الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ رَفَعَهُ قَالَ صَعِدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)بِالْكُوفَةِ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الذُّنُوبَ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ أَمْسَكَ فَقَالَ لَهُ حَبَّةُ الْعُرَنِيُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قُلْتَ الذُّنُوبُ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ أَمْسَكْتَ فَقَالَ مَا ذَكَرْتُهَا إِلَّا وَ أَنَا أُرِيدُ أَنْ أُفَسِّرَهَا وَ لَكِنْ عَرَضَ لِي بُهْرٌ حَالَ بَيْنِي وَ بَيْنَ الْكَلَامِ نَعَمْ الذُّنُوبُ ثَلَاثَةٌ فَذَنْبٌ مَغْفُورٌ وَ ذَنْبٌ غَيْرُ مَغْفُورٍ وَ ذَنْبٌ نَرْجُو لِصَاحِبِهِ وَ نَخَافُ عَلَيْهِ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَبَيِّنْهَا لَنَا قَالَ نَعَمْ أَمَّا الذَّنْبُ الْمَغْفُورُ فَعَبْدٌ عَاقَبَهُ اللَّهُ عَلَى ذَنْبِهِ فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَحْلَمُ وَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعَاقِبَ عَبْدَهُ مَرَّتَيْنِ وَ أَمَّا الذَّنْبُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ فَمَظَالِمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ باب في أن الذنوب ثلاثة الحديث الأول: مرفوع. " إن الذنوب ثلاثة" أي غير الشرك و الكفر، أو ذنوب المؤمنين و قيل: وجه الحصر أن الذنب إما للتقصير في حق الله أو في حق الناس، و الأول إما أن يرفع العبد العقوبة الدنيوية بالتوبة أولا، فهذه ثلاثة، و أما الذنب الذي لا عقوبة عليه في الدنيا و لم يتب منه فالظاهر أنه داخل في القسم الثالث، و حكمه حكمه، و إن كان الخوف منه أشد، و في النهاية: البهر بالضم ما يعتري الإنسان عند السعي الشديد، و العدو من التهيج، و تتابع النفس، و في القاموس: البهر بالضم انقطاع النفس من الإعياء. " فعبد" أي فذنب عبد" عاقبة الله على ذنبه في الدنيا" إما بالحدود و التعزيرات أو بالبلايا و المصائب" فالله أحلم" الفاء للبيان" فمظالم العباد بعضهم" بالجر بدل لِبَعْضٍ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِذَا بَرَزَ لِخَلْقِهِ أَقْسَمَ قَسَماً عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا يَجُوزُنِي ظُلْمُ ظَالِمٍ وَ لَوْ كَفٌّ بِكَفٍّ وَ لَوْ مَسْحَةٌ بِكَفٍّ وَ لَوْ نَطْحَةٌ مَا بَيْنَ الْقَرْنَاءِ إِلَى الْجَمَّاءِ فَيَقْتَصُّ لِلْعِبَادِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى لَا تَبْقَى لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ مَظْلِمَةٌ ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ لِلْحِسَابِ وَ أَمَّا الذَّنْبُ الثَّالِثُ فَذَنْبٌ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ وَ رَزَقَهُ التَّوْبَةَ مِنْهُ فَأَصْبَحَ خَائِفاً مِنْ ذَنْبِهِ رَاجِياً لِرَبِّهِ فَنَحْنُ لَهُ كَمَا هُوَ لِنَفْسِهِ نَرْجُو لَهُ الرَّحْمَةَ وَ نَخَافُ عَلَيْهِ الْعَذَابَ اشتمال أو بعض، و المراد به الظالم" لبعض" المراد به المظلوم، و المظالم جمع المظلمة بالكسر و هي ما يظلمه الرجل إذا برز لخلقه، البروز الظهور بعد الخفاء، و لعله كناية عن ظهور أحكامه و ثوابه و عقابه و حسابه، و قيل: كناية عن أنه سبحانه يتكلم مع جميع الخلائق بنفسه و يحاسبهم مشافهة كما ورد في الأخبار. " على نفسه" أي ملزما على نفسه" فقال" الفاء للبيان، و يقال: جازه