الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ٢٢

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى(عليه السلام)يَا مُوسَى إِنَّ أَصْلَحَ يَوْمَيْكَ الَّذِي هُوَ أَمَامَكَ فَانْظُرْ أَيُّ يَوْمٍ هُوَ وَ أَعِدَّ لَهُ الْجَوَابَ- فَإِنَّكَ مَوْقُوفٌ وَ مَسْئُولٌ وَ خُذْ مَوْعِظَتَكَ في الوصول إلى مرضات الله، انتهى. " فليس تعرفه" أي لا تعرف حالك فيه تبلغ إليه أم لا، و مع البلوغ لا تعلم أنك فيه على حزن أو سرور، على طاعة أو معصية" فكأنك قد اغتبطت" على بناء المعلوم أي عن قريب تصير بعد الموت في حالة حسنة يغبطك الناس لها و يتمنون حالك و لا تبقى عليك مرارة صبرك، في القاموس: الغبطة بالكسر حسن الحال و المسرة و قد اغتبط، و الحسد، و تمنى نعمة على أن لا تتحول عن صاحبها. و أقول: لا يبعد أن يكون بالعين المهملة على بناء المفعول أي اغتنم الفرصة و لا تعتمد على العمر فكأنك قدمت فجأة على غفلة بلا عمل و لا توبة، قال في النهاية: كل من مات بغير عمله فقد اغتبط، و مات فلان غبطة أي شابا صحيحا، و في بالي إني وجدت في بعض نسخ الحديث هكذا. الحديث الثاني و العشرون: مرسل. " أن أصلح يوميك" المراد باليوم ما مر أنه مقدار من الزمان اختص بواقعة و المراد هنا يوم الدنيا و يوم الآخرة، و اليوم الذي أمامه الآخرة، و كونه أصلح المراد به أنه أحرى و أولى بأن يراعى و يسعى في إصلاحه، و يتوقع النفع منه، فإنه أبدي و الدنيا فان، و منافع الأول و لذاته أشد و أخلص و أقوى من لذات الآخر. " فانظر أي يوم هو" أي يوم راحة أو يوم تعب و مشقة، أو المراد باليوم الثاني يوم القيامة، و بقوله: فانظر أي يوم هو، أي تذكر أحوال هذا اليوم و أهواله مِنَ الدَّهْرِ فَإِنَّ الدَّهْرَ طَوِيلٌ قَصِيرٌ فَاعْمَلْ كَأَنَّكَ تَرَى ثَوَابَ عَمَلِكَ لِيَكُونَ أَطْمَعَ لَكَ فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّ مَا هُوَ آتٍ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا هُوَ قَدْ وَلَّى مِنْهَا و صعوبته و السؤال و الحساب فيه، فأعد له الجواب و حاسب نفسك قبل ذلك، و خذ موعظتك من الدهر و أهله بالتفكر في فنائها و سرعة انقضائها، و كون لذاتها فانية مشوبة بالآلام الكثيرة، و النظر في عواقب السعداء و الأشقياء. " فإن الدهر طويل قصير" هذه الفقرة تحتمل وجوها: الأول: أن دهر الموعظة طويل لأنه يمكنه أن يعتبر و يتفكر في أحوال السعداء و الأشقياء من أول الدهر إلى زمانه فكأنه قد عاش معهم جميعا كما قال أمير المؤمنين في وصية للحسن (عليهما السلام): و دهر العمل و اللذات التي فيها قصير. الثاني: أن الدهر من جهة الموعظة طويل يمكنه الاتعاظ بأقل زمان لأن الدهر دائما في الانقلاب، و من جهة العمل قصير ينبغي اغتنام الفرصة فيه. الثالث: أنه للمحسنين طويل لأنه يمكنهم اكتساب السعادات العظيمة في أقل زمان، فهم في أعمارهم القليلة يعملون أعمالا كثيرة، و تبقى منهم آثار جليلة، و للمسيئين قصير لأنه تفني لذاتهم و تبقى عليهم تبعاتهم و لا ينتفعون بشيء من أعمارهم. الرابع: أن المعنى أن تمام العمر و إن كان طويلا لكن ما بيده منها قصير، و هو الساعة التي هو فيها لأن ما مضى قد خرج من يده، و ما يأتي لا يعلم حاله فيه كما مر مرارا، و قيل: المعنى أنه و إن كان طويلا لكن نظرا إلى انقطاعه قصير. و أقول: هذه الفقرات سيأتي أمثالها في مناجاة الله تعالى لموسى (عليه السلام) في الروضة حيث قال: يا موسى ما أريد به وجهي فكثير قليله، و ما أريد به غيري فقليل كثيره و إن أصلح أيامك الذي هو أمامك فانظر أي يوم هو، فأعد له الجواب فإنك موقوف به و مسئول، و خذ موعظتك من الدهر و أهله فإن الدهر طويله قصير و قصيره طويل و كل شيء فان فاعمل كأنك ترى ثواب عملك، لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة، فإن ما بقي من الدنيا كما ولي منها، و كل عامل يعمل على بصيرة و مثال فكن مرتادا لنفسك يا بن عمران. فالظاهر منه أن طويله قصير لفنائه و سرعة انقضائه، و قصيره طويل لإمكان تحصيل السعادات العظيمة في القليل منه، و إن احتمل بعض الوجوه الأخر. " فاعمل كأنك ترى ثواب عملك" أي إذا أخذت موعظتك من الدهر، و عرفت فناءها و سرعة انقضائها ينبغي أن تقبل على عملك الموجب لتحصيل المثوبات الأخروية لك مع اليقين بترتب الثواب كأنك تراه فإن من كان كذلك يكون قلبه فارغا عن حب الدنيا، و الميل إلى شهواتها، فيكون عمله مع حضور القلب و رعاية آدابها فيكون أطمع له في الأجر، و اللام للتعدية. و الحاصل أنه يكون عمله في درجة الكمال و مظنة القبول، و إن كان الأولى بالنسبة إليه أن يعد نفسه مقصرا، و لا يعتمد على عمله، أو المعنى أنك إذا كنت في اليقين بحيث كأنك ترى بعينك ثواب عملك تكون تلك الحالة ادعى لك على العمل الذي هو موجب لحصول الأجر، فأشار إلى الحرص على العمل بذكر لازمه، و هو الطمع في الأجر، و على التقادير يدل على أن قصد الثواب لا ينافي الإخلاص، بل كماله، فإن ما هو آت من الدنيا كما قد ولى منها أي في سرعة الانقضاء و عدم الاعتماد عليه في البقاء، فهو تعليل لأخذ الموعظة أو له و لما يترتب عليه من العمل الخالص و الحرص عليه، أو لرؤية ثواب الآخرة و قرب حصوله فإن بقية العمر في عدم الوثوق عليه كالماضي، فالآخرة قريبة منك كأنك تراه و تسعى إليه، أو للأمر بالعمل الخالص في الحال لمرور الماضي بالتقصير و عدم الوثوق على الآتي كما مر، و قيل: أي لا تكن في تدبير ما يأتي من العمر بتحصيل المال كما أنك لا تتفكر فيما مضى.

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ مُحَاسَبَةِ الْعَمَلِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.