الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَحْوَلِ عَنْ سَلَّامِ بْنِ الْمُسْتَنِيرِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)فَدَخَلَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ بْنُ أَعْيَنَ وَ سَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ فَلَمَّا هَمَّ حُمْرَانُ بِالْقِيَامِ قَالَ لِأَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)أُخْبِرُكَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ لَنَا وَ أَمْتَعَنَا بِكَ أَنَّا نَأْتِيكَ فَمَا نَخْرُجُ مِنْ عِنْدِكَ حَتَّى تَرِقَّ قُلُوبُنَا وَ تَسْلُوَ أَنْفُسُنَا عَنِ الدُّنْيَا وَ يَهُونَ عَلَيْنَا مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ ثُمَّ نَخْرُجُ مِنْ عِنْدِكَ فَإِذَا صِرْنَا مَعَ النَّاسِ وَ التُّجَّارِ أَحْبَبْنَا الدُّنْيَا قَالَ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ باب في تنقل أحوال القلب الحديث الأول: مجهول. " و تسلو أنفسنا عن الدنيا" في القاموس سلاه و عنه كدعاه و رضيه سلوا و سلوا نسيه، و أسلاه عنه فتسلى" إنما هي القلوب" أي إنما سمي بالقلب لتقلب أحواله" مرة تصعب" أي عن الإقبال على عالم القدس و رفض الدنيا" و مرة تسهل" و تلين و تطيع العقل و تترك الشهوات بسهولة، و وجه ذلك أن سنة الله في عالم الإنسان أن يكون متوسطا بين عالم الملائكة و عالم الشياطين. فالملائكة ثابتون في مقام القدس كما قالوا:" وَ مٰا مِنّٰا إِلّٰا لَهُ مَقٰامٌ مَعْلُومٌ"" وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ" و" يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ لٰا يَفْتُرُونَ" و الشياطين منهمكون في الشرور و الخطيئات داعون إلى المعاصي و السيئات و كذلك البهائم عليه السلام إِنَّمَا هِيَ الْقُلُوبُ مَرَّةً تَصْعُبُ وَ مَرَّةً تَسْهُلُ ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(عليه السلام)أَمَا إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَخَافُ عَلَيْنَا النِّفَاقَ قَالَ فَقَالَ وَ لِمَ تَخَافُونَ ذَلِكَ قَالُوا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ فَذَكَّرْتَنَا وَ رَغَّبْتَنَا وَجِلْنَا وَ نَسِينَا الدُّنْيَا وَ زَهِدْنَا حَتَّى كَأَنَّا نُعَايِنُ الْآخِرَةَ وَ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ وَ نَحْنُ عِنْدَكَ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ وَ دَخَلْنَا هَذِهِ الْبُيُوتَ وَ شَمِمْنَا الْأَوْلَادَ وَ رَأَيْنَا الْعِيَالَ وَ الْأَهْلَ يَكَادُ أَنْ نُحَوَّلَ عَنِ الْحَالِ الَّتِي كُنَّا عَلَيْهَا عِنْدَكَ وَ حَتَّى كَأَنَّا لَمْ نَكُنْ عَلَى شَيْءٍ أَ فَتَخَافُ عَلَيْنَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نِفَاقاً فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)كَلَّا إِنَّ هَذِهِ خُطُوَاتُ الشَّيْطَانِ فَيُرَغِّبُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَ اللَّهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي وَصَفْتُمْ شأنهم الميل إلى الشهوات و الرغبة في اللذات، و الإنسان عالم بين العالمين مركب من النشأتين، فإن له روحا قدسيا و جسدا بهيميا فهو مختلف الشؤون منتقل الأحوال، و لو لم يكن كذلك لم يتيسر له الترقي إلى أعلى مدارج الكمال و أقوى الدواعي إلى الصعود على أحسن الأحوال، و أنفع الجنود لدفع وساوس الشياطين و التخلص عن الأهوال بمجالسة الصالحين و معاشرتهم و متابعتهم في الأقوال و