يجوزه إذا تعداه" و لو كف بكف" لعل المراد بالكف أو لا المنع و الزجر، و بالثاني اليد أي تضرر كف إنسان بكف آخر بغمز و شبهه، أو تلذذ كف بكف أو يقدر مضاف أي يجازى ضرب كف بضرب كف، و قيل: أي ضربة كف بكف، و المراد بالمسحة بالكف ما يشتمل على إهانة و تحقير أو تلذذ، و يمكن حمل التلذذ في الموضعين على ما إذا كان من امرأة ذات بعل أو قهرا بدون رضاء الممسوح، ليكون من حق الناس. و الجماء التي لا قرن لها، قال في النهاية: فيه أن الله ليدين الجماء من ذوات القرون الجماء التي لا قرن لها، و يدين أي يجزي، انتهى. و يدل على حشر الحيوانات أيضا في القيامة كما يدل عليه قوله تعالى:" وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ" و غيره من الآيات و الأخبار، و به قال أكثر المتكلمين من الخاصة و العامة و إن اختلفوا في خصوصياته من بقائها بعد الحشر أو تفرقها و صيرورتها ترابا و غير ذلك. و منهم من أول القرناء بالإنسان القوي القادر على الظلم، و الجماء بالمظلوم الضعيف و هو تكلف مستغنى عنه، و لا يبعد أن يكون المراد مؤاخذة المكلف بتمكين القرناء من إضرار الجماء، و في صحيح مسلم عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: لتردن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلجاء من الشاة القرناء، و الجلجاء أيضا التي لا قرن لها، و صرح جماعة من المفسرين في تفسير الآية المتقدمة ببعثها، و قيل أي جمعت من أطراف الأرض و قيل: أميتت. و قال الطبرسي (ره) في قوله تعالى:" وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لٰا طٰائِرٍ يَطِيرُ بِجَنٰاحَيْهِ إِلّٰا أُمَمٌ أَمْثٰالُكُمْ مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ أي يحشرون إلى الله بعد موتهم يوم القيامة كما يحشر العباد، فيعوض الله ما يستحق العوض منها و ينتصف لبعضها من بعض، و فيما رووه عن أبي هريرة أنه قال: يحشر الله الخلق يوم القيامة البهائم و الدواب و الطير، و كل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول: كوني ترابا فلذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. و عن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله إذا انتطحت عنزان فقال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أ تدرون فيم انتطحا؟ فقالوا: لا ندري، قال: لكن الله يدري سيقضي بينهما. و قال الرازي: قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، و قالت المعتزلة: إن الله يحشر الحيوانات كلها في ذلك اليوم ليعوضها آلامها التي وصلت إليها في الدنيا بالموت و القتل و غير ذلك، فإذا عوضت عن تلك الآلام فإن شاء الله أن يبقى بعضها في الجنة إذا كان مستحسنا فعل و إن شاء أن يفنيه أفناه على ما جاء به الخبر، و أما أصحابنا فعندهم أنه لا يجب على الله شيء بحكم الاستحقاق، و لكنه تعالى يحشر الوحوش كلها فيقتص للجماء من القرناء، ثم يقال لها: موتي فتموت انتهى. و قال بعض شراح صحيح مسلم: اضطرب العلماء في بعث البهائم، و أقوى ما تعلق به من يقول ببعثها قوله تعالى:" وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ" و أجاب الآخر بأن معنى حشرت ماتت، قال: و الأحاديث الواردة ببعثها آحاد تفيد الظن و المطلوب في المسألة القطع، و حمل البعض العود المذكور في الحديث على أنه ليس حقيقة و إنما هو ضرب مثل إعلاما للخلق بأنها دار جزاء لا يبقى فيها حق عند أحد، ثم قال: و يصح عندي أن يخلق الله تعالى هذه الحركة للبهائم يوم القيامة ليشعر أهل المحشر بما هم صائرون