الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ٢

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ قُلْتُ لَهُ فَمَا تَقُولُ فِي مُنَاكَحَةِ النَّاسِ فَإِنِّي قَدْ بَلَغْتُ مَا تَرَاهُ وَ مَا تَزَوَّجْتُ قَطُّ فَقَالَ وَ مَا يَمْنَعُكَ مِنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ مَا يَمْنَعُنِي إِلَّا أَنَّنِي أَخْشَى أَنْ لَا تَحِلَّ لِي مُنَاكَحَتُهُمْ فَمَا تَأْمُرُنِي فَقَالَ فَكَيْفَ تَصْنَعُ وَ أَنْتَ شَابٌّ أَ تَصْبِرُ قُلْتُ أَتَّخِذُ الْجَوَارِيَ قَالَ فَهَاتِ الْآنَ فَبِمَا تَسْتَحِلُّ الْجَوَارِيَ قُلْتُ إِنَّ الْأَمَةَ لَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ إِنْ رَابَتْنِي بِشَيْءٍ بِعْتُهَا وَ اعْتَزَلْتُهَا قَالَ فَحَدِّثْنِي بِمَا اسْتَحْلَلْتَهَا نفس الأمر، فلذا نقلوا الإجماع على دخولهم في النار، و إن أرادوا بذلك كونهم كافرين باطنا و ظاهرا فهو ممنوع، و لا دليل عليه بل الدليل قائم على إسلامهم ظاهرا كقوله (عليه السلام): أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. الحديث الثاني: مرسل. " أخشى أن لا تحل لي مناكحتهم" منشأ الخشية ما عرفت من إصرار زرارة علي نفي الواسطة بين الإيمان و الكفر، و أن المخالفين كلهم و لو كانوا من فرق الشيعة غير الإمامية كفار عنده يجري عليهم جميع أحكام الكفار في الدنيا و الآخرة. " قال: فهات الآن" هات اسم فعل بمعنى أعطني، و الحاصل أن وطي الكافرة حرام لا سيما من غير أهل الكتاب، كما أن نكاح الكافرة حرام فبما تفرق بينهما" إن رابتني بشيء بعتها" يقال: رابه و أرابه أي شككه و أوهمه، و لعله توهم الفرق بين الحرة و الأمة، بأن الحرة إذا لم توافقه و ظهرت منه أمارات المخالفة و طلقها ذهبت بطلاقة، و ربما شهرته بالتشيع و فيه قباحة أيضا عرفا بخلاف الأمة، فإنه يمكن بيعها و لا يقبل منها ما يقبل من الحرة و ليس فيه عار. و قوله (عليه السلام): بما استحللتها، إثبات الألف مع حرف الجر شاذ، أي أنك قبل أن تدخلها في دينك و تكلمها في ذلك كيف جاز لك وطيها على زعمك، و قيل: لما لم يكن الجواب مطابقا للسؤال عاد (عليه السلام) السؤال بعينه للتنبيه على خطائه، قوله قَالَ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي جَوَابٌ فَقُلْتُ لَهُ فَمَا تَرَى أَتَزَوَّجُ فَقَالَ مَا أُبَالِي أَنْ تَفْعَلَ قُلْتُ أَ رَأَيْتَ قَوْلَكَ مَا أُبَالِي أَنْ تَفْعَلَ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى جِهَتَيْنِ تَقُولُ لَسْتُ أُبَالِي أَنْ تَأْثَمَ مِنْ غَيْرِ أَنْ آمُرَكَ فَمَا تَأْمُرُنِي أَفْعَلُ ذَلِكَ بِأَمْرِكَ فَقَالَ لِي قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)تَزَوَّجَ وَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ امْرَأَةِ نُوحٍ وَ امْرَأَةِ لُوطٍ مَا قَدْ كَانَ إِنَّهُمَا قَدْ كٰانَتٰا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبٰادِنٰا تقول لست أبالي، لعله أحال الوجه الآخر على الظهور فأجاب (عليه السلام) باختيار الوجه المتروك ضمنا و كناية و كأنه سقط الشق الآخر من النساخ، و يؤيده أنه ذكر هذا الحديث أبو عمرو الكشي في ترجمة زرارة بأدنى تغيير في اللفظ، و قال فيه يعني زرارة فتأمرني أن أتزوج