عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ سَمِعَ أَبِي رَجُلًا مُتَعَلِّقاً بِالْبَيْتِ وَ هُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ صَلِّ الرذيلة فحرم بذلك تلك الفضيلة، و إن لم يكن معاقبا بذلك لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): رفع عن أمتي الخطأ و النسيان. الحديث الحادي و العشرون: ضعيف. و في القاموس: البتر القطع أو مستأصلا، و الأبتر المقطوع الذنب، و كل أمر منقطع من الخير، و البتراء من الخطب ما لم يذكر اسم الله فيه، و لم يصل على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الانبتار الانقطاع، و قال: الظلم بالضم وضع الشيء في غير موضعه، و ظلمه حقه و تظلمه إياه" و لم تظلم منه شيئا" أي و لم تنقص. و أقول: المراد بالبتر هنا إما الاستئصال للإشعار بأن الصلاة على النبي بدون آله باطل فكأنه لم يصل أصلا، أو النقص و عدم الإتمام كما سموا خطبة زياد بدون الحمد و الصلاة البتراء، و يدل الخبر على حرمة الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بدون الصلاة على الآل لأنه عده ظلما عليهم و الظلم عليهم حرام بإجماع المسلمين. و لنختم الباب بذكر فوائد لا بد من التعرض لها. الأولى: في بيان وجوب الصلاة على النبي و آله (صلوات الله عليهم)، و موانعها. قال مؤلف كنز العرفان: ذهب أصحابنا و الشافعي و أحمد إلى وجوب الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في الصلاة و استدل بعض الفقهاء بما تقريره شيء من الصلاة على النبي واجب، و لا شيء من ذلك في غير الصلاة بواجب، ينتج أنها في الصلاة واجبة، أما الصغرى فلقوله تعالى صَلُّوا، و الأمر حقيقة في الوجوب، و أما الكبرى فظاهرة، و فيه نظر: لمنع الكبرى كما يجيء. و حينئذ فالأولى الاستدلال على الوجوب بدليل خارج، أما من طرقهم فما رووه عن عائشة قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول عَلَى مُحَمَّدٍ فَقَالَ لَهُ أَبِي يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَبْتُرْهَا لَا تَظْلِمْنَا حَقَّنَا قُلِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ لا تقبل صلاة إلا بطهور، و بالصلاة على، و كذا عن أنس عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله ثم ليصلي علي، و من طرقنا ما رواه أبو بصير و غيره عن الصادق (عليه السلام) قال:" من صلى و لم يصل على النبي و تركه متعمدا فلا صلاة له" حتى إن الشيخ جعلها ركنا في الصلاة، فإن عنى الوجوب و البطلان بتركها عمدا فهو صحيح، و إن عنى تفسير الركن بأنه ما يبطل الصلاة بتركه عمدا و سهوا فلا. ثم قال (ره): قال علماؤنا أجمع: إن الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) واجبة في التشهدين معا، و به قال أحمد، و قال الشافعي: مستحبة في الأول واجبة في الأخير، و قال مالك و أبو حنيفة هي مستحبة فيهما، دليل أصحابنا روايات كثيرة عن أئمتهم (عليهم السلام). أقول: ظاهر كلامه عدم الخلاف بيننا في وجوبها في التشهدين، و قد خالف فيه بعضهم و إن ادعوا الإجماع أيضا. ثم قال (قدس سره): هل تجب الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في غير الصلاة أم لا؟ فذهب الكرخي إلى وجوبها في العمر مرة، و قال الطحاوي: تجب كلما ذكر و اختاره الزمخشري، و نقل عن ابن بابويه من أصحابنا، و قال بعضهم: في كل مجلس مرة. أقول: أي و لو تكرر ذكره. و قال بعضهم: تجب في التشهد آخر الصلاة، و قيل: في التشهد مطلقا و قيل: تجب في الصلاة من غير تعيين المحل، و قيل: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، و قيل: تجب في كل دعاء، و قال الزمخشري- بعد ذكر قول الطحاوي- و هو الذي يقتضيه الاحتياط. و قال المحقق الأردبيلي (ره): و لا شك أن احتياط الكشاف أحوط- ثم قال- و يمكن اختيار الوجوب في كل مجلس مرة إن صلى آخرا، و إن صلى ثم ذكر تجب أيضا كما في تعدد الكفارة بتعدد الموجب، إذا تخللت و إلا فلا، و لا يخفى ما في هذه الوجوه. ثم قال صاحب الكنز (قدس سره): و المختار الوجوب كلما ذكر لدلالة ذلك على التنوير برفع شأنه و الشكر لإحسانه المأمور بهما، و لأنه لولاه لكان كذكر بعضنا بعضا و هو منهي عنه في آية النور، و لما روي عنه (صلى الله عليه و آله و سلم): من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله، و الوعيد أمارة الوجوب، و روي أنه قيل له: يا رسول الله أ رأيت قول الله:" إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ" فقال (صلى الله عليه و آله و سلم): هذا من العلم المكنون و لو لا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم به، إن الله عز و جل و كل بي ملكين فلا أذكر عند مسلم فيصلي علي إلا قال له ذانك الملكان: غفر الله لك، و قال الله و ملائكته: آمين، و لا أذكر عند مسلم فلا يصلي علي إلا قال له الملكان لا غفر الله لك و قال الله و ملائكته آمين. و أما عند عدم ذكره فيستحب استحبابا مؤكدا لتظافر الروايات بأن الصلاة عليه تهدم الذنوب و توجب إجابة الدعاء المقرون بها. و أقول: استدل القائلون بعدم وجوب الصلاة عند مطلق الذكر بالأصل و بالشهرة و بعدم تعليمه (صلى الله عليه و آله و سلم) للمؤذنين و تركهم ذلك مع عدم وقوع نكير لهم كما يفعلون الآن، و لو كان لنقل، و في جميع ذلك نظر لأن عدم التعليم ممنوع، و كذا عدم النكير و عدم النقل و تكفي الأخبار و التهديدات الواردة فيها مطلقا، مع أنه سيجيء في باب بدو الأذان و الإقامة ما رواه زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: إذا أذنت فأفصح بالألف و الهاء، و صل على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كلما ذكرته أو ذكره ذاكر في أذان أو غيره، على أن عدم النقل لا يدل على العدم و أصالة البراءة لا يصح التمسك بها بعد ورود الآية و الأخبار الكثيرة به. الثانية: الظاهر أن الأمر فيها على الفور حيث رتب الأمر في أكثرها بالفاء الدالة على التعقيب بلا تراخ، فلو أهمل الفور أثم على تقدير الوجوب و لم يسقط، و كذا الظاهر هو الأمر بها على كل أحد في جميع الأحوال، و لو كان مشتغلا بالصلاة فلو ترك الامتثال و اشتغل بالقراءة أو بغيرها من الأذكار الواجبة أمكن القول ببطلانها على تقدير الوجوب بناء على أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده الخاص، و النهي في العبادة يدل على الفساد، لكن كون الأمر بالشيء مستلزما للنهي عن الضد في محل المنع و لو كان في أثناء كلمة بل أثناء آية لا يبعد القول بأن إتمامهما لا ينافي الفورية العرفية بل إذا كان قريبا من آخر السورة لا يبعد القول بجواز إتمامها، و لو تكرر الذكر تكرارا كثيرا بحيث يخرج الاشتغال بالصلاة عليه (صلى الله عليه و آله و سلم) عن كونه قارئا أو عن كونه مصليا على طريقة الأصحاب لا يبعد القول بسقوط التكليف بها لأن الواجبين إذا تضيقا و لم يمكن الجمع بينهما علمنا أن أحدهما ليس بواجب، و لما كان مشتغلا بالصلاة و يحرم قطعها، فكان ما ينافيها غير مأمور به لا سيما إذا كان وقت الصلاة مضيقا. و مع التوسعة يمكن أن يقال: إذا كان وقت الصلاة موسعا و وقت الصلاة عليه (صلى الله عليه و آله و سلم) مضيقا ينبغي أن يبدأ بالمضيق و تحريم القطع في تلك الصورة