الأقسامالكافيكتاب الدعاء
الكافي · رقم ١

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ إِلَّا الذِّكْرَ فَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْفَرَائِضَ فَمَنْ أَدَّاهُنَّ فَهُوَ بذكر خير من ذكره، و هو بعيد من اللفظ، و أخرى بأن هذا الحديث خبر واحد، و رد بلفظ العموم و خبر الواحد لا يفيد القطع، و في التمسك بالعام خلاف انتهى. و أقول: كون مجموع الملأ أشرف من جماعة كلهم أو أكثرهم غير المعصومين لا ينافي كون بعض آحاد البشر أفضل من جميع الملائكة، على أنه يحتمل أن يكون المراد بالملأ ملأ أرواح النبيين و المرسلين أو المشتمل عليها لكن الخبر الآتي يأبى عنه ظاهرا. الحديث الثالث عشر: مرسل. باب ذكر الله عز و جل كثيرا الحديث الأول: ضعيف على المشهور. " ما شيء" أي مما كلف الإنسان به" ينتهي" على صيغة المعلوم، و الضمير المستتر راجع إلى الشيء" و إلا الذكر" في الأول استثناء متصل من ضمير له، و في الثاني استثناء منقطع من قوله الفرائض و شهر رمضان و الحج، و المراد بالفرائض حَدُّهُنَّ وَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَنْ صَامَهُ فَهُوَ حَدُّهُ وَ الْحَجَّ فَمَنْ حَجَّ فَهُوَ حَدُّهُ إِلَّا الذِّكْرَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَرْضَ مِنْهُ بِالْقَلِيلِ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدّاً يَنْتَهِي إِلَيْهِ ثُمَّ الصلوات الخمس" فهو حدهن" الضمير راجع إلى مصدر أداهن و هو مبتدأ، و قائم مقام عائد الموصول بتقدير فتأديته إياهن، و كذا قوله: فهو حده، الضمير فيه راجع إلى مصدر صامه بتقدير فصومه إياه، و كذا في الثالث عائد إلى مصدر حج بتقدير فحجه، و الحد خبر في الجميع. " اذْكُرُوا اللّٰهَ ذِكْراً كَثِيراً" قال القرطبي في تفسير هذه الآية: هذا السياق يدل على وجوب الذكر الكثير لأنه لم يكتف به حتى أكده بالمصدر و لم يكتف بالمصدر حتى وصفه بالكثير، و هذا السياق لا يكون في المندوب، فظهر أن الذكر الكثير واجب، و لم يقل أحد بوجوب اللساني دائما فيرجع إلى ذكر القلب، و ذكر الله تعالى دائما في القلب يرجع إما إلى الإيمان بوجوده، و صفات كماله و هو بحسب إدامته في القلب ذكرا أو حكما في حال الغفلة، لأنه لا ينفك عنه إلا بنقيضه و هو الكفر، و إما أن يرجع إلى ذكر الله تعالى عند الأخذ في الفعل فإنه يجب أن لا يقدم أحد على فعل أو قول حتى يعرف حكم الله فيه، و لا ينفك المكلف عن فعل أو قول دائما فيجب ذكر الله دائما. و قال الطبرسي (قدس سره): روى ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: من عجز عن الليل أن يكابده و جبن عن العدو أن يجاهده، و بخل بالمال أن ينفقه فليكثر ذكر الله عز و جل، ثم اختلف في معنى الذكر الكثير فقيل: أن لا ينسأ أبدا عن مجاهد، و قيل: أن يذكره سبحانه بصفاته العلى و أسمائه الحسنى، و ينزهه عما لا يليق به، و قيل: هو أن يقول: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر على كل حال عن مقاتل، و قد ورد عن أئمتنا (عليهم السلام) أنهم قالوا: من قالها ثلاثين مرة فقد ذكر الله ذكرا كثيرا، و عن زرارة و حمران ابني أعين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من سبح تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام) فقد ذكر الله ذكرا كثيرا. تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ- يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللّٰهَ ذِكْراً كَثِيراً وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا فَقَالَ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ حَدّاً يَنْتَهِي إِلَيْهِ قَالَ وَ كَانَ أَبِي(عليه السلام)كَثِيرَ الذِّكْرِ لَقَدْ كُنْتُ أَمْشِي مَعَهُ وَ إِنَّهُ لَيَذْكُرُ اللَّهَ وَ آكُلُ مَعَهُ الطَّعَامَ وَ إِنَّهُ لَيَذْكُرُ اللَّهَ وَ لَقَدْ كَانَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ وَ مَا يَشْغَلُهُ ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ كُنْتُ أَرَى لِسَانَهُ لَازِقاً بِحَنَكِهِ و روى الواحدي بإسناده عن الضحاك عن ابن عباس قال: جاء جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: يا محمد قل سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر، و لا حول و لا قوة إلا بالله عدد ما علم وزنة ما علم و ملأ ما علم، فإنه من قالها كتب الله له بها ست خصال: كتب من الذاكرين الله كثيرا، و كان أفضل من ذكره بالليل و النهار، و كن له غرسا في الجنة، و تحاتت عنه خطاياه كما تحات ورق الشجرة اليابسة، و ينظر الله إليه، و من نظر إليه لم يعذبه. " وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا" أي و نزهوه سبحانه عن جميع ما لا يليق به، بالغداة و العشي، و الأصيل العشي، و قيل: يعني به صلاة الصبح و صلاة العصر عن قتادة، و قيل: صلاة الصبح و صلاة العشاء الآخرة. و خصهما بالذكر لأن لهما مزية على غيرهما من أن ملائكة الليل و النهار يجتمعون فيهما، و قال الكلبي: أما بكرة فصلاة الفجر، و أما أصيلا فصلاة الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة، و سمي الصلاة تسبيحا لما فيها من التسبيح و التنزيه" ما يشغله ذلك من ذكر الله" أي الذكر القلبي، كان يجد ذلك بنور الإمامة أو من شواهد أحواله، أو عند تكلم الغير كان مشغولا بالذكر، فإذا تم كلام السائل شرع في الجواب أو كان كلامه دائما مشتملا على الذكر. و قوله: و كنت أرى أي في غير بعض تلك الأحوال" لازقا بحنكه" لأن اللام أكثر حروف تلك الكلمة الطيبة، و فيها يلزم اللسان بالحنك، و ليس فيها شيء من الحروف الشفوية، و هذا أحد وجوه نسبة هذا الذكر من بين سائر الأذكار إلى يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ كَانَ يَجْمَعُنَا فَيَأْمُرُنَا بِالذِّكْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَ يَأْمُرُ بِالْقِرَاءَةِ مَنْ كَانَ يَقْرَأُ مِنَّا وَ مَنْ كَانَ لَا يَقْرَأُ مِنَّا أَمَرَهُ بِالذِّكْرِ وَ الْبَيْتُ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ وَ يُذْكَرُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِ تَكْثُرُ بَرَكَتُهُ وَ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ وَ تَهْجُرُهُ الشَّيَاطِينُ وَ يُضِيءُ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا يُضِيءُ الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ لِأَهْلِ الْأَرْضِ وَ الْبَيْتُ الَّذِي لَا يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ وَ لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ تَقِلُّ بَرَكَتُهُ وَ تَهْجُرُهُ الْمَلَائِكَةُ وَ تَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ لَكُمْ أَرْفَعِهَا فِي ذاته المقدسة إذ يمكن المتكلم بها على وجه لا يطلع عليها غيره تعالى. و في القاموس: الحنك محركة باطن أعلى الفم من داخل، و الأسفل من طرف مقدم اللحيين، و كان يجمعنا يدل على استحباب الاجتماع للذكر و الدعاء و التلاوة، و الذكر هنا لا يشمل التلاوة، و يدل على أنها أفضل من الذكر و الدعاء، و روى العامة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة و غشيتهم الرحمة، و نزلت عليهم السكينة، و ذكرهم الله فيمن عنده. و قال بعضهم: المراد بالسكينة الوقار و الطمأنينة و قال بعضهم: المراد بها الرحمة، و رد بذكر الرحمة قبلها و قال في النهاية فيه: كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء أي الشديد الإنارة كأنه نسب إلى الدر تشبيها بصفائه، و قال الفراء: الكوكب الدري عند العرب هو العظيم المقدار، و قيل: هو أحد الكوكب الخمسة السيارة، انتهى. و قد قرأ في الآية على وجوه كثيرة بالهمزة و بدونه، قال البيضاوي كَأَنَّهٰا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ مضيء متلألئ كالزهرة في صفاته و زهرته منسوب إلى الدر أو فعيل كمريق من الدر فإنه يدفع الظلام بضوئه أو بعض ضوئه بعضا من لمعانه إلا أنه قلبت همزته ياءا، و يدل عليه قراءة حمزة و أبي بكر على الأصل، و قراءة أبي عمرو و الكسائي دريء كشريب، و قد قرأ به مقلوبا، انتهى. دَرَجَاتِكُمْ وَ أَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَ خَيْرٍ لَكُمْ مِنَ الدِّينَارِ وَ الدِّرْهَمِ وَ خَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَقْتُلُوهُمْ وَ يَقْتُلُوكُمْ فَقَالُوا بَلَى فَقَالَ ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كَثِيراً ثُمَّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَقَالَ مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ذِكْراً وَ قَالَ- رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)مَنْ أُعْطِيَ لِسَاناً ذَاكِراً فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى- وَ لٰا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ قَالَ لَا تَسْتَكْثِرْ " و خير لكم من الدينار و الدرهم" أي من إنفاقهما في سبيل الله أو من جمعهما موافقا لعقول أهل الدنيا لعظمها عندهم أو تنبيها لهم على خطائهم، في ذلك حيث يختارونهما على المطالب العالية الباقية الأخروية، و إن كان ذلك بينا عند كل عاقل، و مثل ذلك شائع في عرف الناس. " أكثرهم لله ذكرا" تقديم الظرف للحصر" و من أعطي لسانا ذاكرا" أما مع ذكر القلب أو الأعم و لا ريب في أن الجمع بينهما أتم و أكمل و مع الاكتفاء بأحدهما فالقلب أفضل لأنه الأصل، و القرب فيه أكمل و إن كان الخبر يوهم خلافه. " خير الدنيا" لأن من شغله ذكر الله عن حاجته كفى الله مهماته و خير الآخرة ظاهر، و قال في قوله تعالى:" وَ لٰا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ" قال: الضميران في قال أولا و ثانيا إما راجعان إلى الرسول أو إلى الإمام أو الأول راجع إلى الإمام و الثاني إلى الرسول، فعلى الأولين قال ثانيا تكرار و تأكيدا للأول و على الأخير الظرف أعني في قوله متعلق بقوله قال ثانيا. " وَ لٰا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ" قال البيضاوي: و لا تعط مستكثرا نهي عن الاستعزاز و هو أن يهب شيئا طامعا في عوض أكثر نهي تنزيه أو نهيا خاصا به لقوله (عليه السلام) المستعزز يثاب من هبته و الموجب له ما فيه من الحرص و الضنة أو لا تمنن على الله بعبادتك مستكثرا إياها، أو على الناس بالتبليغ مستكثرا به الأجر منهم، أو مستكثرا إياه و قرأ تستكثر بالسكون للوقف أو بالإبدال من تمن على أنه من مَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ لِلَّهِ من بكذا و تستكثره بمعنى تجده كثيرا أو بالنصب على إضمار أن و قرأ بها، و على هذا يجوز أن يكون الرفع بحذفها و إبطال عملها كما روي و أحضر الوغا بالرفع، انتهى. و قيل: كأنه إشارة إلى أن لا تمنن من منه بكذا و تستكثر بدل منه، و أن ما صدر من الخير لله سواء كان عبادته أو الإحسان إلى عباده يجب أن لا تستكثر لأن استكثاره يوجب إخراج النفس عن حد التقصير و عجبها و إحباط أجرها. و أقول: اتفق القراء على الرفع إلا الحسن فإنه قرأ بالجزم و الأعمش فإنه قرأ بالنصب، و قال الطبرسي (ره): قال ابن جني الجزم في تستكثر يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون بدلا من تمنن فكأنه قال: لا تستكثر، و الآخر أن يكون لا تستكثر فأسكن الراء لثقل الضمة مع كثرة الحركات، و أما تستكثر بالنصب فبان مضمرة، و ذلك أن يكون بدلا من قوله: و لا تمنن في المعنى، أ لا ترى أن معناه لا يكن منك من فاستكثار، فكأنه قال: لا يكن منك من أن تستكثر فتضمر أن لتكون مع الفعل المنصوب بها بدلا عن المن في المعنى الذي دل عليه الفعل، انتهى. و قيل: الخبر محمول على رواية الرفع، و هو حال عن المستتر في لا تمنن، و المن بمعنى النقص و الإعياء، أو بمعنى القطع، و النهي متوجه إلى القيد و هو الاستكثار و لذا قال (عليه السلام) في التفسير: لا تستكثر، فالمنهي عنه النقص و القطع الذين يكونان من جهة الاستكثار لا من جهة أخرى، قال في القاموس: من عليه منا أنعم، و اصطنع عنده صنيعة و منة، و الحبل قطعه و الناقة حسرها، و السير فلانا أضعفه و أعياه، و الشيء نقص و المنان من أسماء الله تعالى و هو المعطي ابتداء و أجر غير ممنون غير محسوب، و لا مقطوع، و أقول: يظهر مما ذكرنا وجوه أخر لتأويل الخبر فلا تغفل.

الكافي — كتاب الدعاء · بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كَثِيراً

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.