قال له ذاك إليك" قال: فقال زرارة" هذا الكلام ينصرف على ضربين إما أن لا تبالي أن أعصي الله إذا لم تأمرني بذلك، و الوجه الآخر أن يكون مطلقا لي قال فقال عليك بالبلهاء إلى آخر الخبر. " تزوج" أي بعائشة و حفصة مع أنهما فعلتا ما فعلتا من إيذائه (صلى الله عليه و آله و سلم) و الخيانة معه و إفشاء سره و ما ظهر له من نفاقهما كما ذكره الله تعالى في القرآن، و مثل حالهما بحال امرأة نوح و امرأة لوط في أنهما بالنفاق و استبطان الكفر و عدم الإخلاص كفرتا و خرجتا من الإيمان فلم يغن نوح و لوط عنهما من عذاب الله شيئا من الإغناء بحق الزواج حتى يقال لهما عند الموت أو في القيامة: أدخلا النار مع سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم و بين الأنبياء. و ذكر امرأة نوح و امرأة لوط يحتمل وجهين: أحدهما الاستدلال بفعل النبيين على الجواز، و فيه أن شريعة من قبلنا ليست بحجة علينا، و الثاني الاستدلال على نفاق امرأتي الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و كفرهما بالتمثيل المذكور في الآية و هو أظهر، فالمعنى أن الله مثل حالهما بحال المرأتين و خيانتهما بخيانتهما، و خيانة امرأتي الرسولين لم تكن فجورا بل إنما كانت نفاقها و إبطانهما الكفر و تظاهرهما على الرسولين و لذا خلدتا في النار و لم ينفعهما شفاعة الرسولين على الله تعالى، و قد قال المفسرون صٰالِحَيْنِ فَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)لَيْسَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَتِي إِنَّمَا هِيَ تَحْتَ يَدِهِ وَ هِيَ مُقِرَّةٌ بِحُكْمِهِ مُقِرَّةٌ بِدِينِهِ قَالَ فَقَالَ لِي مَا تَرَى مِنَ الْخِيَانَةِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَخٰانَتٰاهُمٰا مَا يَعْنِي بِذَلِكَ إِلَّا الْفَاحِشَةَ وَ قَدْ زَوَّجَ- رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فُلَاناً قَالَ قُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ مَا تَأْمُرُنِي أَنْطَلِقُ فَأَتَزَوَّجُ بِأَمْرِكَ فَقَالَ لِي إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَعَلَيْكَ بِالْبَلْهَاءِ مِنَ النِّسَاءِ قُلْتُ وَ مَا الْبَلْهَاءُ قَالَ ذَوَاتُ الْخُدُورِ الْعَفَائِفُ- فَقُلْتُ مَنْ هِيَ عَلَى دِينِ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ قَالَ لَا فَقُلْتُ مَنْ هِيَ عَلَى امرأة نوح قالت لقومه إنه مجنون، و امرأة لوط دلت قومه على ضيفانه، و لما كانت المرأتان مع نفاقهما تحت الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) لإظهارهما الإسلام فيجوز نكاح المخالفات لذلك، و قوله (عليه السلام): إنهما قد كانتا، نقل للآية بالمعنى. قوله (عليه السلام): ما يعني بذلك إلا الفاحشة، يحتمل وجهين: الأول أن يكون استفهاما إنكاريا فالمراد بالفاحشة الزنا كما هو الشائع في استعمالها، و الثاني أن يكون نفيا و يكون المراد بالفاحشة الذنب العظيم و هو الشرك و الكفر، كما قال المفسرون في قوله تعالى:" وَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً قٰالُوا وَجَدْنٰا عَلَيْهٰا آبٰاءَنٰا وَ اللّٰهُ أَمَرَنٰا بِهٰا" و هو أظهر و فيه رد لقول زرارة و هي مقرة بحكمه و دينه إذ علاقة الزوجية لا تستلزم ذلك، لظهور الفاحشة