الأفعال كما يرشد إليه هذا الحديث. و الشمم القرب و الدنو، و كان المراد هنا الالتذاذ بقربهم و النظر إليهم تشبيها لهم بالرياحين، و الأهل: الزوجة و ذكرها تخصيص بعد تعميم" كانا لم نكن على شيء" أي من الحالة الأولى. " إن هذه خطوات الشيطان" إشارة إلى قوله تعالى:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ وَ مَنْ يَتَّبِعْ خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَوْ لٰا فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مٰا زَكىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً، وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يُزَكِّي مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" و في القاموس: الخطوة و يفتح ما بين القدمين و الجمع خطا و خطوات، و بالفتح المرة و الجمع خطوات، و المعنى أن ذلك بسبب وساوس الشيطان و أتباعه، فإن وفق الله للتوبة لا يضر ذلك و لا ينتهي إلى النفاق أي باطنكم مؤمن موقن و قد تعرض لكم الغفلة بسبب وساوس الشيطان، حيث أنه لم يكن له تصرف في أيمان المؤمن يتوسل بما يوجب نقص إيمانه، و المنافق باطنه غير مؤمن و هو في الغفلة دائما فبينهما بون بعيد. و قيل: ينبغي أن يعلم أن قلب المؤمن في الحقيقة عرش الرحمن يطوف به قوافل و إرادات من الحق و إلهاماته، و يشرق فيه لوامع أنواره و طوالع إسراره، و لذلك يجب تطهيره عن أدناس التعلقات و أرجاس الشهوات، و قد قيل: له بابان باب شرقي أيمن مفتوح إلى مشرق نور الحق. و حظيرة القدس، يطلع من ذلك الباب شوارق ألطاف الربوبية و المواعظ اللاهوتية، و باب غربي أيسر إلى مغرب الجسد و الأعضاء و منه يظهر آثار تلك الشوارق و المواعظ إلى الأعضاء فتخضع بالأعمال الصالحة تواضعا و يسهل القلب عند ذلك و تتم النعمة ظاهرة و باطنة و كثيرا ما يتصرف فيه الشيطان و يلقي إليه من الباب الغربي كذبا و زورا، و يوحى إليه زخرف القول غرورا فيميله إلى الدنيا و يحدث فيه صداء و رينا، فإن استيقظ من نداء الغيب و دعوة أهل الحق و استغفر زال عنه، و إن استمر يسري ذلك من الباب الشرقي إلى عالم القدس و يمنع الواردات اللاهوتية و أنوار الربوبية فيسود لوح القلب و يصدر من الجوارح أعمال قبيحة مظلمة، و تنعكس ظلمتها إليه، فينطمس نوره بريح الشهوات، و تراكم الظلمات، ظلمات بعضها فوق بعض، فلا يقبل الحق أبدا. ثم أشار (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى أن الحالة الأولى حالة حسنة شريفة، و الدوام عليها يوجب التشبيه بالملائكة، و الوصول إلى مقامات عالية، و إلى أن الحالة الثانية و التعرض للذنب و الاستغفار بعده لا تخلو من حكمة إلهية و مصلحة ربانية، بقوله: " و الله لو تدومون" إلخ. لأن المانع من ظهور تلك الآثار هو الكدورات الجسمانية، و التعلقات أَنْفُسَكُمْ بِهَا لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ وَ مَشَيْتُمْ عَلَى الْمَاءِ وَ لَوْ لَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ فَتَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً حَتَّى يُذْنِبُوا ثُمَّ يَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ فَيَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ الْمُؤْمِنَ مُفَتَّنٌ البشرية و الوساوس الشيطانية، و الميل إلى الزهرات الدنيوية، فإذا زالت عن العبد تلك الموانع دائما يصير نورا صرفا و روحا محضا، و يتصف بصفات الملائكة، و يلتحق بالروحانيين و يصافحهم، و يكون معهم و يمشي على الماء مثلهم. و إن شئت توضيح ذلك فنقول: أن للروح الإنساني منازل في السير إلى الله، أولها