الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَحَدِهِمَا(عليهما السلام)قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى جَعَلَ لآِدَمَ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَ لَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ وَ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا عَشْراً باب من يهم بالحسنة أو السيئة الحديث الأول: ضعيف. و يدل على أنه لا مؤاخذة على قصد المعاصي إذا لم يعمل بها، و هو يحتمل وجهين، الأول: أن تكون سيئة ضعيفة يكفرها تركها، الثاني: أن لا يكون القصد متصفا بالحسن و القبح أصلا كما ذهب إليه جماعة، و الأول أظهر، نعم لو كان بمحض الخطور بدون اختياره لا يتعلق به التكليف و قد مر تفصيل ذلك في باب أن الإيمان مبثوث لجوارح البدن، و في باب الوسوسة. و قال المحقق الطوسي (قدس سره) في التجريد: إرادة القبيح قبيحة و تفصيله أن ما في النفس ثلاثة أقسام: الأول: الخطرات التي لا تقصد و لا تستقر و قد مر أن لا مؤاخذة بها و لا خلاف فيه بين الأمة ظاهرا، و الثاني: الهم و هو حديث النفس اختيارا أن تفعل شيئا أو أن لا تفعل فإن كان ذلك حسنة كتبت له حسنة واحدة، فإن فعلها كتبت له عشر حسنات، و إن كانت سيئة لم تكتب عليه، فإن فعلها كتبت عليه سيئة واحدة، كل ذلك مقتضى أحاديث هذا الباب، و كأنه لا خلاف فيه أيضا بين الأمة إلا أن بعض العامة صرح بأن هذه الكرامة مختصة بهذه الأمة، و ظاهر هذا الخبر أنها كانت في الأمم السابقة أيضا. الثالث: العزم و هو التصميم و توطين النفس على الفعل أو الترك، و قد اختلفوا فيه، فقال أكثر الأصحاب: أنه لا يؤاخذ به لظاهر هذه الأخبار، و قال أكثر العامة وَ مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَ لَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَ مَنْ هَمَّ بِهَا وَ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ و المتكلمين و المحدثين أنه يؤاخذ به لكن بسيئة العزم لا بسيئة المعزوم عليه، لأنها لم تفعل فإن فعلت كتبت سيئة ثانية لقوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ" و قوله:" اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ". و لكثرة الأخبار الدالة على حرمة الحسد و احتقار الناس و إرادة المكروه بهم، و حملوا الأحاديث الدالة على عدم المؤاخذة على الهم. و المنكرون أجابوا عن الآيتين بأنهما مخصصات بإظهار الفاحشة و المظنون كما هو الظاهر من سياقهما، و عن الثالث أن العزم المختلف فيه ماله صورة في الخارج كالزنا و شرب الخمر، و أما ما لا صورة له في الخارج كالاعتقاديات و خبائث النفس مثل الحسد و غيره فليس من صور محل الخلاف، فلا حجة فيه على ما نحن فيه، و أما احتقار الناس و إرادة المكروه بهم فإظهارهما حرام يؤاخذه به و لا نزاع فيه، و بدونه أول المسألة. ثم الظاهر أنه لا فرق في قوله: و من هم بسيئة و لم يعملها لم يكتب عليه بين أن يعملها خوفا من الله أو خوفا من الناس و صونا لعرضه. ثم إن عشر أمثال الحسنة مضمونة البتة لدلالة نص القرآن عليه، و إن الله قد يضاعف لمن يشاء إلى سبعمائة ضعف، كما جاء في بعض الأخبار، و إلى ما لا حساب له كما قال سبحانه:" إِنَّمٰا يُوَفَّى الصّٰابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ". ثم اعلم أن الظاهر أن عدم المؤاخذة بإرادة المعصية إنما هو للمؤمنين فلا ينافي ما مر مرويا عن الصادق (عليه السلام) أنه إنما خلد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا، و لو سلم العموم فإنما يعفى عنه إذا بقي زمانا عزم على فعله في ذلك الزمان و لم يفعل، و في الكافر ليس كذلك لأنه لم يبق الزمان الذي عزم على الفعل فيه. فإن قيل: لعله كان لو بقي في أزمنة الأبد عاد و لم يفعل؟ قلنا: يعلم الله خلاف ذلك منهم، لقوله سبحانه:" وَ لَوْ رُدُّوا لَعٰادُوا لِمٰا نُهُوا عَنْهُ" و قد يجاب بأنه لا منافاة بينهما، إذ دل أحدهما على عدم المؤاخذة بنية المعصية إذا لم يفعلها، و دل الآخر على المؤاخذة بنية المعصية إذا فعلها، فإن المنوي كالكفر و استمراره مثلا موجود في الخارج، فهذه النية ليست داخلة في النية بالسيئة التي لم يعملها، و اعترض عليه بأن المعصية ليست سببا للخلود على ما يفهم من الحديث المذكور، لكونها في زمان منقطع محصور هو مدة العمر، كذلك نيتها لأنها تنقطع أيضا عند انقطاع العمر لدلالة الآيات و الروايات على ندامة العاصي عند الموت، و مشاهدة أحوال الآخرة فينبغي أن يكون ناويها