بها و العمل بموجبها، و البراءة من كل دين سواها، و قال: العبادة الخالصة هي التي لا يشوبها شيء من المعاصي، انتهى. فظهر أن خلوص دينه عبارة عن نفي الشرك الظاهر و الباطن و الجلي و الخفي، كما هو مفاد الآيات البينات" و استظهر سلطانه" الاستظهار بمعنى الظهور و العلو و الغلبة، يقال: ظهر على الحائط إذا علاه، و ظهر علي العدو إذا غلبه، و السلطان يطلق على الحجة و البرهان و الولاية و السلطنة و الزيادات للتأكيد و المبالغة. " و حقت كلمته" أي مواعيده في الثواب و العقاب للمؤمنين و الكفار، و قيل: أي كلامه مطلقا أو القرآن الكريم، و في الأخبار أن كلمات الله هم الحجج (عليهم السلام) و كأنه إشارة إلى قوله سبحانه:" وَ كَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحٰابُ النّٰارِ" و قوله:" كَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ" و قوله:" وَ لٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذٰابِ عَلَى الْكٰافِرِينَ" و قوله:" وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا لٰا مُبَدِّلَ لِكَلِمٰاتِهِ". " و أقسطت موازينه" أي صارت ذا قسط و عدل، و الإسناد مجازي و هو إشارة إلى قوله تعالى:" وَ نَضَعُ الْمَوٰازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيٰامَةِ فَلٰا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً" و قال البيضاوي: القسط العدل يوزن بها صحائف الأعمال، و إفراد القسط لأنه مصدر وصف به للمبالغة، و في المصباح: قسط قسطا من باب ضرب و قسوطا جار و عدل أيضا فهو من الأضداد، قال ابن القطاع، و أقسط بالألف عدل و الاسم القسط. و قال الراغب: القسط هو النصيب بالعدل، قال تعالى:" وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ" و القسط بالفتح هو أن يأخذ قسط غيره و ذلك جور، و الأقساط أن يعطي قسط غيره و ذلك إنصاف، و لذلك قيل: قسط الرجل إذا جار و أقسط إذا عدل، قال تعالى:" وَ أَمَّا الْقٰاسِطُونَ فَكٰانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً" و قال:" وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"." فجعل السيئة" الفاء لبيان تبليغ الرسل، و السيئة الفعلة القبيحة ضد الحسنة، سواء كان من القول أو الفعل أو العقد، و الذنب ما يوجب العقوبة أي جعل الأفعال التي يستقبحها العقول السليمة موجبة للعقوبة حيث نهى عنها و حرمها و أوعد عليها،" و الذنب فتنة" أي ضلالة عن الحق أو افتتانا و امتحانا، فإن التكاليف كلها ابتلاء أو سبب للافتتان بالدنيا و استيلاء الشيطان عليه، أو عذابا و عقوبة، و في القاموس: الفتنة بالكسر الخبرة و إعجابك بالشيء و الضلال و الإثم و الكفر و الفضيحة و العذاب، و إذابة الذهب و الفضة و الإضلال و الجنون و المحنة و المال و الأولاد، و اختلاف الناس في الآراء. و أقول: أكثر المعاني هنا مناسبة. وَ الذَّنْبَ فِتْنَةً وَ الْفِتْنَةَ دَنَساً وَ جَعَلَ الْحُسْنَى عُتْبَى وَ الْعُتْبَى تَوْبَةً وَ التَّوْبَةَ طَهُوراً فَمَنْ " و الفتنة دنسا" أي وسخا تتوسخ به النفس و القلب فتذهب نورهما و صفائهما كما قال تعالى:" كَلّٰا بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ"" و جعل الحسنى" أي الفعلة الحسنى و هي الأعمال الحسنة مقابل السيئة أو الكلمة الحسني و هي العقائد الحقة و العتبي الرضا أي سببا لرضا الخالق أو الرجوع من الذنب و الإساءة و العصيان إلى الطاعة و التوبة و الإحسان، و قيل: أي جعل الأعمال الحسنة بمنزلة التوبة ما حية للذنوب، فهو ناظر إلى قوله تعالى:" إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ" و يحتمل أن يكون المعنى أن العاقبة الحسنى إنما تحصل بالعتبى و التوبة كما قال:" لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنىٰ وَ زِيٰادَةٌ" و قال تعالى:" وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنىٰ، و كَذَّبَ بِالْحُسْنىٰ" و قال:" وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى"" إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنىٰ"" وَ تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنىٰ" و مثله كثير. و قال الراغب: الفرق بين الحسن و الحسنة و الحسنى أن الحسن يقال في الأعيان و الأحداث، و كذلك إذا كانت وصفا، و إذا كانت اسما فمتعارف في الأحداث، و الحسنى لا يقال إلا في الأحداث دون الأعيان. " و العتبي توبة" أي اكتفي بترك الذنب و الندامة عليها مع العزم على الترك توبة ماحية للذنب. " و التوبة طهورا" أي مطهرا من دنس العصيان و لوث الخطايا" فمن تاب اهتدى" إلى الحق و سبيل النجاة" و من افتتن" بالأدناس أي الذنوب الموجبة للدنس" غوى" عن سبيل الحق و النجاة و ضل. تَابَ اهْتَدَى وَ مَنِ افْتُتِنَ غَوَى مَا لَمْ يَتُبْ إِلَى اللَّهِ وَ يَعْتَرِفْ بِذَنْبِهِ وَ لَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالِكٌ اللَّهَ اللَّهَ فَمَا أَوْسَعَ مَا لَدَيْهِ مِنَ التَّوْبَةِ وَ الرَّحْمَةِ …
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ صِفَةِ النِّفَاقِ وَ الْمُنَافِقِ