ممنوع، لأنه يمكن أن يكون من الضرورات التي يجوز القطع لها، كإنقاذ الغريق أو إدراك الغريم أو إذا تضيق وقت صلاة الكسوف مثلا و قد دخل في الحاضرة الموسعة. و بالجملة تلك الفروع لا تخلو من إشكال لما سمعت، و لعدم ثبوت خروج الإنسان عن كونه مصليا و عن كونه قارئا بأمثال ذلك، و أنه موقوف على معرفة كون الأذكار الكثيرة و الأعمال الكثيرة التي لم يرد عنها نهي في الشريعة و السكوت الطويل و أمثال ذلك مخرجة عن الصلاة. مع أنه قد ورد تجويز التسبيحات الكثيرة و الأدعية الطويلة في الركوع و السجود و غيرهما، و الخروج عن المسجد الحرام إلى ما بين الصفا و المروة و إزالة النجاسة ثم العود إلى المسجد و البناء على الصلاة، و العرف العام و اصطلاحات العوام لا مدخل لها في تحقيق الحقائق الشرعية، و أيضا تحريم قطع الصلاة مطلقا محل نظر، و قد حققنا ذلك في كتاب الصلاة من الكتاب الكبير، و في بعض تعليقاتنا على كتب الحديث. الثالثة: قد عرفت اشتراط صحة الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بالصلاة على الآل، قال صاحب الكنز: مذهب علمائنا أجمع أنه تجب الصلاة على آل محمد في التشهدين و به قال بعض الشافعية، و إحدى الروايتين عن أحمد، و قال الشافعي بالاستحباب، لنا رواية كعب و قد تقدمت في كيفية الصلاة عليه (صلى الله عليه و آله و سلم) و إذا كانت الصلاة عليه واجبة كانت كيفيتها واجبة أيضا، و روى كعب أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يقول ذلك في صلاته، و قال (صلى الله عليه و آله و سلم): صلوا كما رأيتموني أصلي، و عن جابر الجعفي عن الصادق (عليه السلام) و عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من صلى صلاة و لم يصل فيها على و على أهل بيتي لم تقبل منه. ثم قال: الذين يجب عليهم الصلاة في الصلاة و يستحب في غيرها هم الأئمة المعصومون لإطباق الأصحاب على أنهم هم الآل و لأن الأمر بذلك مشعر بغاية التعظيم الذي لا يستوجبه إلا المعصوم، و أما فاطمة (عليها السلام) فتدخل أيضا لأنها بضعة منه (صلى الله عليه و آله و سلم)، انتهى. ثم اعلم أنه اشتهر بين الشيعة عدم جواز الفصل بين النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ب" على" ما اشتهر بينهم من رواية غير معلوم الإسناد" من فصل بيني و بين آلي بعلي لم ينل شفاعتي" و لم يثبت عندنا هذا الخبر، و لم أره في كثبنا، و يروي عن الشيخ البهائي (ره) أنه من أخبار الإسماعيلية لكن لم أجد في الدعوات المأثورة عن أرباب العصمة الفصل بها إلا نادرا، و لعل تركه أحوطه. الرابعة: اختلف العلماء في أنه هل ينفعهم الصلاة شيئا أم ليس إلا لانتفاعنا، فذهب الأكثر إلى أنهم (صلوات الله عليهم) لم يبق لهم كمال منتظر، بل حصل لهم جميع الخصال السنية و الكمالات البشرية و لا يتصور للبشر أكثر ما منحهم الله تعالى، فلا يزيدهم صلواتنا عليهم شيئا بل يصل نفعها إلينا و إنما أمرنا بذلك لإظهار حبهم و ولاءهم بل هي إنشاء لإظهار الإخلاص و الولاء لنا، و ليس الغرض طلب شيء لهم و يترتب عليه أن يفيض الله علينا بسبب هذا الإظهار فيوضه و مواهبه و عطاياه، كما أنه إذا كان لأحد محبوب يحبه حبا شديدا و قد أعطاه كلما يمكن فإذا كان لرجل حاجة عند المحب يتقرب إليه بالثناء على محبوبة و طلب شيء له تقربا إليه بإظهار حبه و تصويبه في إكرامه و أنه مستحق لما أعطاه حقيق بما أولاه. و هذا الكلام عندي مدخول، بل يمكن توجيهه بوجوه آخر لكل منها شواهد من الأخبار. الأول: أن تكون الصلاة سببا لمزيد قربهم و كمالاتهم، و لم يدل دليل على عدم ترقيهم إلى ما لا يتناهى من الدرجات العلى في الآخرة