الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ النَّهْدِيِّ رَفَعَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعُ خِصَالٍ الْخَطَأُ وَ النِّسْيَانِ وَ مَا لَا لا يقال: الاستثناء من قوله تعالى" مَنْ كَفَرَ بِاللّٰهِ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِهِ" و من شرطية محذوفة الجزاء، أي فهو مفتر للكذب لا على أنه غير آثم؟ لأنا نقول: المستثنى منه في معرض الذم و الوعيد، و هما منفيان عن المكره بحكم الاستثناء، فلا يكون المكره من أهل الذم و الوعيد، فلا يكون آثما. الحديث الثاني: مرفوع. " و ما لا يعلمون" ظاهره معذورية الجاهل مطلقا، و يدل عليه فحاوي كثير من الآيات و الأخبار، و لا يبعد العمل به إلا فيما أخرجه الدليل لكن أكثر الأصحاب اقتصروا في العمل به على مواضع مخصوصة، ذكروها في كتب الفروع كالصلاة مع نجاسة الثوب و البدن، أو موضع السجود، أو في الثوب و المكان المغصوبين، أو ترك الجهر و الإخفات في موضعهما، و النكاح في العدة و أمثالها، و لو قيل: المراد عدم المؤاخذة لا عدم ترتب الأحكام، فمع عدم التقصير في التفحص ظاهره العموم في جميع الموارد، لكن ظاهر الوضع و الرفع عدم ترتب الأحكام أيضا. " و ما اضطروا إليه" سواء كان سبب الاضطرار من قبل الله تعالى كما في أكل الميتة في المخمصة، و شرب الماء النجس عند الاضطرار، و التداوي بالحرام للمريض عند انحصار الدواء، أو من قبل نفسه أو من الغير كمن جرح نفسه أو جرحه غيره في شهر رمضان، و اضطر إلى الإفطار و لكن في التداوي بالحرام لا سيما الخمر أخبار كثيرة بالمنع، و كذا في شرب النبيذ و الخمر عند الإكراه، و سيأتي القول فيها في محله إن شاء الله. و قد عرفت اختلاف الأخبار في التقية في البراءة عن أهل البيت (عليهم السلام) و وجه الجمع بينها، و أما الطيرة فقال الجوهري: الطيرة مثال العنبة هي ما يتشأم به من الفال الرديء، و في الحديث أنه كان يحب الفال و يكره الطيرة و قال في النهاية فيه يَعْلَمُونَ وَ مَا لَا يُطِيقُونَ وَ مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ وَ مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ الطِّيَرَةُ وَ الْوَسْوَسَةُ لا عدوى و لا طيرة بكسر الطاء و فتح الياء، و قد تسكن هي التشؤم بالشيء و هو مصدر تطير يقال تطير طيرة و تخير خيرة، و لم يجيء من المصادر هكذا غيرها، و أصله فيما يقال التطير بالسوانح و البوارح من الطير و الظباء، و كان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع و أبطله و نهى عنه، و أخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع و دفع ضر. و قد تكرر ذكرها في الحديث اسما و فعلا، و منه الحديث: ثلاث لا يسلم منها أحد الطيرة و الحسد و الظن، قيل: فما نصنع؟ قال: إذا تطيرت فامض، و إذا حسدت فلا تبغ، و إذا ظننت فلا تحقق، و منه الحديث الآخر: الطيرة شرك و ما منا إلا و لكن الله يذهبه بالتوكل. هكذا جاء الحديث مقطوعا و لم يذكر المستثنى أي إلا و قد يعتريه التطير و تسبق قلبه الكراهة، فحذف اختصارا و اعتمادا على فهم السامع و إنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم ضرا إذا عملوا بموجبه، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى في ذلك. و قوله: و لكن الله يذهبه بالتوكل معناه أنه إذا خطر له عارض التطير فتوكل على الله تعالى و سلم إليه و لم بعمل بذلك الخاطر غفره الله تعالى، و لم يؤاخذه به. و قال في المصباح: تطير من الشيء و أطير منه و الاسم الطيرة و زان عنبة و هي التشاؤم، و كانت العرب إذا أرادت المضي لمهم مرت بمجاثم الطير و إثارتها لتستفيد هل تمضي أو ترجع، فنهى الشارع عن ذلك و قال: لا هام و لا طيرة، انتهى. و أقول: إذا عرفت هذا فكون الطيرة موضوعة يحتمل