عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ مَا أَبْرَزَ عَبْدٌ يَدَهُ إِلَى اللَّهِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ باب أن من دعا استجيب له الحديث الأول: مجهول. " الدعاء كهف الإجابة" أي مخزن الإجابة و محلها و مظنها كما أن السحاب محل المطر و مظنته، و في المصباح: الكهف بيت منقور في الجبل و الجمع كهوف، و فلان كهف لأنه يلجأ إليه كالبيت على الاستعارة، و في القاموس: الكهف كالبيت المنقور في الجبل و الوزر و الملجإ، انتهى. و قيل: شبه بالسحاب إشارة إلى أنه محل المطر إلا أنه قد لا ينزل لعدم المصلحة، و كذلك الدعاء قد لا يستجاب في الدنيا لعدم المصلحة و يعطى عوضه في الآخرة. الحديث الثاني: ضعيف. و الحياء انقباض النفس عن القبيح خوفا من الذم و إذا نسب إليه تعالى يراد به الترك اللازم الانقباض، و قيل: أستعير الاستحياء للمنافاة لعظمته و قدرته و عزته تعالى. و قال الطيبي: الحياء تغير و انكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به و يذم و هو على الله محال فيحمل على التمثيل مثل تركه تعالى تخييب العبد و إنه لا يرد إِلَّا اسْتَحْيَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَرُدَّهَا صِفْراً حَتَّى يَجْعَلَ فِيهَا مِنْ فَضْلِ رَحْمَتِهِ مَا يَشَاءُ فَإِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَرُدَّ يَدَهُ حَتَّى يَمْسَحَ عَلَى وَجْهِهِ وَ رَأْسِهِ يده صفرا من عطائه لكرمه بترك من يترك إذ المحتاج إليه حياء منه، و قال: صفر الشيء بالكسر أي خلا و المصدر صفر بالتحرك و يستوي فيه المذكر و المؤنث و التثنية و الجمع، و في المصباح بيت صفر وزان حمل أي خال من المتاع، و هو صفر اليدين ليس فيهما شيء مأخوذ من الصفر و هو الصوت الخالي من الحروف، و صفر الشيء من باب تعب إذا خلا فهو صفر و أصفر بالألف لغة. و في القاموس: الصفر مثلثة و ككتف و زبر: الخالي. و فيه إشعار بأنه تعالى إما يستجيب هذه الحاجة إن علم صلاحه فيه أو يجعل في يده ما هو خير له من تلك الحاجة، و يدل على استحباب مسح الرأس و الوجه باليدين بعد رفعهما بالدعاء، و قد ورد النهي عنه في صلاة الفريضة فهو محمول على غيره. و لندفع هنا شبهة تحظر ببال أكثر الناس أنه سبحانه وعد إجابة الدعاء و خلف الوعد عليه تعالى محال كما عرفت، و أيضا ورد ذلك في كثير من الآيات و الأخبار و يمتنع صدور الكذب عنه تعالى و عن حججه (عليهم السلام). و يمكن الجواب عنه بوجوه: الأول: أن الوعد مشروط بالمشية أي أجيب إن شئت، و يدل عليه قوله:" فَيَكْشِفُ مٰا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شٰاءَ". الثاني: ما قيل: إنه أراد بالإجابة لازمها و هو السماع فإنه من لوازم الإجابة فإنه يجيب دعوة المؤمن في الحال و يؤخر إعطاءه ليدعوه و يسمع صوته فإنه يحبه. الثالث: أنها مشروطة بكونها مصلحة و خيرا إذ الحكيم لا يترك ما هو موجب لصلاح أحوال العباد بما هو مقتضى شهواتهم كما قال سيد الساجدين (صلوات الله عليه): يا من لا تبدل حكمته الوسائل، و ذلك كما إذا قال كريم أنا لا أرد سائلا ثم أتى سفيه و طلب منه ما يعلم أنه يقتله و السائل لم يعلم ذلك أو أتى صبي جاهل و طلب أفعى لحسن نقشه و نعومته و لا يعلم أنه يقتله و لا يبالي بذلك فالحكمة و الجود يقتضيان منعهما لا إعطاءهما، و لو أعطاهما ذمه العقلاء. فظهر أنه لا بد أن يكون هذا الوعد من الحكيم مشروطا و منوطا بالمصلحة، فإن قيل: فإذا كان هكذا فما فائدة الدعاء فإن ما كان صلاح العباد فيه يأتي أمنه لا محالة. قلت: يمكن أن يكون مع الدعاء الصلاح في الإعطاء و مع عدمه الصلاح في منعه. فعلى هذا المطالب ثلاثة أقسام: الأول: أن تكون المصلحة في الإعطاء على كل حال كالرزق الضروري و أمثاله. الثاني: أن لا تكون المصلحة في الإعطاء بوجه. الثالث: أن تكون المصلحة في العطاء مع الدعاء و في العدم مع عدمه. و إنما يظهر أثر الدعاء في الثالث، و لما لم يكن لعامة الخلق التميز بين تلك الأقسام فلذا أمروا بالدعاء عموما فيما لم يكن عدم المصلحة فيه ظاهرا و لم يكن ممتنعا عقلا أو عادة أو محرما شرعا ليحصل بذلك القرب و الثواب، فإن لم يستجب ينبغي أن لا ييأس و يعلم أنه سبحانه إنما لم يستجب لما علم أنه ليس له في ذلك مصلحة، أو لإخلاله ببعض شرائط الدعاء أو غير ذلك. الرابع: أن لكل عبادة شرائط لحصولها و موانع عن قبولها، فلما لم تتحقق الشرائط و لم ترتفع الموانع لم يترتب عليها آثارها الدنيوية و الأخروية كالصلاة إذا ورد فيها: من صلى دخل الجنة، أو زيد في رزقه مثلا، فإذا صلى بغير وضوء أو فعل ما يبطلها أو يحبطها لم تترتب عليها آثارها الدنيوية و الأخروية، و إذا قال الطبيب: السقمونيا مسهل، فإذا شرب الإنسان معه ما يبطل عمله كالأفيون فهو لا يبطل قول الطبيب و لا ينافي حكمه في ذلك.
الكافي — كتاب الدعاء · بَابُ أَنَّ مَنْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