الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ٥

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ جَنَاحٍ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي الْيَسَعِ دَاوُدَ الْأَبْزَارِيِّ عَنْ مَكٰانٍ سَحِيقٍ" أي بعيد، و الباء في بهم للتعدية و هم جعلوا التكلم باللمم و إظهاره أشد عليهم من أن يسقطهم الريح إلى مكان بعيد عميق، أو من أن تقطع أعضاؤهم استقباحا لشأنه و استعظاما لأمره. و الاستفهام في قوله: أ تجدون ذلك؟ على حقيقته أو للتعجب أو للتقرير، و لفظة" ذلك" إشارة إلى كون الهوى و التقطيع أحب إليهم من التكلم به أو أصل اللمم و الأول أظهر و الإشارة الثانية أيضا تحتمل الوجهين كما عرفت. و قد روي مثل ذلك في طرق العامة قال في النهاية في حديث الوسوسة: ذلك صريح الإيمان أي كراهتكم له و تفاديكم منه صريح الإيمان، و الصريح الخالص من كل شيء و هو ضد الكناية يعني أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم لقبول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم حتى يصير ذلك وسوسة لا يتمكن في قلوبكم و لا تطمئن إليه نفوسكم، و ليس معناه أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان لأنها تتولد من فعل الشيطان و تسويله فكيف يكون إيمانا صريحا. و قال النووي في شرح صحيح مسلم: أي استعظامكم التكلم به فإن شدة خوفكم منه فضلا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان، و في الرواية الثانية و إن لم يذكر الاستعظام لكنه مراد، و قيل: سبب الوسوسة علامة محض الإيمان فإن الشيطان إنما يوسوس لمن آيس عن إغوائه. الحديث الخامس: مجهول، و قد مضى الكلام فيه. حُمْرَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ إِنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّنِي نَافَقْتُ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا نَافَقْتَ وَ لَوْ نَافَقْتَ مَا أَتَيْتَنِي تُعْلِمُنِي مَا الَّذِي رَابَكَ أَظُنُّ الْعَدُوَّ الْحَاضِرَ أَتَاكَ فَقَالَ لَكَ مَنْ خَلَقَكَ فَقُلْتَ اللَّهُ خَلَقَنِي فَقَالَ لَكَ مَنْ خَلَقَ اللَّهَ قَالَ إِي وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَكَانَ كَذَا فَقَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَاكُمْ مِنْ قِبَلِ الْأَعْمَالِ فَلَمْ يَقْوَ عَلَيْكُمْ فَأَتَاكُمْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لِكَيْ يَسْتَزِلَّكُمْ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلْيَذْكُرْ أَحَدُكُمُ اللَّهَ وَحْدَهُ تحقيق قال بعض المحققين في بيان ما يؤاخذ العبد به من الوساوس و ما يعفى عنه: اعلم أن هذا أمر غامض و قد وردت فيه آيات و أخبار متعارضة يلتبس طريق الجمع بينها إلا علي سماسرة العلماء فقد روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: عفي عن أمتي ما حدثت به نفوسها، و عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: يقول الله للحفظة: إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، و إن هم بحسنة و لم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرا، و هو دليل على العفو عن عمل القلب و همه بالسيئة. فأما ما يدل على المؤاخذة فقوله سبحانه:" وَ إِنْ تُبْدُوا مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحٰاسِبْكُمْ بِهِ اللّٰهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشٰاءُ" و قال تعالى:" وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا" فدل على أن عمل الفؤاد كعمل السمع و البصر فلا يعفى عنه، و قال تعالى:" وَ لٰا تَكْتُمُوا الشَّهٰادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ" و قال