إليه من العدل، و سمي ذلك قصاصا لا أنه قصاص تكليف و مجازاة، و من توقف في بعثها إنما توقف في القطع بذلك كما يقطع ببعث المكلفين و الأحاديث الواردة ليست نصوصا و لا متواترة، و ليست المسألة عملية حتى يكتفي فيها بالظن و الأظهر حشر المخلوقات كلها بمجموع ظواهر الآي و الأحاديث، و ليس من شرط الإعادة المجازاة بعقاب أو ثواب للإجماع على أن أولاد الأنبياء (عليهم السلام) في الجنة و لا مجازاة على الأطفال، و اختلف في أولاد من سواهم اختلافا كثيرا انتهى. و قال القرطبي: حمل بعضهم الحديث على ظاهره لأنه قال: يؤتى يوم القيامة بالبهائم فيقال لها: كوني ترابا بعد ما يقاد للجماء من القرناء، و حينئذ يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا، و يدل على أنها ضرب مثل ما جاء في بعض الروايات من الزيادة في هذا الحديث، يريد الحديث الذي نقله مسلم قال: حتى يقاد للجلجاء من القرناء و للحجر لم ركب على حجر، و للعود لم خدش العود، لأن الجمادات لا تعقل كلاما فلا ثواب و لا عقاب لها، و هو في التمثيل مثل قوله تعالى:" وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً" الآية. و قوله تعالى:" لَوْ أَنْزَلْنٰا هٰذَا الْقُرْآنَ عَلىٰ جَبَلٍ". و قال الآبي: المسائل العلمية التي لا يرجع للذات و لا للصفات كهذه يصح التمسك فيها بالآحاد، و الاستدلال بمجموع ظواهر الآي و الأحاديث يرجع إلى التواتر المعنوي و الاختلاف فيمن سوى أولاد الأنبياء (عليهم السلام) إنما هو في محلهم بعد البعث لا في بعثهم كذا أظنه توقف الأشعري في بعث المجانين و من لم يبلغه الدعوة فجوز أن يبعثوا و جوز أن لا يبعثوا، و لم يرد عنه قاطع في ذلك ثم قال: لا معنى لتوقفه لأن ظاهر الآي و الأحاديث بعث الجميع، و المسألة علمية لا ترجع للذات و لا للصفات، فيصح التمسك فيها بالآحاد كما تقدم، أو يقال مجموع الآي و الأحاديث يفيد التواتر المعنوي كما تقدم، انتهى. و أقول: تمام الكلام في ذلك موكول إلى كتابنا الكبير. و أما الذنب الثالث فالخوف بعد التوبة، لاحتمال عدم حصول شرائط التوبة و عدم القطع بقوله فينبغي أن يكون التائب أيضا بين الخوف و الرجاء. و لنذكر هنا بعض الفوائد التي لا بد من التعرض لها. الأولى: في معنى التوبة و هي لغة الرجوع و تنسب إلى العبد و إلى الله سبحانه و معناها على الأول الرجوع عن المعصية إلى الطاعة و على الثاني الرجوع عن العقوبة إلى اللطف و التفضل، و في الاصطلاح قيل: هي الندم عن الذنب لكونه ذنبا فخرج الندم على شرب الخمر مثلا لإضراره بالجسم، و قد يزاد مع العزم على ترك المعاودة أبدا، و الظاهر أن هذا لازم لذلك الندم غير منفك عنه كما مرت الإشارة إليه. و قال الشيخ البهائي (قدس سره): و الكلام الجامع في هذا الباب ما قاله بعض ذوي الألباب: من أن التوبة لا تحصل إلا بحصول أمور ثلاثة: أولها معرفة ضرر الذنوب و كونها حجابا بين العبد و محبوبة، و سموما قاتلة لمن يباشرها، فإذا عرف ذلك و تيقنه حصل له من ذلك حالة ثانية هي التألم لفوات المحبوب، و التأسف من فعل الذنوب و هذا التألم و التأسف هو المعبر عنه بالندم، و إذا غلب هذا الألم حصل حالة ثالثة هي القصد إلى أمور ثلاثة لها تعلق بالحال و الاستقبال و المضي، فالمتعلق بالحال هو ترك ما هو مقيم عليه من الذنوب، و المتعلق بالاستقبال هو العزم على عدم العود إليها إلى آخر العمر و المتعلق بالماضي تلافى ما يمكن تلافيه من قضاء الفوائت و الخروج من المظالم، فهذه الثلاثة أعني المعرفة و الندم و القصد إلى المذكورات أمور مترتبة في الحصول، و قد