عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ باب الرغبة و الرهبة و التضرع و التبتل و الاستعاذة و المسألة قال في النهاية: في حديث الدعاء رغبة و رهبة إليك، يقال: رغب يرغب رغبة إذا حرص على الشيء و طمع فيه، و الرغبة السؤال و الطلب، و الرهبة الخوف و الفزع أعمل لفظ الرغبة وحدها و لو أعملها معا قال رغبة إليك و رهبة منك، و لكن لما جمعهما في النظم حمل أحدهما على الآخر، و قال: التضرع التذلل و المبالغة في السؤال: و الرغبة، يقال: ضرع يضرع بالكسر و الفتح و تضرع إذا خضع و ذل، و قال: يقال تبله يبتله تبلا إذا قطعه، و فيه لا رهبانية و لا تبتل، التبتل الانقطاع عن النساء و ترك النكاح، و امرأة بتول منقطعة عن الرجال لا شهوة لها فيهم، و بها سميت مريم أم عيسى (عليه السلام) و سميت فاطمة البتول لانقطاعها عن نساء زمانها فضلا و دينا و حسبا، و قيل: لانقطاعها إلى الله تعالى. و قال و في حديث الدعاء و الابتهال أن تمد يديك جميعا و أصله التضرع و المبالغة في الدعاء. و قال الجوهري: تضرع إلى الله أي ابتهل، قال الفراء: جاء فلان يتضرع و يتعرض بمعنى إذا جاء يطلب إليك الحاجة، و قال: التبتل الانقطاع عن الدنيا إلى الله، و كذلك التبتيل و منه قوله تعالى:" وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا" و قال: الابتهال التضرع و يقال في قوله تعالى" ثُمَّ نَبْتَهِلْ" أي نخلص في الدعاء. الحديث الأول: صحيح على الظاهر إذ الأظهر أن أبا إسحاق هو ثعلبة بن عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ الرَّغْبَةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ بِبَطْنِ كَفَّيْكَ إِلَى السَّمَاءِ وَ الرَّهْبَةُ أَنْ تَجْعَلَ ظَهْرَ كَفَّيْكَ إِلَى السَّمَاءِ ميمون. قوله:" الرغبة" هذا و نظائره يحتمل وجهين: الأول: أن يكون المعنى أنه إذا كان الغالب عليه في حال الدعاء الرغبة و الرجاء ينبغي أن يفعل هكذا، فإنه يظن أن يد الرحمة انبسطت فيبسط يده ليأخذه، و إذا كان الغالب عليه الخوف و عدم استئهاله للإجابة يجعل ظهر كفيه إلى السماء إشارة إلى أنه لكثرة خطاياه مستحق للحرمان و إن كان مقتضى كرمه وجوده الفضل و الإحسان. الثاني: أن يكون المعنى أنه إذا كان مطلوبه طلب منفعة ينبغي أن يبسط بطن كفيه إلى السماء لما مروان كان مطلوبه دفع ضرر و بلاء يخاف نزوله من السماء يجعل ظهرها إليها كأنه يدفعها بيديه، و لا يخفى أن فيما عدا الأولين الأول أنسب، و الخبر الخامس يؤيد الثاني. و يمكن الجمع بين المعنيين بحمل الأولين على الثاني و البقية على الأول، و يحتمل حمل الأولين على المطالب الدنيوية و ما بعدهما على المناجاة، و المطالب الأخروية و الحمل إما بتقدير مضاف أي أدب الرغبة مثلا أو هذه الأسماء صارت في عرف الشرع أسماء لتلك الأفعال أو أطلق عليها مجازا لدلالتها عليها. و قوله:" وَ تَبَتَّلْ" قال الدعاء أي إشارة إليه أو التقدير مدلول قوله، و قوله: " قال" كلام الراوي اعترض بين المبتدأ و الخبر. و قال الطبرسي (ره): التبتل الانقطاع إلى عبادة الله و إخلاص العمل له و أصله من بتلت الشيء قطعته و منه البتول (عليها السلام) لانقطاعها إلى عبادة الله عز و جل، ثم قال: و المعنى أخلص له إخلاصا عن ابن عباس و غيره يعني في الدعاء و العبادة و قيل: انقطع إليه انقطاعا و قيل: توكل إليه توكلا، و قيل: تفرغ لعبادته و روى محمد بن مسلم و زرارة و حمران عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) إن التبتل هنا وَ قَوْلُهُ وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا قَالَ الدُّعَاءُ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ تُشِيرُ بِهَا وَ التَّضَرُّعُ تُشِيرُ بِإِصْبَعَيْكَ وَ تُحَرِّكُهُمَا وَ الِابْتِهَالُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ وَ تَمُدُّهُمَا وَ ذَلِكَ عِنْدَ الدَّمْعَةِ ثُمَّ ادْعُ رفع اليدين في الصلاة، و في رواية أبي بصير هو رفع يدك إلى الله و تضرعك إليه، انتهى. و أقول: يحتمل أن يكون المعنى أن هذا أفضل أنواع التبتل الذي ذكره الله عز و جل، و الإشارة يحتمل الرقع و الخفض و التحريك يمينا و شمالا، و الخبر الثالث يدل على الأول، و على الأول اليد اليسرى أنسب، و على الثاني اليمنى كما سيأتي. و المراد بالإصبعين الجمع بينهما، و قيل: الرفع و الخفض إشارة إلى أنه لا أدري أ ترفعني أم تضعني و كذا التحريك يمينا و شمالا إشارة إلى أنه لا يدري أنه من أصحاب اليمين أو من أصحاب الشمال، و قيل: الرفع و الخفض إشارة إلى أن الروح يجرني إليك، و التعلق الجسماني يجرني إلى السفل و لا يمكنني الانقطاع إليك إلا بجذباتك. و أقول: يحتمل أن يكون الأول إلحاحا في الطلب كما هو دأب الملحين من السائلين لا سيما إذا كان السائل لا يقدر على النطق، و في عدة الداعي كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يرفع يديه إذا ابتهل و دعا، كما يستطعم المسكين، و فيما أوحى الله إلى موسى (عليه السلام) ألق كفيك ذلا بين يدي كفعل البعد المستصرخ إلى سيده، فإذا فعل ذلك رحمته و أنا أكرم القادرين. و الثاني إشارة إلى التحير في أمره، و ذلك عند تعارض آيات الخوف و الرجاء، و النظر إلى بعده عن درجة القبول و الكمال، و شدة كرم مولاه الذي هو منتهى الآمال، فإذا أقبلت الدمعة و اشتد الرجاء فالمناسب له أن يمد يديه إلى القبلة أو إلى السماء لأخذ العطاء، و المد هنا يحتملها.
الكافي — كتاب الدعاء · بَابُ الرَّغْبَةِ وَ الرَّهْبَةِ وَ التَّضَرُّعِ وَ التَّبَتُّلِ وَ الِابْتِهَالِ وَ الِاسْتِعَاذَةِ وَ الْمَسْأَلَةِ