و الأولى، و كثير من الأخبار يدل على خلافه، كما ورد في كثير من أخبار التفويض أنه إذا أراد الله سبحانه أن يفيض شيئا على إمام العصر يفيضه أولا على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ثم على إمام إمام حتى ينتهي إلى إمام الزمان، لئلا يكون آخرهم أعلم من أولهم، و كما أن بيننا و بين موالينا (صلوات الله عليهم) من أرباب العصمة و الطهارة درجات غير متناهية لا يمكن لأحدنا و إن عرج على معارج القرب و الكمال أن يصلي إلى أدنى منازلهم، فكذا بينهم (عليهم السلام) و بين جناب الألوهية و ساحة الربوبية معارج غير متناهية كلما صعدوا بأجنحة الرفعة و الكمال على منازل القرب و الجلال، لا تنتهي تلك المعارج، و يعدون أنفسهم في جنب ساحة القدس مثل الذرة أو دونها. و قد أفيض على وجه وجيه في استغفار النبي و الأئمة (صلوات الله عليهم) يناسب هذا الوجه، و هو أنهم (صلوات الله عليهم) لما كانوا دائما في الترقي في مدارج المعرفة و القرب و الكمال، ففي كل آن تحصل لهم معرفة جديدة و قرب جليل و كمال عتيد عدوا أنفسهم مقصرين في المرتبة السابقة في المعرفة و القرب و الطاعة، فكانوا يستغفرون منها، و هكذا إلى ما لا نهاية لها، و قد ورد في الروايات الكثيرة أن أشرف علومنا علم ما يحدث بالليل و النهار آنا فآنا، و ساعة فساعة. و يؤيده ما روي في تأويل قوله سبحانه:" وَ لَدَيْنٰا مَزِيدٌ" أن أهل الجنة في كل يوم جمعة يجتمعون في موضع يتجلى لهم الرب تبارك و تعالى بأنوار جلاله، فيرجع المؤمن بسبعين ضعفا مما في يديه فيتضاعف نوره و ضياؤه، و هذا كناية عن تضاعف قربه و معرفته. الثاني: أن تكون سببا لزيادة المثوبات الأخروية و إن لم تصر سببا لمزيد قربهم و كمالهم، و كيف يمنع ذلك عنهم و قد ورد في الأخبار الكثيرة وصول آثار الصدقات الجارية و الأولاد و المصحف، و تعليم العلوم و العبادات إلى أموات المؤمنين و المؤمنات، و أي دليل دل على استثنائهم عن تلك الفضائل و المثوبات، بل هم آباء هذه الأمة المرحومة و الأمة عبيدهم و ببركتهم فازوا بالسعادات، و نجوا من الهلكات، و كلما صدر عن الأمة من خير و سعادة و طاعة يصل إليهم نفعها و بركتها و لا منقصة لهم في ذلك مع أن جميع ذلك من آثار مساعيهم الجميلة و أياديهم الجليلة. الثالث: أن تصير سببا لأمور تنسب إليهم من رواج دينهم و كثرة أمتهم و استيلاء قائمهم و تعظيمهم و ذكرهم في الملإ الأعلى بالجميل و بالتفخيم و التبجيل، و قد ورد في بعض الأخبار في معنى السلام عليهم أن المراد سلامتهم و سلامة دينهم و شيعتهم في زمن القائم (عليه السلام). فإن قيل: ما ذكرت إنما ينفع في دفع الشبهة الواردة في الصلاة عليهم فما تقول في اللعن على أعدائهم و سائر من يستحق اللعن، بل هل يصير سببا لمزيد عقابهم أم لا؟ و على الأول يلزم أن يعاقب المرء بفعل غيره ما لا يستحقه و هو ينافي العدل، و على الثاني يلزم أن يكون لغوا؟ قلت: يمكن أن يجاب بوجوه:" الأول" أن يختار الشق الثاني و يقال: الفائدة فيه إظهار ما يجب على الإنسان من التبري عن أعداء الله، و هو من أعظم أركان الإيمان، و ليس الغرض منه طلب العقاب بل محض إظهار عداوتهم و التبري منهم و من أعمالهم، فيستحق بذلك المثوبات العظيمة كما في ذكر كلمة التوحيد و أشباهها المخبرة عما في الضمير من العقائد الحقة. الثاني: أن نختار الشق الأول و نقول إن مقادير العقوبات ليست إلا بتقرير الشارع و تبيينه، فإذا قال المولى لعبده: إن فعلت الفعل الفلاني أعطيتك مائة درهم، و إن تركته ضربتك مائة سوط، فإذا أتى به استحق مائة درهم، و إن تركه استحق مائة سوط و إذا قال الشارع إن صليت