وجوها: الأول: وضع المؤاخذة و العقاب عن هذا الخطور، فإنه لا يكاد يمكن رفعها عن النفس و كفارته أن لا يعمل بمقتضاها و يتوكل على الله تعالى، و لذا قال (صلى الله عليه و آله و سلم) فِي التَّفَكُّرِ فِي الْخَلْقِ وَ الْحَسَدُ مَا لَمْ يُظْهِرْ بِلِسَانٍ أَوْ يَدٍ إذا تطيرت فامض. الثاني: رفع تأثيرها عن هذه الأمة ببركة ما وصل إليهم عن الرسول و الأئمة (عليهم السلام) من عدم الاعتناء به، و التوكل على الله و الأدعية و الأذكار الدافعة لذلك. الثالث: أن المراد بوضعها رفعها و المنع عن العمل بها، و الرجز عنها كما فهمه صاحب النهاية و غيره، فلا يكون على سياق سائر الفقرات، و الأظهر في هذا الخبر المعنى الأول. و أما تأثيرها فالأخبار مختلفة في ذلك، و الذي يقتضيه الجمع بينها أن مع تأثر النفس بها قد يكون لها تأثير و مع عدم الاعتناء بها و التوكل على الله فلا تأثير لها. " و الوسوسة في التفكر" سيأتي إن شاء الله عن أبي عبد الله (عليه السلام): ثلاث لم ينج منها نبي فمن دونه: التفكر في الوسوسة في الخلق، و الطيرة و الحسد إلا أن المؤمن لا يستعمل حسده. و على التقديرين يحتمل هذه الفقرة وجوها: الأول: أن يكون المراد وساوس الشيطان بسبب التفكر في أحوال الخلق، و سوء الظن بهم بما يشاهد منهم، فإن هذا شيء لا يمكن دفعه عن النفس، لكن يجب عليه أن لا يحكم بهذا الظن، و لا يظهره و لا يعمل بموجبه بالقدح فيهم، و رد شهادتهم و نحو ذلك، و يؤيده الخبر الذي رواه في النهاية، حيث ذكر مكانها: الظن و قال: و إذا ظننت فلا تحقق أي لا تجزم. و قال في النهاية أيضا فيه: إياكم و الظن، فإن الظن أكذب الحديث، أراد الشك يعرض لك في شيء فتحققه و تحكم به، و قيل: أراد إياكم و سوء الظن و تحقيقه دون مبادئ الظنون التي لا تملك و خواطر القلوب التي لا تدفع و منه الحديث و إذا ظننت فلا تحقق. الثاني: التفكر في الوساوس التي تحدث في النفس في مبدء خلق الأشياء، و أن الله سبحانه من خلقه و كيف وجد و أين هو؟ مما لو تفوه به لكان كفرا و شركا و يؤيده الأخبار الكثيرة التي مضت في باب الوسوسة، و حديث النفس، و قد روت العامة في صحاحهم أنه سئل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن الوسوسة؟ فقال: تلك محض الإيمان و في رواية أخرى يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا و كذا حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله و لينته. الثالث: أن يتفكر في القضاء و القدر، و خلق أعمال العباد و الحكمة في خلق بعض الشرور في العالم، كخلق إبليس و المؤذيات، و في تمكين الأشرار على الأخيار و خلق الكفار و خلق جهنم و تأبيد الكفار فيها و غير ذلك مما لا يخلو أحد عنها و ذلك كله معفو إذا لم يستقر في النفس، و لم يحصل بسببه شك في حكمة الخالق و عدله، و كون العباد غير مجبورين فيما كلفوا به أو بتركه و لعل الأول هنا أظهر و إن كان للثاني شواهد كثيرة. و روى الصدوق (ره) في الخصال و التوحيد بسند صحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): رفع عن أمتي تسعة: الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة، و القيد بعدم النطق بالشفة لا ينافي شيئا من المعاني، و الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد بدل على أن الحسد ليس معصية مع عدم الإظهار و هو خلاف المشهور، و يؤيده قوله (عليه السلام) في خبر الروضة: لم يخل منها نبي فمن دونه و هو أنسب بسعة رحمة الله، و نفي الحرج في الدين، فإنه قل من يخلو عن ذلك، فما ورد في ذم الحسد و عقوباته يمكن حمله على ما إذا كان مع الإظهار، و يمكن أن يكون متعلقا بالوسوسة أيضا بل بالطيرة أيضا، و يؤيده رواية الصدوق، بل في
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ مَا رُفِعَ عَنِ الْأُمَّةِ