يطلق على مجموعها اسم التوبة، و كثيرا ما يطلق على الثاني أعني الندم وحده، و تجعل المعرفة مقدمة لها، و ذلك القصد ثمرة متأخرة عنها، و قد يطلق على مجموع الندم و العزم هذا، و قد عرفها بعض أصحاب القلوب برجوع الآبق عن الجرم السابق، و بعضهم بإذابة الأحشاء لما سلف من الفحشاء، و بعضهم بأنها خلع لباس الجفاء و بسط بساط الوفاء، انتهى. و أقول: إذا عرفت أن عدم العود إلى الذنب فيما بقي من العمر لا بد منه في التوبة، فهل إمكان صدوره منه في بقية العمر شرط، حتى لو زنا ثم جب و عزم على أن لا يعود إلى الزنا على تقدير قدرته عليه لم تصح توبته، أم ليس بشرط فتصح؟ الأكثر على الثاني، بل نقل بعض المتكلمين إجماع السلف عليه، و أولى من هذا بصحة التوبة من تاب في مرض مخوف غلب على ظنه الموت فيه. أما التوبة عند حضور الموت و تيقن الفوت و هو المعبر عنه بالمعاينة فقد انعقد الإجماع على عدم صحتها و نطق بذلك القرآن العظيم، قال سبحانه:" وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئٰاتِ حَتّٰى إِذٰا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قٰالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّٰارٌ أُولٰئِكَ أَعْتَدْنٰا لَهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً" و في الحديث عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، و الغرغرة تردد الماء و غيره من الأجسام المائعة في الحلق، و المراد هنا تردد الروح عند النزع. و الأخبار عن أئمتنا (عليهم السلام) كثيرة في أنه لا تقبل التوبة عند حضور الموت و ظهور علاماته و مشاهدة أهواله، كتوبة فرعون و سائر الكفرة الذين نزل عليهم العذاب، و قد مر بعضها، و علل ذلك بأن الإيمان برهان، و مشاهدة تلك العلامات و الأهوال في ذلك الوقت تصير الأمر عيانا فيسقط التكليف كما أن أهل الآخرة لما صارت معارفهم ضرورية سقطت التكاليف عنهم، قال بعض المفسرين: و من لطف الله بالعباد أن أمر قابض الأرواح بالابتداء في نزعها من أصابع الرجلين ثم يصعد شيئا فشيئا إلى أن تصل إلى الصدر، ثم تنتهي إلى الحلق ليتمكن في هذه المهلة من الإقبال بالقلب على الله تعالى، و الوصية و التوبة ما لم يعاين و الاستحلال، و ذكر الله على لسانه فيرجى بذلك حسن خاتمته، رزقنا الله ذلك بفضله و كرمه. الثانية: لا خلاف في وجوب التوبة في الجملة و الأظهر أنها إنما تجب لما لم يكفر من الذنوب كالكبائر و الصغائر التي أصرت عليها، فإنها ملحقة بالكبائر و الصغائر التي لم يجتنب معها الكبائر، فأما مع اجتناب الكبائر فهي مكفرة إذا لم يصر عليها، و لا يحتاج إلى التوبة منها، لقوله تعالى:" إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ" قال المحقق الطوسي (قدس سره) في التجريد: التوبة واجبة لدفعها الضرر، و لوجوب الندم على كل قبيح أو إخلال بواجب، و قال العلامة (ره) في شرحه: التوبة هي الندم على المعصية لكونها معصية، و العزم على ترك المعاودة في المستقبل: لأن ترك العزم يكشف عن نفي الندم، و هي واجبة بالإجماع، لكن اختلفوا. فذهب جماعة من المعتزلة إلى أنها تجب من الكبائر المعلوم كونها كبائر أو المظنون فيها ذلك، و لا يجب من الصغائر المعلوم أنها صغائر. و قال آخرون: إنها لا تجب من ذنوب تاب عنها من قبل، و قال آخرون: إنها تجب من كل كبير و صغير من المعاصي أو الإخلال بالواجب، سواء تاب منها قبل أو لم يتب، و قد استدل المصنف على وجوبها بأمرين: الأول: أنها دافعة للضرر الذي هو العقاب أو الخوف فيه، و دفع الضرر واجب، الثاني: أنا نعلم قطعا وجوب