الأقسامالكافيكتاب الدعاء
الكافي · رقم ٣

أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مُيَسِّرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ لِي يَا مُيَسِّرُ ادْعُ وَ لَا تَقُلْ إِنَّ الْأَمْرَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ إِنَّ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَنْزِلَةً لَا تُنَالُ إِلَّا بِمَسْأَلَةٍ وَ لَوْ أَنَّ عَبْداً سَدَّ فَاهُ و هذه الأخبار يدفع أقوال الصوفية القائلين بأن ترك الدعاء أحسن مطلقا أو في بعض الأحوال، قال الطيبي في شرح المشكاة: دلت الأحاديث الصحيحة على استحباب الدعاء و الاستعاذة، و عليه أجمع العلماء و أهل الفتاوى في الأمصار في كل الأعصار، و ذهب طائفة من الزهاد و أهل المعارف إلى أن ترك الدعاء أفضل استسلاما للقضاء، و قال آخرون منهم: إن دعا للمسلمين فحسن و إن خص نفسه فلا، و منهم من قال: إن وجد في نفسه باعثا للدعاء استحب و إلا فلا، و دليل الفقهاء ظواهر القرآن و السنة في الأمر بالدعاء و الأخبار عن الأنبياء (صلوات الله عليهم أجمعين). الحديث الثالث: صحيح. " و لا تقل إن الأمر قد فرغ منه" الأمر حدوث الحوادث و تدبيره، و فرغ على بناء المجهول، و الظرف قائم مقام الفاعل، و النهي عن هذا القول يحتمل، وجهين: أحدهما: بطلانه فإن هذا قول اليهود و بعض الحكماء، بل لا بد من الإيمان بالبداء، و الله سبحانه كل يوم في شأن، و يمحو ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب، فالقدر و القضاء لا يمنعان الدعاء لأنه يمكن تغيير ما قدر في لوح المحو و الإثبات، مع أن الدعاء أيضا من أسباب القضاء، و كذا الأمر بالدعاء أيضا منها. و الثاني: أن يكون المراد بالفراغ من الأمر تعلق علمه سبحانه بما هو كائن، و ثبوت جميع ذلك في اللوح المحفوظ، فمن علم الله أنه يموت في سنة كذا يستحيل أن يموت قبلها أو بعدها، و إلا لزم أن يكون علمه تعالى جهلا، فهذا الكلام صحيح لكن ذلك لا يمنع الأمر بالدعاء و الإتيان به، و ترتب الفائدة عليه، فالمراد بالنهي عن القول النهي عن جعل ذلك مانعا عن الدعاء و سببا للاعتقاد بعدم فائدته كما وَ لَمْ يَسْأَلْ لَمْ يُعْطَ شَيْئاً فَسَلْ تُعْطَ يَا مُيَسِّرُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابٍ يُقْرَعُ إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لِصَاحِبِهِ مر تحقيقه في كتاب العدل. و نذكر ههنا أيضا مجملا، و حاصل الخبر أنه (عليه السلام) أجاب عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن الدعاء في نفسه مطلوب لأنه عبادة جليلة تؤدي إلى منزله رفيعة عند الله تعالى، لا تنال تلك المنزلة إلا بمسألة و دعاء و تضرع. و الثاني: أن الكائن قد يزيد و ينقص و يمحو إذا كان مشروطا بشرط مثلا يقدر عمره بثلاثين سنة إن لم يصل رحمه، و بستين إن وصلها، و يقدر رزقه يوم كذا بدرهم إن لم يدع و لم يطلب الزيادة، و بدرهمين إن دعاها و طلبها و هكذا سائر المطالب. و الحاصل أن لوجود الكائنات و عدمها شروطا و أسبابا، و أبي الله سبحانه أن يجري الأشياء إلا بالأسباب، و من جملة الأسباب لبعض الأمور الدعاء، فما لم يدع لم يعط ذلك الشيء، و أما علمه سبحانه فهو تابع للمعلوم و لا يصير سببا لحصول الأشياء و قضاؤه تعالى و قدره ليسا قضاء لازما و قدرا حتما، و إلا لبطل الثواب و العقاب و الأمر و النهي كما مر عن أمير المؤمنين (عليه السلام). قال الغزالي: فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، و الدعاء سبب لرد البلاء، و وجود الرحمة كما أن الترس سبب لدفع السلاح، و الماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان كذلك الدعاء و البلاء، و ليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح، و قد قال تعالى:" وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ" فقدر الله تعالى الأمر و قدر سببه، و في الدعاء من الفوائد ما ذكرنا من حضور القلب و الافتقار و هما نهاية العبادة و المعرفة، انتهى.

الكافي — كتاب الدعاء · بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ وَ الْحَثِّ عَلَيْهِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.