منهما. " و قد زوج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فلانا" أي عثمان، هذا أيضا رد لما توهمه فإن الأمر هناك كان بالعكس، إذا لمرأة تحت يد الزوج، و هو مسلط عليها، و ظاهره جواز تزويج المؤمنة بالمخالف كما ذهب إليه المفيد و المحقق و المشهور المنع لأخبار كثيرة حملاها على الكراهة جمعا و الإجماع الذي ادعوه على المنع غير ثابت، و الأحوط الترك و سيأتي القول فيه و في عكسه في محلهما إن شاء الله. ثم لما استشعر زرارة من الكلام المذكور الرخصة في تزويجهن أراد أن دِينِ رَبِيعَةِ الرَّأْيِ فَقَالَ لَا وَ لَكِنَّ الْعَوَاتِقَ اللَّوَاتِي لَا يَنْصِبْنَ كُفْراً وَ لَا يَعْرِفْنَ مَا تَعْرِفُونَ قُلْتُ وَ هَلْ تَعْدُو أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً أَوْ كَافِرَةً فَقَالَ تَصُومُ وَ تُصَلِّي وَ تَتَّقِي اللَّهَ يصرح بذلك فقال: ما تأمرني؟ إلخ، فقال (عليه السلام): إن كنت فاعلا فعليك بالبلهاء من النساء، أي المستضعفة الكريمة الأخلاق القريبة من قبول الحق، قال الجوهري: رجل أبله بين البله و البلاهة، و هو الذي غلبت عليه سلامة الصدر، و قد بله بالكسر و تبله و المرأة بلهاء، و في الحديث أكثر: أهل الجنة البله، يعني البلة في أمر الدنيا لقلة اهتمامهم بها و هم أكياس في أمر الآخرة، و في القاموس: رجل أبله أي غافل أو عن الشر أو أحمق لا تمييز له، و الميت الداء أي من شره ميت، و الحسن الخلق القليل الفطنة لمداق الأمور أو من غلبته سلامة الصدر، و البلهاء المرأة الكريمة المريرة العزيزة المغفلة، و في المصباح: بله بلها من باب تعب ضعف عقله فهو أبله و الأنثى بلهاء، و الجمع بله مثل أحمر و حمراء و حمر، و من كلام العرب خير أولادنا الأبله الغفول، المعنى أنه لشدة حيائه كالأبله فيتغافل فيتجاوز، فشبه ذلك بالبله، انتهى. و ما فسره (عليه السلام) بيان لحاصل المعنى بذكر بعض صفاتها، و في النهاية: الخدر بالكسر ناحية في البيت يترك عليها ستر فتكون فيه الجارية البكر خدرت فهي مخدرة و جمع الخدر الخدور، و العفائف جمع العفيفة و هي المرأة الممتنعة من القبائح حياءا من عف عن الشيء يعف من باب ضرب عفة بالكسر و عفافا بالفتح امتنع منه، و الجواري إذا كن كذلك لم يسمعن شبه المخالفين، و لم تستقر في أنفسهن فهن أقرب إلى قبول الحق و دين الأزواج، و هن من المستضعفات اللواتي لا ينصبن الحق و أهله، و أبعد من سوء الأخلاق و نصب أهل البيت (عليهم السلام) و لما كان نفي الواسطة مستقرا في نفس زرارة عاد في السؤال، و قال: أ يجوز لي أن أتزوج من كان على دين سالم بن أبي حفصة، و هو كان من رؤساء الزيدية. وَ لَا تَدْرِي مَا أَمْرُكُمْ فَقُلْتُ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ لَا وَ اللَّهِ لَا يَكُونُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَ لَا كَافِرٍ قَالَ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَوْلُ اللَّهِ أَصْدَقُ مِنْ قَوْلِكَ يَا زُرَارَةُ أَ رَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ و روى الكشي روايات كثيرة تدل على أن الصادق (عليه السلام) لعنه و كذبه و كفره، و ربيعة الرأي من فقهاء العامة، قال الشيخ في الرجال: ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ المعروف بربيعة الرأي