سبحانه:" لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمٰانَ". فالحق في هذه المسألة عندنا أنه لا يوقف عليه ما لم يقع الإحاطة بتفصيل أعمال القلوب من مبدء ظهورها إلى أن يظهر العمل على الجوارح فنقول: أول ما يرد على القلب الخاطر كما لو خطر له مثلا صورة امرأة و أنها وراء ظهره في الطريق لو التفت إليها لرآها، و الثاني: هيجان الرغبة و هو حركة الشهوة التي في الطبع و هذا يتولد في الخاطر الأول و نسميه ميل الطبع، و الأول يسمى حديث النفس، و الثالث: حكم القلب بأن هذا ينبغي أن يفعل أي ينبغي أن ينظر إليها، فإن الطبع إذا مال لم تنبعث الهمة و النية ما لم تندفع الصوارف، فإنه قد يمنعه حياء أو خوف من الالتفات، و عدم هذه الصوارف ربما يكون بتأمل و هو على كل حال حكم من جهة العقل و يسمى هذا اعتقادا و هو يتبع الخاطر، و الميل الرابع تصميم العزم على الالتفات و جزم النية فيه، و هذا نسميه هما بالفعل و نية و قصدا. و هذه الهمة قد يكون لها مبدء ضعيف و لكن إذا أصغى القلب إلى الخاطر الأول حتى طالت مجاذبته للنفس تأكدت هذه الهمة و صارت إرادة مجزومة، فإن انجزمت الإرادة فربما يندم بعدم الجزم فيترك العمل، و ربما يغفل بعارض فلا يعمل بها و لا يلتفت إليه، و ربما يعوقه عائق فيعتذر عليه العمل. و هيهنا أحوال للقلب قبل العمل بالجارحة، و الخاطر و هو حديث النفس، ثم الميل، ثم الاعتقاد، ثم الهم، فنقول: أما الخاطر فلا تؤاخذ به لأنه لا يدخل تحت الاختيار، و كذلك الميل و هيجان الشهوة لأنهما أيضا لا يدخلان تحت الاختيار و هما المرادان بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): عفي عن أمتي ما حدثت به نفوسها، فحديث النفس عبارة عن الخواطر التي تهجس في النفس، و لا يتبعها عزم على الفعل، فأما العزم و الهم فلا يسمى حديث النفس، بل حديث النفس كما روي عن عثمان بن مظعون حيث قال لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إن نفسي تحدثني أن أطلق خولة؟ قال: مهلا إن من سنتي النكاح، قال: نفسي تحدثني أن أجب نفسي؟ قال: مهلا إخصاء أمتي دؤب الصيام، قال: نفسي تحدثني أن أترهب؟ قال: مهلا رهبانية أمتي الجهاد و الحج قال: نفسي تحدثني أن أترك اللحم؟ قال: مهلا فإني أحبه و لو أصبته في كل يوم لأكلته و لو سألت الله لأطعمنيه. فهذه الخواطر التي ليس معها عزم على الفعل هي حديث النفس، و لذلك شاور فيها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إذ لم يكن معها عزم و هم بالفعل، و أما الثالث و هو الاعتقاد و حكم القلب بأنه ينبغي أن يفعل فهذا مردد بين أن يكون اضطرارا أو اختيارا و الأحوال تختلف فيه، فالاختياري منه يؤاخذ به، و الاضطراري لا يؤاخذ به، و أما الرابع و هو الهم بالفعل فإنه يؤاخذ به إلا أنه إن لم يفعل نظر فإن تركه خوفا من الله تعالى و ندم على همه كتبت له حسنة، لأن همه سيئة و امتناعه و مجاهدته نفسه حسنة، و الهم على وفق الطبع لا يدل على تمام الغفلة عن الله، و الامتناع بالمجاهدة على خلاف الطبع يحتاج إلى قوة عظيمة فجده في مخالفة الطبع و هو العمل لله سبحانه أشد من جده في موافقة الشيطان بموافقة الطبع، فكتبت له حسنة لأنه رجح جهده في الامتناع، و همه به على همه بالفعل، و إن تعوق الفعل لعائق أو تركه لعذر لا خوفا من الله تعالى كتبت عليه سيئة فإن همه فعل اختياري من القلب. و الدليل على هذا التفصيل ما ورد في الصحيح قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة و هو أبصر فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها عليه بمثلها، و إن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها لأجلي، و حيث قال: لم يعملها أراد به تركها لله، فأما إذا عزم على فاحشة و تعذرت عليه بسبب أو غفلة فكيف يكتب له حسنة، و قد قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إنما يحشر الناس على نياتهم، و نحن نعلم أن من عزم ليلا على أن يصبح و يقتل مسلما أو يزني بامرأة فمات تلك الليلة مات مصرا و يحشر على نيته و قد هم بسيئة و لم يعملها، و الدليل القاطع فيه ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول في النار، قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: لأنه أراد قتل صاحبه، و هذا نص في أنه صار من أهل النار بمجرد الإرادة، مع أنه قتل مظلوما فكيف تظن أن الله لا يؤاخذ بالنية و الهم، بل كل ما دخل تحت اختيار العبد فهو مأخوذ به، إلا أن يكفره بحسنة، و نقض العزم بالندم حسنة فلذلك كتب حسنة، و أما فوات المراد بعائق فليس بحسنة. و أما الخواطر و حديث النفس و هيجان الرغبة فكل ذلك لا يؤاخذ به لأنه لا يدخل تحت الاختيار، و المؤاخذة به تكليف لما لا يطاق، و لذلك لما نزل قوله تعالى:" وَ إِنْ تُبْدُوا مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحٰاسِبْكُمْ بِهِ اللّٰهُ" جاء ناس من الصحابة إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و قالوا: كلفنا ما لا نطيق إن أحدنا ليتحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه ثم يحاسب بذلك؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): لعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل سمعنا و عصينا قولوا سمعنا و أطعنا، فأنزل الله تعالى الفرج بقوله تعالى" لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا" فظهر به أن كل ما لا يدخل تحت الوسع من أعمال القلب هو الذي لا يؤاخذ به، و كل من يظن أن كل ما يجري على القلب يسمى حديث النفس، و من لم يفرق بين هذه الأقسام الثلاثة فلا بد و أن يغلط و كيف لا يؤاخذ بأعمال القلوب و الكبر و العجب و الرياء و النفاق و الحسد و جملة الخبائث من أعمال القلب، بل السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا، أي مما يدخل تحت الاختيار، فلو وقع البصر بغير اختياره على غير محرم لم يؤاخذ بها فإن أتبعها نظرة ثانية كان مؤاخذا بها، لأنه لا محالة مختار. و كذا خواطر القلب تجري هذا المجرى، بل القلب أولى بمؤاخذته لأنه الأصل قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) التقوى هيهنا و أشار إلى القلب، و قال الله عز و جل: " لَنْ يَنٰالَ اللّٰهَ لُحُومُهٰا وَ لٰا دِمٰاؤُهٰا وَ لٰكِنْ يَنٰالُهُ التَّقْوىٰ مِنْكُمْ" و التقوى في القلب، و قال (صلى الله عليه و آله و سلم): البر ما اطمأن إليه القلب و إن أفتوك و أفتوك. حتى أنا نقول: إذا حكم قلب الفتى بإيجاب شيء و كان مخطئا صار مثابا على فعله، بل من ظن أنه متطهر فعليه أن يصلي و إن صلى ثم ذكر كان له ثواب بفعله، فإن ترك ثم تذكر كان معاقبا، و من وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته لم يعص بوطئها و إن كانت أجنبية، و إن ظن أنها أجنبية عصى بوطئها، و إن كانت امرأته، كل ذلك نظر إلى القلب دون الجوارح. ثم قال: الوسواس ثلاثة أصناف الصنف الأول أن يكون من جهة التلبيس للحق، فإن الشيطان قد يلبس فيقول للإنسان: لا تترك التنعم و اللذات، فإن العمر طويل و الصبر عن الشهوات طول العمر ألمه عظيم، فعند هذا إذا ذكر العبد عظيم حق الله تعالى و عظيم ثوابه و عقابه و قال: الصبر عن الشهوات شديد و لكن الصبر على النار أشد منه و لا بد من أحدهما، فإذا ذكر العبد وعد الله و وعيده و جدد إيمانه و يقينه خنس الشيطان و هرب، إذ لا يستطيع أن يقول: ليس النار أشد من الصبر على المعاصي، و لا يمكنه أن يقول: المعصية لا تقضي إلى النار، فإن إيمانه بكتاب الله يدفعه عن ذلك، فينقطع وسواسه. و كذلك يوسوس إليه بالعجب في علمه و عمله، فيفكر العبد أن