الصلوات الخمس أعطيتك كذا و كذا في الجنة، و إن تركتها عذبتك ألف سنة ثم تركها مع علمه بذلك استحق تلك العقوبة، و ليس له أن يقول: لم عذبتني ألف سنة لترك صلاة واحدة لأنه عبده و يجب إطاعته، فإذا قرر مقدارا من العقوبة على المخالفة ثم خالفه باختياره و عاقبه بتلك العقوبة لا يعد العقلاء ذلك ظلما، فنقول هيهنا قرر سبحانه لمن خالف أولياءه و غصب حقوقهم أو أنكرها أو أمثال ذلك عقابا في نفسه و عقابا بسبب لعن من يلعنهم، فالعقاب المترتب على اللعن جزء من عقوبتهم المقررة لهم على أعمالهم، فإذا عاقبهم عند اللعن لم يعاقبهم أكثر من استحقاقهم، و هم مستحقون لجميع ذلك. الثالث: أن يقال إن لإعمال هؤلاء الأشقياء قبحا في نفسه حيث خالف أمر الله، و قبحا آخر من جهة الظلم على غيرهم و منعهم عن الشيعة الفوائد التي كانت تترتب على اقتدار أئمتهم و استيلائهم و ظهورهم من المنافع الدنيوية و الأخروية و هداتهم، و دفع الظلم عنهم و عدم جهالتهم و تحيرهم في الأحكام الدينية و الدنيوية و لم يوجد أحد لم يصل إليه من ثمرات هذه الشجرات الملعونة شيء بل في كل آن يصل إليهم أثر من آثار ظلمهم، كما ورد في الأخبار الكثيرة أنه ما زال حجر عن حجر و لا أهريقت محجمة دم إلا و هو في أعناقهما يعنون أبا بكر و عمر، فكل الشيعة مظلومون من جهتهم طالبوا حقوق منهم، و كل لعن طلب حق و استعداء لظلم فيزيد عقابهم من قدر من يلعنهم. الرابع: أن يقال: إنهم بجرأتهم على الله و ظلمهم على أهل بيت العصمة و الطهارة (سلام الله عليهم) مستحقون لما لا يتناهى من العقوبات، و كلما عاقبهم الله تعالى به فهو أقل من استحقاقهم، فكلما زاد الله تعالى في عقابهم بسبب لعن اللاعنين لا يصل إلى قدر استحقاقهم إليهم جميعا لعنة الله إلى يوم الدين. الخامسة: في مزيد تحقيق لمعنى الصلاة عليهم، و إن أسلفنا بعض القول في ذلك قال الله تعالى:" إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً" قيل: صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه و تبجيله و تعظيمه، و كذا صلاة الملائكة الثناء عليه بأحسن الثناء، و الدعاء له بأفضل الدعاء و قيل: صلاة الله مغفرة و صلاة الملائكة استغفار، و هو لا يستقيم على أصولنا إلا بتأويل، و قيل: صلاة الله رحمته و من الملائكة طلب رحمته. و يدل على الأول ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه الآية؟ فقلت: كيف صلاة الله على رسوله؟ فقال: يا أبا محمد تزكيته له في السماوات العلى، فقلت: قد عرفت صلاتنا عليه فكيف التسليم؟ فقال: هو التسليم له في الأمور و أمرنا بالصلاة عليه أمر بقول: اللهم صلى على محمد و آل محمد. و قال صاحب الكنز: الصلاة و إن كانت من الله الرحمة المراد بها الاعتناء بإظهار شرفه و رفعة شأنه، و من هنا قال بعضهم: تشريف الله محمدا (صلى الله عليه و آله و سلم) بقوله:" إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه و آله و سلم)" أبلغ من تشريف آدم بالسجود له و التسليم، قيل: المراد به التسليم بمعنى الانقياد له، كما في قوله:" فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لٰا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً" و قيل: هو قولهم السلام عليك أيها النبي قاله الزمخشري و القاضي في تفسير بهما، و ذكره الشيخ في تبيانه و هو الحق لقضية العطف، و لأنه المتبادر إلى الفهم عرفا، و لرواية كعب المتقدمة و غيرها. ثم قال: استدل بعض شيوخنا على وجوب التسليم المخرج من الصلاة بما تقريره شيء من التسليم واجب، و لا شيء منه في غير الصلاة بواجب، فيكون وجوبه في الصلاة و هو المطلوب، أما