المدني الفقيه عامي روى عن السجاد و الباقر (عليهما السلام). و قال المطرزي في المغرب: الرأي ما ارتآه الإنسان و اعتقده، و منه ربيعة الرأي بالإضافة فقيه أهل المدينة، و في القاموس: هو شيخ مالك و كأنه (عليه السلام) إنما نفي من كان على رأيهما لأنه علم أن مراده المتعصبات منهن لا المستضعفات لأن ظاهر سياق كلامه أنه قال ذلك على سبيل التشنيع و الإلزام. و في النهاية: العاتق الشابة أول ما تدرك، و قيل: هي التي لم تبن من والديها و لم تتزوج و قد أدركت و شبت، و يجمع على العتق و العواتق. " فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ" استدل زرارة بهذه الآية على انحصار الناس في المؤمن و الكافر و هي ليست صريحة في ذلك، و ليس فيها ما يدل على الحصر، و لو كانت ظاهرة فيه فلا بد من تأويلها لوجود المعارض، و أيضا قد عرفت أن للكفر إطلاقات كثيرة، فيمكن أن يكون الكفر في هذه الآية بمعنى عدم الإيمان، و في الآيات الدالة على الخلود و النهي عن المناكحة و غيرها بمعنى الجحود فلا تنافي بينهما، و لعله (عليه السلام) لم يتعرض لجوابه لظهوره، و ذكر ما يدل على أن المراد بالآية غير ما فهمه زرارة و إلا لزم التنافي بين الآيات، و قد بينا ذلك في الأخبار السابقة. و أشار (عليه السلام) إلى هذا بقوله: قول الله أصدق من قولك، فنسب ما فهمه من الآية إلى قوله إيذانا بأنه ليس ما فهمته مرادا من الآية. عَزَّ وَ جَلَّ- خَلَطُوا عَمَلًا صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا قَالَ عَسَى فَقُلْتُ مَا هُمْ إِلَّا مُؤْمِنِينَ أَوْ كَافِرِينَ- قَالَ فَقَالَ مَا تَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ- إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ لٰا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لٰا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا إِلَى الْإِيمَانِ فَقُلْتُ مَا هُمْ إِلَّا مُؤْمِنِينَ أَوْ كَافِرِينَ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ وَ لَا كَافِرِينَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ مَا تَقُولُ فِي أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ فَقُلْتُ مَا هُمْ إِلَّا مُؤْمِنِينَ أَوْ كَافِرِينَ إِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ فَهُمْ مُؤْمِنُونَ وَ إِنْ دَخَلُوا النَّارَ فَهُمْ كَافِرُونَ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ وَ لَا كَافِرِينَ وَ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ لَدَخَلُوا الْجَنَّةَ كَمَا دَخَلَهَا الْمُؤْمِنُونَ وَ لَوْ كَانُوا كَافِرِينَ لَدَخَلُوا النَّارَ كَمَا دَخَلَهَا الْكَافِرُونَ وَ لَكِنَّهُمْ قَوْمٌ قَدِ " فلما قال عسى فقلت" الظاهر أن مراده أنه لم يصبر زرارة حتى يتم (عليه السلام) الآية، و بادر بالجواب بإعادة مطلوبه مرة أخرى، و قيل: المراد أنه لما استدل (عليه السلام) بقوله عسى على أنه ليس بمؤمن لأن المؤمن يدخل الجنة قطعا، و لا بكافر لأنه معذب البتة قلت: إن ي(رحمه الله) فهو في علم الله مؤمن، و إن يعذبه فهو في علم الله كافر" إن دخلوا الجنة فهم مؤمنون" و ذلك لما تقرر عنده أن الجنة لا يدخلها إلا مؤمن" و إن دخلوا النار فهم كافرون" لما تقرر عنده