معرفته و قدرته و قلبه و أعضاءه التي بها علمه و عمله كل ذلك من خلق الله فيخنس الشيطان، فهذا نوع من الوسوسة تنقطع بالكلية عن العارفين المستبصرين بنور الإيمان و المعرفة. الصنف الثاني: أن يكون وسواسه بتحريك الشهوة و تهييجها، و هذا ينقسم إلى ما يعرف العبد يقينا أنه معصية و إلى ما يظنه بغالب الظن فإن علم يقينا خنس الشيطان عن تهييج يؤثر في التحريك، و لم يخنس عن التهييج، و إن كان مظنونا ربما يبقى مؤثرا بحيث يحتاج إلى مجاهدة في دفعه، فيكون الوسوسة موجودة، و لكنها مدفوعة غير غالبة. الصنف الثالث: أن يكون وسواسه بمجرد الخواطر و تذكر الأحوال الغائبة و التفكر في الصلاة في غير أمر الصلاة مثلا، فإذا أقبل على الذكر تصور أن يندفع و يعود و يعاقب الذكر و الوسوسة، و تصور أن يتساوقا جميعا حتى يكون الفهم مشتملا على فهم معنى القراءة، و على تلك الخواطر كأنهما في موضعين من القلب و بعيد جدا أن يندفع هذا الخنس بالكلية بحيث لا يخطر، و لكنه ليس محالا إذ قال (صلى الله عليه و آله و سلم): من صلى ركعتين لم يحدث فيهما بشيء من الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، فلو لا أنه متصور لما ذكره، إلا أنه لا يتصور ذلك إلا في قلب استولى عليه الحب حتى صار كالمستهتر و لكن ذلك عزيز. ثم قال: اعلم أن القلب كما ذكرناه مكتنفة بالصفات التي ذكرناها و تنصب إليه الآثار و الأحوال من الأبواب التي وصفناها فكأنه هدف يصاب على الدوام من كل جانب، فإذا أصابه شيء و تأثر به أصابه من جانب آخر ما يضاده فيغير وصفه، فإن نزل الشيطان به و دعاه إلى الهوي و التفت القلب إليه نزل الملك به و صرفه عنه، و إن جذبه شيطان إلى شر جذبه شيطان آخر إلى غيره، و إن جذبه ملك إلى خير جذبه ملك آخر إلى غيره، فتارة يكون متنازعا بين ملكين، و تارة بين شيطانين و تارة بين ملك و شيطان، و لا يكون قط مهملا، و إليه الإشارة بقوله تعالى:" وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصٰارَهُمْ". و لاطلاع رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) على عظيم صنع الله في عجائب القلب و تقلبه كان يحلف به و كان يقول: و لا مقلب القلوب، و كان كثيرا ما يقول (صلى الله عليه و آله و سلم): يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قالوا: أو تخاف يا رسول الله؟ فقال: و ما يؤمنني و القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، و في لفظ آخر: إن شاء أن يقيمه أقامه و إن شاء أن يزيغه أزاغه، و ضرب له رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ثلاثة أمثلة فقال: مثل القلب مثل العصفور تنقلب في كل ساعة، و قال: مثل القلب في تقلبه كالقدر إذا استحمت غليانا و قال (صلى الله عليه و آله و سلم): مثل القلب كمثل ريشة في أرض فلاة تقلبها الرياح ظهر البطن، و هذه التقلبات من عظيم صنع الله في تقليبه من حيث لا يهتدى إليه، لا يعرفه إلا المراقبون لقلوبهم، و المراعون لأحوالهم مع الله تعالى، و القلوب في الثبات على الخير و الشر و التردد بينهما ثلاثة، قلب عمر بالتقوى و زكى بالرياضة، و طهر من خبائث الأخلاق، فينقدح فيه خواطر الخير من خزائن الغيب، و مداخل الملكوت، فيتصرف العقل إلى التفكر فيما خطر ليعرف دقائق الخير فيه، و يطلع على أسرار فوائده، فينكشف له بنور البصيرة وجهه، فيحكم بأنه لا بد من فعله، و يستحث عليه، و يدعو إلى العمل به، فينظر الملك إلى القلب فيجده طيبا في جوهره، طاهرا بتقواه مشيرا بضياء العقل، معمورا بأنوار المعرفة، و يراه صالحا لأن يكون مستقرا له، فعند ذلك يمده بجنود لا ترى و يهديه إلى خيرات أخرى حتى ينجر الخير إلى الخير. و كذلك على الدوام لا يتناهى إمداده بالترغيب في الخير و يتيسر الأمر عليه و إليه الإشارة بقوله