الصغرى فلقوله:" سَلِّمُوا" الدال على الوجوب، و أما الكبرى فللإجماع: و فيه نظر لجواز كونه بمعنى الانقياد كما تقدم، سلمنا لكنه سلام على النبي، لسياق الكلام، و قضية العطف، و أنتم لا تقولون أنه المخرج من الصلاة بل المخرج غيره. و استدل بعض شيوخنا المعاصرين على أنه يجب إضافة السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته إلى الأخير بما تقريره السلام على النبي واجب، و لا شيء منه في غير التشهد الأخير بواجب، ينتج أنه فيه واجب، و بيان المقدمتين تقدم. قيل عليه: أنه خرق للإجماع لنقل العلامة الإجماع على استحبابه، و لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يعلمه الأعرابي في كيفية التشهد، و لا هو في حديث حماد في صفة الصلاة عن الصادق (عليه السلام) فلو وجب لزم تأخر البيان عن وقت الحاجة و هو باطل اتفاقا، و لضبط الأصحاب الواجبات في الصلاة و لم يعدوه فيها، و لعدم دلالة الآية عليه صريحا، و لو دلت لم تدل، على الفورية، و لا على التكرار، و لا على كونه في الصلاة، و لا على كونه آخرها، و لا على كونه بصيغة مخصوصة. و يمكن الجواب عن الأول بمنع الإجماع على عدم وجوبه، و الإجماع المنقول على شرعيته و راجحيته و هو أعم من الوجوب و الندب. و عن الثاني و الثالث بأن عدم النقل لا يدل على العدم، مع أن حديث حماد ليس فيه إشعار بالعبارة المتنازع فيها بالوجوب وجودا و عدما، مع إمكان الدخول في التشهد لأنه قال: فلما فرغ من التشهد سلم. و عن الرابع بأنه معارض بوجوب التسليم المخرج عن الصلاة، فإن كثيرا من الأصحاب لم يعده من الواجبات، مع الفتوى بوجوبه. و عن الخامس قد بينا فيما تقدم أن سياق الكلام و قضية العطف تدل على أن المراد السلام على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم). و عن السادس بأن الفورية و التكرار استفيدا من خارج الآية، و هو أنه لما ثبت كونه جزءا من الصلاة فكل ما دل على فوريتها و تكرارها يدل على فوريته و تكراره تضمنا. و عن السابع و الثامن و التاسع بما تقرر في بيان الكبرى إذ لا قائل بالوجوب في غير الصلاة و لا في غير التشهد الأخير، و لا بغير الصيغة. و بالجملة الذي يغلب على ظني الوجوب و يؤيده ما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: إذا كنت إماما فإنما التسليم أن تسلم على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و تقول السلام علينا و على عباد الله الصالحين، و أيضا رواية الشيخ في التهذيب عن أبي كهمش عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته إذا جلست للتشهد فقلت و أنا جالس السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته انصراف هو؟ قال: لا، و لكن إذا قلت السلام علينا و على عباد الله الصالحين فهو انصراف، و هي ظاهرة في أنه من التشهد، و الإجماع حاصل منا على وجوبه. و عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: كلما ذكرت الله و النبي فهو من الصلاة و دلت الآية على الوجوب، فيكون الواجب فيها و هو المطلوب، انتهى كلامه (قدس سره). و من الغرائب أن بعض من كان في عصرنا كان يقول بتحريم هذا السلام في الصلاة و أنه مبطل لها، و هما قد أبعدا في الإفراط و التفريط و الحق استحبابه، و قد دلت الأخبار المعتبرة المنقولة عن أهل البيت (عليهم السلام) تعقيب الصلاة عليهم بالسلام، بل هو من شعار المخالفين حيث تركوا الصلاة على الآل في غير الصلاة و أردفوها بالتسليم و قالوا صلى الله عليه و و آله و سلم.
الكافي — كتاب الدعاء · بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ (عليهم السلام)