في النار بقدر كونها في الدنيا لا مخلدا. فأجيب أولا: بأن هذه النية موجبة للخلود لدلالة الحديث عليه بلا معارض، فوجب التسليم و القبول، و ثانيا: بأن صاحبها في هذه الدنيا التي هي دار التكليف لم يفعل شيئا يوجب نجاته من النار، و ندامته بعد الموت لا تنفع لانقطاع زمان التكليف، و ثالثا: أن سبب الخلود ليس ذات المعصية و نيتها من حيث هي بل هو المعصية و نيتها على فرض البقاء أبدا، و لا ريب في أنها معصية أبدية موجبة للخلود أبدا انتهى. و أقول: لا يخفى ما في الجميع من الوهن و الضعف، و قد مر بعض القول منا فيه في باب النية، و قال الشهيد رفع الله درجته في القواعد: لا يؤثر نية المعصية عقابا و لا ذما ما لم يتلبس بها، و هو مما ثبت في الأخبار العفو عنه، و لو نوى المعصية و تلبس بما يراه معصية، فظهر خلافها ففي تأثير هذه النية نظر من حيث إنها لم تصادف المعصية فقد صارت كنية مجردة و هي غير مؤاخذ بها، و من دلالتها على انتهاكه الحرمة و جرأته على المعاصي، و قد ذكر بعض الأصحاب أنه لو شرب المباح مشتبها بشراب المسكر فعل حراما، و لعله ليس لمجرد النية بل بانضمام فعل الجوارح إليها. و يتصور محل النظر في صور: منها: ما لو وجد امرأته في منزل غيره فظنها أجنبية فأصابها فتيقن أنها زوجته أو أمته، و منها: ما لو وطئ زوجته فظنها حائضا فبان طاهرا، و منها: لو هجم على طعام بيد غيره فأكل منه فتبين ملك الآكل و منها: لو ذبح شاة فظنها للغير بقصد العدوان فظهرت ملكه، و منها: إذا قتل نفسا بظنها معصومة فبانت مهدورة. و قد قال بعض العامة: يحكم بفسق متعاطي الملك لدلالته على عدم المبالاة بالمعاصي و يعاقب في الآخرة ما لم يتب عقابا متوسطا بين عقاب الكبيرة و الصغيرة، و كل منهما تحكم و تخرص على الغيب، انتهى. و قال شيخنا البهائي (قدس سره) في بعض تعليقاته على الكتاب المذكور: قوله لا يؤثر نية المعصية عقابا و لا ذما إلى آخره، و غرضه طاب ثراه أن نية المعصية و إن كانت معصية إلا أنه لما وردت الأخبار بالعفو عنها لم يترتب على فعلها عقاب و لا ذم و إن ترتب استحقاقهما، و لم يرد أن قصد المعصية و العزم على فعلها غير محرم كما يتبادر إلى بعض الأوهام، حتى لو قصد الإفطار مثلا في شهر رمضان و لم يفطر لم يكن آثما، كيف و المصنف مصرح في كتب الفروع بتأثيمه. و الحاصل أن تحريم العزم على المعصية مما لا ريب فيه عندنا و كذا عند العامة و كتب الفريقين من التفاسير و غيرها مشحونة بذلك، بل هو من ضروريات الدين و لا بأس بنقل شيء من كلام الخاصة و العامة في هذا الباب ليرتفع به جلباب الارتياب: في الجوامع عند تفسير قوله تعالى:" إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا" يقال: للإنسان لم سمعت ما لا يحل لك سماعه؟ و لم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه؟ و لم عزمت على ما لا يحل لك العزم عليه؟ انتهى. و كلامه (رحمه الله) في مجمع البيان قريب من كلامه هذا. و قال البيضاوي و غيره من علماء العامة عند تفسير هذه الآية: فيها دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية، انتهى. و عبارة الكشاف موافقة لعبارة الطبرسي، و كذا عبارة التفسير الكبير للفخر و قال السيد المرتضى علم الهدى أنار الله برهانه في كتاب تنزيه الأنبياء عند ذكر قوله تعالى:" إِذْ هَمَّتْ طٰائِفَتٰانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلٰا وَ اللّٰهُ وَلِيُّهُمٰا" إنما أراد تعالى أن الفشل خطر ببالهم و لو كان الهم في هذا المكان عزما لما كان وليهما، ثم قال: و إرادة المعصية و العزم عليها معصية، و قد تجاوز قوم حتى قالوا العزم على الكبيرة كبيرة و على الكفر كفرا، انتهى كلامه نور الله مرقده. و كلام صاحب الكشاف في تفسير هذه الآية مطابق لكلامه طاب ثراه، و كذا كلام البيضاوي و غيره، و أيضا فقد صرح الفقهاء بأن الإصرار على الصغائر الذي هو معدود من الكبائر إما فعلي و هو المداومة على الصغائر بلا توبة، و إما حكمي و هو العزم على فعل الصغائر متى تمكن منها، و بالجملة فتصريحات المفسرين و الفقهاء و الأصوليين بهذا المطلب أزيد من أن يحصى، و الخوض فيه من قبيل توضيح الواضحات و من تصفح كتب الخاصة و العامة لا يعتريه ريب فيما تلوناه. فإن قلت: قد ورد عن أئمتنا (عليهم السلام) أخبار كثيرة و تشعر بأن العزم على المعصية

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ مَنْ يَهُمُّ بِالْحَسَنَةِ أَوْ السَّيِّئَةِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.