الندم على فعل القبيح أو الإخلال بالواجب. إذا عرفت هذا فنقول: إنها تجب من كل ذنب لأنها تجب من المعصية لكونها معصية، و من الإخلال بواجب لكونه كذلك، و هذا عام في كل ذنب و إخلال بواجب، انتهى. أقول: ظاهر كلامه وجوب التوبة من الذنب الذي تاب منه، و كأنه نظر إلى أن الندم على القبيح واجب في كل حال، و كذا ترك العزم على الحرام واجب دائما، و فيه أن العزم على الحرام ما لم يأت به لا يترتب عليه إثم، إلا أن يقول: أن العفو عنه تفضلا لا ينافي كونه منهيا عنه كما مر، و أما الندم على ما صدر عنه سابقا فلا نسلم وجوبه بعد تحقق الندم مرة، و سقوط العقاب به، و إن كان القول بالوجوب لا يخلو من قوة، و قال الشيخ البهائي: دفع ضرر العقاب لا يدل على وجوب التوبة عن الصغائر ممن يجتنب الكبائر لكونها مكفرة، و لهذا ذهبت البهشمية إلى وجوبها عن الصغائر سمعا لا عقلا. نعم الاستدلال بأن الندم على القبيح من مقتضيات العقل الصحيح يعم القسمين، و أما فورية الوجوب فقد صرح به المعتزلة فقالوا يلزم بتأخيرها ساعة إثم آخر تجب التوبة منه أيضا، حتى أن من أخر التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة فقد فعل كبيرتين و ساعتين أربع كبائر، الأولتان و ترك التوبة عن كل منهما، و ثلاث ساعات ثمان كبائر و هكذا، و أصحابنا يوافقونهم على الفورية لكنهم لم يذكروا هذا التفصيل فيما رأيته من كتبهم الكلامية. و قال (رحمه الله): لا ريب في وجوب التوبة على الفور فإن الذنوب بمنزلة السموم المضرة بالبدن و كما يجب على شارب السم المبادرة إلى الاستفراغ تلافيا لبدنه المشرف على الهلاك، كذلك يجب على صاحب الذنوب المبادرة إلى تركها و التوبة منها تلافيا لدينه المشرف على التهافت و الاضمحلال، و من أهمل المبادرة إلى التوبة و سوفها من وقت إلى وقت فهو بين خطرين عظيمين إن سلم من واحد فلعله لا يسلم من الآخر. أحدهما: أن يعاجله الأجل فلا يتنبه من غفلته إلا و قد حضره الموت و فات وقت التدارك، و انسدت أبواب التلافي، و جاء الوقت الذي أشار إليه سبحانه بقوله:" وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مٰا يَشْتَهُونَ" و صار يطلب المهلة و التأخير يوما أو ساعة، فيقال: لا مهلة لك كما قال سبحانه:" مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لٰا أَخَّرْتَنِي إِلىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ" قال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية إن المحتضر يقول عند كشف الغطاء: يا ملك الموت أخرني يوما أعتذر فيه إلى ربي و أتوب إليه و أتزود عملا صالحا فيقول فنيت الأيام فيقول أخرني ساعة فيقول: فنيت الساعات فيغلق عنه باب التوبة و يغرغر بروحه إلى النار و يجرع غصة اليأس و حسرة الندامة على تضييع العمر، و ربما اضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال نعوذ بالله من ذلك. و ثانيهما أن تتراكم ظلمة المعاصي على قلبه إلى أن تصير رينا و طبعا فلا تقبل المحو فإن كل معصية يفعلها الإنسان يحصل منها ظلمه في قلبه كما تحصل من نفس الإنسان ظلمه في المرآة فإذا تراكمت ظلمة الذنوب صارت رينا كما تصير بخار النفس عند تراكمه على المرآة، و إذا تراكم الرين صار طبعا تطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم بعضه فوق بعض، و طال مكثه و غاص في جرمها، و أفسدها فصار لا تقبل الصيقل أبدا. و قد يعبر عن هذا القلب بالقلب المنكوس و القلب الأسود كما مر في الخبر. أنه يصير أعلاه أسفله، و في خبر آخر إن تمادى في الذنوب زاد السواد حتى