أن النار لا يدخلها إلا كافر، و المقدمتان ممنوعتان لأن الجنة قد يدخلها غير المؤمن برحمة الله، و النار قد يدخلها غير الكافر بذنب غير الكفر. قوله (عليه السلام): لدخلوا الجنة، أي ابتداء من غير توقف أو بسبب الإيمان كما دخلها المؤمنون كذلك، و هذا لا ينافي دخولهم فيها بالرحمة" لدخلوا النار" أي ابتداء أو بسبب الكفر كما دخلها الكافرون كذلك، و هذا لا ينافي دخولهم فيها بذنوب غير الكفر، إما مع الخلود أو بدونها" استوت حسناتهم و سيئاتهم" قيل: كان المراد بهما الإقرار و الإنكار و باستوائهما عدم رجحان أحدهما على الآخر أو الأعم اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَ سَيِّئَاتُهُمْ فَقَصُرَتْ بِهِمُ الْأَعْمَالُ وَ أَنَّهُمْ لَكَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- فَقُلْتُ أَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُمْ أَمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ اتْرُكْهُمْ حَيْثُ تَرَكَهُمُ اللَّهُ قُلْتُ أَ فَتُرْجِئُهُمْ قَالَ نَعَمْ أُرْجِئُهُمْ كَمَا أَرْجَأَهُمُ اللَّهُ إِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ منهما و من الأعمال الصالحة و الذنوب. " فقصرت بهم الأعمال" أي لم تبلغ بهم الأعمال الحسنة إلى مقصدهم و هو الجنة، قال في المصباح: قصرت بنا النفقة أي لم تبلغ بنا إلى مقصدنا، فالباء للتعدية" لكما قال الله عز و جل": أقول: ظاهر الخبر أن أصحاب الأعراف يوقفون ابتداء فيها ثم يساقون إما إلى الجنة أو إلى النار، و لا يبقون فيها كما قال بعض المفسرين إن في الدرجة الأدنى من الأعراف قوم تساوت حسناتهم و سيئاتهم، أوقفهم الله عليها لأنها درجة متوسطة بين الجنة و النار، ثم تؤول عاقبة أمرهم إلى الجنة برحمة الله و فضله، كما قال عز و جل:" لَمْ يَدْخُلُوهٰا وَ هُمْ يَطْمَعُونَ" أي لا يطمعون دخولها بعملهم، بل بفضل الله و إحسانه أن ينقلهم من ذلك الموضع إلى الجنة. " فقلت: من أهل الجنة هم أم من أهل النار" كان غرضه الإلزام بأنهم إن كانوا من أهل الجنة فهم مؤمنون، و إن كانوا من أهل النار فهم كافرون" فقال: اتركهم حيث تركهم الله" أي يحتمل فيهم الأمران، و لا ينافي عدم كونهم مؤمنين و لا كافرين" قلت أ فترجئهم" كان مراده أن هذا مذهب المرجئة و هو باطل، لأن مذهب المرجئة عدم الحكم بإيمان أحد و كفر أحد مطلقا و هذا الإرجاء ليس في المذهب، و إنما هو إرجاء في الثواب و العقاب، و بالنسبة إلى جماعة مخصوصة، و قيل: أي أ فتوقعهم في الرجاء و الطمع للمغفرة و لا تحكم بكفرهم" برحمته" أي لا بإيمانهم لعدمه" بذنوبهم" أي لا بكفرهم لعدمه" و لم يظلمهم" إذ لا ظلم في العقوبة مع الاستحقاق بالذنوب. بِرَحْمَتِهِ- وَ إِنْ شَاءَ سَاقَهُمْ إِلَى النَّارِ بِذُنُوبِهِمْ وَ لَمْ يَظْلِمْهُمْ فَقُلْتُ هَلْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ كَافِرٌ قَالَ لَا قُلْتُ فَهَلْ يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا كَافِرٌ قَالَ فَقَالَ لَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ يَا زُرَارَةُ إِنَّنِي أَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَنْتَ لَا تَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَمَا إِنَّكَ إِنْ كَبِرْتَ رَجَعْتَ وَ تحَلَّلَتْ عَنْكَ عُقَدُكَ " هل يدخل الجنة كافر؟ قال: لا" إنما لم يستثن (عليه السلام) فيه لأنه لا يحتاج إلى استثناء، نعم لو قال مكان كافر غير مؤمن لاحتاج إلى الاستثناء، و أما المقدمة الثانية فتحتاج إلى الاستثناء لأنه يمكن أن يدخل النار غير الكافر من الفساق و المستضعفين. " رجعت و تحللت عنك عقدك" في القاموس: تحلل في يمينه استثنى، و حل العقد نقضها فانحلت، و قال: عقد الحبل و البيع و العهد يعقده شده، و العقد الضمان، و العهد و العقد بالكسر القلادة، و العقدة بالضم الولاية على البلد، و الجمع كصرد و الضيعة و العقار الذي اعتقده صاحبه ملكا، و موضع العقد و هو ما عقد عليه، و البيعة المعقودة لهم، و تحللت عقده سكن غضبه، و في المصباح: عقدت الحبل عقدا من باب ضرب فانعقد، و العقدة ما يمسكه و يوثقه، و منه قيل: عقدت البيع و اليمين، و عقدة النكاح و غيره إحكامه و إبرامه. فإذا عرفت هذا فهذا الكلام يحتمل وجوها" الأول": أن يكون العقد بضم العين و فتح القاف جمع العقدة بالضم و المراد أنك إن كبر سنك رجعت عن هذا المذهب الباطل الذي استقر في نفسك و انحلت عنك العقد التي في قلبك من الشكوك و الشبهات في ذلك، استعار العقد للشبهات و هي شائعة في المحاورات بين الناس، و هذا أظهر الوجوه، و من قرأ تحللت بصيغة المتكلم فهو تصحيف إذ لم أجده في اللغة متعديا. الثاني: أن يكون المراد بتحلل العقد سكون غضبه على المخالفين كما مر في القاموس. الثالث: ما ذكره الكشي بعد إيراد هذه الرواية، حيث قال: و أصحاب زرارة يقولون رجعت عن هذا الكلام و تحللت عنك عقد الإيمان، انتهى. و لعل المراد بأصحاب زرارة القائلون بهذا القول الذي كان زرارة عليه أولا فإنهم لما لم يرجعوا عن هذا القول ظنوا أن الإمام (عليه السلام) كان يصوب رأي زرارة باطنا و يتكلم معه ظاهرا للتقية، فأخبر بأنه يرجع بعد كبره عن هذا القول، و يرجع بذلك من الإيمان، أو يضعف إيمانه و لا يخفى ركاكة هذا التأويل إلا أن يكون مرادهم تحلل العقد في مسألة الإيمان، فيرجع إلى ما ذكرنا أولا. الرابع: ما قيل: إن المعنى رجعت عن هذا القول الباطل و تحللت عنك هذه القلادة أو هذا الرأي. الخامس: رجعت عن دين الحق و تحللت عنك هذا العهد و البيعة. و أقول: لا يخفى اشتمال هذا الخبر على قدح عظيم لزرارة، و لم يجعله و أمثاله الأصحاب قادحة فيه، لإجماع العصابة على عدالته و جلالته و فضله و ثقته، و ورد الأخبار الكثيرة في فضله و علو شأنه، و الحق أن علو شأن هؤلاء الأجلاء و كثرة حاسديهم صار سببا للقدح فيهم، و أيضا قدحوا في هذه الرواية بالإرسال، و بمحمد ابن عيسى اليقطيني، و إن كان له مدح و توثيق من بعض الأصحاب، فإنه جزم السيد الجليل ابن طاوس بضعفة، و الصدوق محمد بن بابويه و شيخه ابن الوليد، و قال الشهيد الثاني (قدس سره): فقد ظهر اشتراك جميع الأخبار القادحة في استنادها إلى محمد بن عيسى و هو قرينة عظيمة على ميل و انحراف منه على زرارة مضافا إلى ضعفه في نفسه، و قال السيد جمال الدين بن طاوس و نعم ما قال: و لقد أكثر محمد بن عيسى من القول في زرارة حتى لو كان بمقام عدالة كادت الظنون تسرع إليه بالتهمة فكيف و هو مقدوح فيه.

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الضَّلَالِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.