تعالى:" فَأَمّٰا مَنْ أَعْطىٰ وَ اتَّقىٰ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرىٰ" و في مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية حتى لا يخفى فيه الشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء، و لا تخفى على هذا النور خافية، و لا يروج عليه شيء من مكائد الشيطان، بل يقف عليه الشيطان و يوحي زخرف القول غرورا، و لا يلتفت إليه. و هذا القلب بعد طهارته من المهلكات يصير على القرب معمورا بالمنجيات من الشكر و الصبر و الخوف و الرجاء و الزهد و المحبة و الرضا و التوكل و التفكر و المحاسبة و المراقبة و أمثالها. و هو القلب الذي أقبل الله تعالى عليه بوجهه، و هو القلب المطمئن المراد بقوله تعالى:" أَلٰا بِذِكْرِ اللّٰهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" و بقوله عز و جل:" يٰا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ". القلب الثاني: القلب المخذول المشحون بالهوى، المدنس بالخبائث الملوث بالأخلاق الذميمة، المفتحة فيه أبواب الشياطين، المسدودة عنه أبواب الملائكة و مبدء الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى و يهجس فيه، فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستغني عنه، و يستكشف وجه الصواب فيه فيكون العقل قد ألف خدمة الهوى فأنس به، و استمر على استنباط الحيل له في موافقة الهوى و مساعدته، فيسول النفس له و يساعده عليه، فينشرح الصدر بالهوى و ينبسط فيه ظلماته لانخناس جند العقل عن مدافعته فيقوي سلطان الشيطان لاتساع مكانه بسبب انتشار الهوى، فيقبل عليه بالتزيين و الغرور و الأماني، و يوحى بذلك زخرف القول غرورا، فيضعف سلطان الإيمان بالوعد و الوعيد، و يخبو نور اليقين بخوف الآخرة أن يتصاعد من الهوى دخان مظلم إلى القلب يملأ حواسه حتى تنطفي أنواره فيصير العقل كالعين التي ملأ الدخان أجفانها، فلا يقدر على أن تنظر و هكذا تفعل غلبة الشهوة في القلب حتى لا يبقى للقلب إمكان التوقف و الاستبصار، و لو بصره واعظ و أسمعه ما هو الحق فيه عمى عن الفهم، و صم عن السمع، و هاجت الشهوة و نشط الشيطان و تحركت الجوارح على وفق الهوى، و ظهرت المعصية إلى عالم الشهادة من خزائن الغيب بقضاء من الله و قدره. و إلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله تعالى:" أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا" و بقوله عز و جل:" لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ" إلى قوله:" أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ" و رب قلب هذا حاله بالإضافة إلى جميع الشهوات، و رب قلب هذا حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات، كالذي يتورع عن بعض الأشياء و لكنه إذا رأى وجها حسنا لا يملك عينه و قلبه و طاش عقله و سقط مساك قلبه، أو كالذي لا يملك لنفسه عند الغضب مهما استحقر و أذكر عيب من عيوبه، أو كالذي لا يملك نفسه عند القدرة على أخذ درهم أو دينار بل يتهالك عليه تهالك الواله المستهتر فتنسرح منه المروة و التقوى. و كل ذلك لتصاعد دخان الهوي إلى القلب حتى يظلم و ينطفئ منه أنوار البصيرة، فينطفي منه نور الحياة و المروة و الإيمان، و يسعى في تحصيل مراد الشيطان. القلب الثالث: قلب يبتدأ فيه خواطر الهوى، فيدعوه إلى الشر فيلحقه خاطر الإيمان، فيدعوه إلى الخير فتنبعث النفس بشهواتها إلى نصرة خاطر الشر و تحس التمتع و التنعم فينبعث العقل إلى خاطر الخير، و يدفع في وجه الشهوة و يقبح فعلها و ينسبها إلى الجهل، و يشبهها بالبهيمة و السبع في تهجمها على الشر، و قلة اكتراثها بالعواقب. فتميل النفس إلى نصح العقل، فيحمل الشيطان حملة على العقل و يقوي داعية الهوى و يقول ما هذا التحرج البارد، و لم تمتنع عن هواك فتؤذى نفسك، و هل ترى أحدا من أهل عصرك يخالف هواه أو يترك غرضه؟ أ فتترك ملاذ الدنيا لهم فيتمتعون فيها، و تحجر على نفسك فتبقى محروما شقيا متعوبا يضحك عليك أهل الزمان، أ تريد أن يزيد منصبك على فلان و فلان و قد فعلوا مثل ما اشتهيت و لم يمتنعوا، أ ما ترى العالم الفلاني ليس يحترز عن فعل ذلك و لو كان شرا لامتنع عنه فتميل النفس إلى الشيطان و تنقلب إليه فيحمل الملك حملة على الشيطان فيقول هل هلك إلا من اتبع لذة الحال و نسي العاقبة أ فتقنع بلذة يسيرة و تترك لذة الجنة و نعيمها أبد الآباد؟ أم تستثقل ألم الصبر عن شهوة و لا تستثقل ألم النار؟ أ تغتر بغفلة الناس عن أنفسهم و اتباعهم هواهم و مساعدتهم الشيطان؟ مع أن عذاب النار لا يخفف عنك بمعصية غيرك؟ أ رأيت لو كنت في صيف و وقف الناس كلهم في الشمس و كان لك بيت بارد أ كنت تساعد الناس أم تطلب لنفسك الخلاص فكيف تخالف الناس خوفا من حر الشمس و لا تخالفهم خوفا من حر النار. فعند ذلك تميل النفس إلى قول الملك، فلا يزال القلب يتردد بين الجندين متجاذبا بين الحزبين إلى أن يغلب على القلب من هو أولى به فإن كانت الصفات التي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية التي ذكرناها غلبه الشيطان و مال القلب إلى جنسه من أحزاب الشياطين، معرضا عن حزب الله تعالى و أوليائه و مساعدا لحزب الشيطان و أوليائه، و جرى على جوارحه بسابق القدر ما هو سبب بعده عن الله تعالى. و إن كان الغالب على القلب الصفات الملكية لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان و تحريضه إياه على العاجلة و تهوينه أمر الآجلة، بل مال إلى حزب الله تعالى و ظهرت الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه. و قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، أي بين تجاذب هذين الحزبين و هو الغالب على القلوب أعني التقلب و الانتقال من حزب إلى حزب، أما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة أو حزب الشيطان فنادر من الجانبين، و هذه الطاعات و المعاصي تظهر من خزائن العلم إلى عالم الشهادة بواسطة خزائن القلب، فإنه من خزائن الملكوت و هي إذا ظهرت كانت علامات تعرف أرباب القلوب سابق القضاء، فمن خلق للجنة يسرت له الطاعة و أسبابها، و من خلق للنار يسرت له أسباب المعصية و سلط عليه أقران السوء و ألقي في قلبه حكم الشيطان. فإنه بأنواع الحكم يغره الحمقى كقوله: الله تعالى رحيم فلا تبال، و إن الناس كلهم ما يخافون الله فلا تخالفهم فإن العمر طويل فاصبر حتى تتوب غدا يعدهم بالتوبة و يمنيهم بالمغفرة فيهلكهم، و بهذه الحيل و ما يجري مجراها يوسع قلبه لقبول الغرور و يضيقه عن قبول الحق، إلى آخر ما ذكره مما يوافق مذهب الأشاعرة، و لسنا نقول به و الله يحق الحق و هو يهدي إلى السبيل. و أما ما ذكره من المؤاخذة على حكم القلب إذا كان اختياريا، و على الهم و العزم إذا كان الصارف غير خوف الله تعالى فهما مخالفان للأخبار المعتبرة فإنها تدل على عدم المؤاخذة مع ترك الفعل مطلقا، و ما استدل به على الأخير فهي أخبار عامية لا تعارض الأخبار المعتبرة، و يمكن حمل الخبر الأول على أن كتابة الحسنة موقوفة على أن يكون الترك لله و أخبارنا إنما تدل على عدم كتابة السيئة و ليس فيها كتابة الحسنة فلا تنافي، و الخبر الثاني غير صريح في المقصود، و التمثيل الذي ذكره في محل المنع، و الخبر الثالث يمكن أن يكون المراد به الإرادة مع سل السيف و التوجه إلى القاتل و الحملة عليه، بل الإعانة على نفسه، و سيأتي بعض القول في أصل المطلب آنفا إن شاء الله تعالى.

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْوَسْوَسَةِ وَ حَدِيثِ النَّفْسِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.