المحسوسات، و ثانيها المتخيلات، و ثالثها الموهومات، و رابعها المعقولات، و هو في هذا المنزل يمتاز عن سائر الحيوانات، و يرى فيه ما هو خارج عن عالم الحس و الخيال و الوهم، و يعلم روح الأشياء و حقائقها، و له عرض عريض أوله أول عالم الإنسان، و آخره عالم الملائكة بل فوقه، و هو معراج الإنسان و أعلى عليين له، كما أن الثلاثة الأول أسفل السافلين له، و أعظم أسباب معراجه قطع التعلق عن الدنيا و الإعراض عنها بالكلية، ثم الدوام على هذه الحالة فإنه يوجب الوصول إلى حالة شريفة هي مرتبة عين اليقين، و له في تلك المرتبة قدرة على أفعال غريبة و آثار عجيبة بإذن الله تعالى، كمصافحة الملائكة و المشي على الماء و الهواء و غيرها، و منه يعلم أن الكرامات غير منكرة من الأولياء كما زعمه بعض العلماء. " و لو لا أنكم تذنبون." أقول: يدل على أن لله تعالى مصلحة عظيمة في هذا النوع من الخلق، لتظهر غفاريته و لطفه و رحمته، بل الظاهر أن هذا سبب لرفعة درجاتهم و تضاعف كمالاتهم، و لا ينافي ذلك عدم صدور تلك الأفعال و ظهور تلك الآثار منهم، كما أن أكثر أفراد المؤمنين أفضل من كثير من الملائكة مع ظهور تلك الأمور من الملائكة دونهم، و لا يبعد أن يكون التلوث بالخطيئات سببا للتذلل و الخضوع و رفع الدرجات، حتى أن أكثر الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) ابتلوا بارتكاب ترك الأولى و المكروهات، فارتقوا بعد ذلك إلى أعالي الدرجات، كما يومئ إليه قوله تَوَّابٌ أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ وَ قَالَ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ سبحانه:" وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ، ثُمَّ اجْتَبٰاهُ رَبُّهُ فَتٰابَ عَلَيْهِ وَ هَدىٰ" و قال سبحانه:" وَ ظَنَّ دٰاوُدُ أَنَّمٰا فَتَنّٰاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ رٰاكِعاً وَ أَنٰابَ، فَغَفَرْنٰا لَهُ ذٰلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنٰا لَزُلْفىٰ وَ حُسْنَ مَآبٍ" و مثله كثير في الكتاب، و القصار يلوث الثوب بأشياء ثم يغسله ليصير أحسن و ألطف و أشد بياضا مما كان، كما أن آدم (عليه السلام) قبل ارتكاب ترك الأولى في الجنة كان في عداد الملائكة و شبيها بهم، و إن كان أفضل منهم و مسجودا لهم، و لما ارتكب ترك الأولى و هبط إلى الأرض و استغفر و بكى على ما صدر عنه سنين متطاولة كملت محبته، و صفى و زكى و صار نبيا مصطفى و عمر الله به و بأولاده الأرض، و تمت حكمة الله البالغة، و ظهرت رحمته السابغة و هذا سر من أسرار القدر و القضاء يتحير فيه ألباب الحكماء. " إن المؤمن" كأنه كلام الباقر (عليه السلام) و في النهاية في الحديث: المؤمن خلق مفتنا أي ممتحنا يمتحنه الله بالذنب ثم يتوب، ثم يعود ثم يتوب يقال: فتنته افتنه فتونا إذا امتحنته، و يقال فيها افتتنته أيضا و هو قليل، و قد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختيار للمكروه، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم و الكفر و القتال و الإحراق و الإزالة، و الصرف عن الشيء، و منه أنه يحب المفتن التواب، أي الممتحن بالذنب ثم يتوب، انتهى. " أ ما سمعت" يمكن أن يكون الاستشهاد باعتبار تقديم التوابين و حبهم بناء على أن المراد بالمتطهرين المتطهرون من الذنوب، لكن ورد في بعض الأخبار أن المراد بهم المتطهرون بالماء، فالاستشهاد بمحض حبهم.

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابٌ فِي تَنَقُّلِ أَحْوَالِ الْقَلْبِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.