يغطى البياض فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا و هو قول الله عز و جل: " كَلّٰا بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ" فقوله: لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا يدل على أن صاحب هذا القلب لا يرجع عن المعاصي و لا يتوب منها أبدا، و لو قال بلسانه تبت إلى الله يكون هذا القول مجرد تحريك اللسان من دون موافقة القلب، فلا أثر له أصلا كما أن قول القصار: غسلت الثوب لا يصير الثوب نقيا من الأوساخ. و ربما يؤول حال صاحب هذا القلب إلى عدم المبالاة بأوامر الشريعة و نواهيها فيسهل أمر الدين في نظره و يزول وقع الأحكام الإلهية من قلبه، و ينفر عن قبولها طبعه، و ينجر ذلك إلى اختلاف عقيدته و زوال إيمانه، فيموت على غير الملة و هو المعبر عنه بسوء الخاتمة نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا. الثالثة: سقوط العقاب بالتوبة مما أجمع عليه أهل الإسلام، و إنما الخلاف في أنه هل يجب علي الله حتى لو عاقب بعد التوبة كان ظلما أو هو تفضل يفعله سبحانه كرما منه و رحمة بعبادة؟ المعتزلة على الأول، و الأشاعرة على الثاني و إليه ذهب الشيخ أبو جعفر الطوسي (قدس سره) في كتاب الاقتصاد، و العلامة (رحمه الله) في بعض كتبه الكلامية، و توقف المحقق الطوسي طاب ثراه في التجريد. و قال الطبرسي (ره) في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى:" فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تٰابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ" في هذه الآية دلالة على أن إسقاط العقاب عند التوبة تفضل من الله تعالى إذ لو كان واجبا لكان لا يحتاج إلى مسألتهم، بل كان يفعله سبحانه لا محالة، و اعترض عليه بأنه يحتمل أن يكون من قبيل قوله تعالى: " رَبَّنٰا لٰا تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا"، و الحق ما اختاره الشيخ كما يظهر من كثير من الأخبار و أدعية الصحيفة الكاملة و غيرها، و دليل الوجوب ضعيف. الرابعة: الذنب إن لم يستتبع أمر آخر يلزم الإتيان به شرعا كلبس الحرير مثلا، كفى الندم عليه و العزم على عدم العود إليه، و لا يجب شيء آخر سوى ذلك، و إن استتبع أمر آخر من حقوق الله تعالى أو من حقوق الناس ماليا أو غير مالي وجب مع التوبة الإتيان به، و ربما كان المكلف مخيرا بين الإتيان بذلك الأمر و بين الاكتفاء بالتوبة من الذنب المستتبع له. فحقوق الله المالية كالعتق في الكفارة مثلا يجب الإتيان بها مع القدرة، و غير المالية إن كان غير حد كقضاء الفوائت و صوم الكفارة فكذلك، و إن كان حدا فالمكلف مخير إن شاء أقر بالذنب عند الحاكم ليقام عليه الحد، و إن شاء ستره و اكتفى بالتوبة منه فلا حد عليه حينئذ إن تاب قبل قيام البينة به عند الحاكم. و أما حقوق الناس المالية فتجب تبرئة الذمة منها بقدر الإمكان، فإن مات صاحب الحق فورثته في كل طبقة قائمون مقامه، فمتى دفعه إليهم هو أو ورثته أو أجنبي متبرع برئت ذمته و إن بقي إلى يوم القيامة فلفقهائنا (رضوان الله عليهم) في مستحقه وجوه. الأول: أنه لصاحبه الأول، الثاني: أنه لآخر وارث و لو بالعموم كالإمام، الثالث: أنه ينتقل إلى الله سبحانه و الأول هو الأصح، و قد دلت عليه الرواية الصحيحة عن الصادق (عليه السلام). و أما حقوقهم الغير المالية فإن كان إضلالا وجب الإرشاد بل قد ورد في بعض

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابٌ فِي أَنَّ الذُّنُوبَ ثَلَاثَةٌ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.