الأقسامالكافيكتاب الدعاء
الكافي · رقم ٨

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(عليه السلام)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ نَظَرَ أَبُو جَعْفَرٍ(عليه السلام)إِلَى رَجُلٍ وَ هُوَ يَقُولُ- اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ رِزْقِكَ الْحَلَالِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(عليه السلام)سَأَلْتَ قُوتَ النَّبِيِّينَ قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رِزْقاً الولاية بالمؤمنين في آيات كثيرة كما قال سبحانه (اللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ) و قال (إِنَّ وَلِيِّيَ اللّٰهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتٰابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصّٰالِحِينَ) و قال (وَ اللّٰهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) و قال (ذٰلِكَ بِأَنَّ اللّٰهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكٰافِرِينَ لٰا مَوْلىٰ لَهُمْ) و مثله في الآيات كثيرة. " و يا ذا القوة المتين" إشارة إلى قوله تعالى (إِنَّ اللّٰهَ هُوَ الرَّزّٰاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) قال البيضاوي: أي الذي يرزق كلما يفتقر إلى الرزق، و فيه إيماء باستغنائه عنه و قرأ- إني أنا الرزاق ذو القوة المتين- أي شديد القوة، و قرئ المتين بالجر صفة للقوة، و قال في النهاية: في أسماء الله تعالى المتين هو الشديد القوي الذي لا يلحقه في أفعاله مشقة و لا كلفة و لا تعب، و المتانة الشدة فهو من حيث إنه بالغ القدرة تأمها قوي، و من حيث إنه شديد القوة متين انتهى، ثم إنه على المشهور منصوب هنا صفة للمضاف لا المضاف إليه، و على القراءة الشاذة مجرور صفة للمضاف إليه و هو بعيد، و في بعض النسخ زيد هنا العاطف و يا ذا القوة فقيل إنما عطف هنا لتحقق شرط صحته و هو تحقق المناسبة و المغايرة بين المعطوف و المعطوف عليه للاتحاد في المضاف و الاختلاف في المضاف إليه فيهما بخلاف السوابق لاتحادهما فيهما. الحديث الثامن: صحيح. قوله (عليه السلام)" سألت قوت النبيين" اعلم أن المشهور بين الفقهاء أن الحلال حَلَالًا وَاسِعاً طَيِّباً مِنْ رِزْقِكَ و الطيب مترادفان، أو الحلال ما أحله الشارع و لم يرد فيه نهي، و الطيب ما تستطيبه النفس و تستلذه، و قيل: الطيب يقال لمعان (الأول) المستلذ (الثاني) ما حلله الشارع (الثالث) ما كان طاهرا (الرابع) ما خلا عن الأذى في النفس و البدن، و هو حقيقة في الأول لتبادره إلى الذهن عند الإطلاق، و الخبيث يقابل الطيب بمعانيه. و قال البيضاوي في قوله تعالى (يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ كُلُوا مِمّٰا فِي الْأَرْضِ حَلٰالًا طَيِّباً) نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة و الملابس، و قال: طيبا تستطيبه الشرع أو الشهوة المستقيمة إذ الحلال دل على الأول. و قال النيسابوري فيها: حلالا مفعول كلوا أو حال مما في الأرض، و هو المباح الذي انحلت عقدة الخطر عنه من الحل الذي يقابل العقد، ثم الحرام قد يكون حراما في جنسه كالميتة و الدم، و قد يكون حراما لعرض كملك الغير إذا لم يأذن في أكله فالحلال هو الخالي عن القيدين، و الطيب إن أريد به ما يقرب من الحلال لأن الحرام يوصف بالخبث (قل لا يستوي الخبيث و الطيب) فالوصف لتأكيد المدح مثل نفحة واحدة أي الطاهر من كل شبهة، و يمكن أن يراد بالطيب اللذيذ أو يراد بالحلال ما يكون بجنسه حلالا و بالطيب ما لا يتعلق به حق الغير انتهى. و يظهر من هذا الخبر أن الحلال أخص من الطيب، و الطيب ما هو طيب في ظاهر الشريعة سواء كان طيبا في الواقع أم لا، و الحلال ما هو حلال و طيب في الواقع لم تعرضه الخباثة و النجاسة قطعا، و لم تتناوله أيدي المتغلبة أصلا في وقت من الأوقات. و كونه قوت النبيين و المصطفين، إما لأنه لا يتيسر العلم بذلك إلا لهم بالوحي و الإلهام، و إما لندرة وجوهه و لا يمكن لأكثر الناس الصبر عليه و القناعة به إلا لهم لأنه نادر جدا و طريقه ضيق و الطالب له طالب لضيق معيشته، فما وقع في بعض الأدعية من طلبه، فالمراد به ما هو بمعنى الطيب و كأنه (عليه السلام) علم أن مراد الداعي بالحلال المعنى الأخص، فلذا نهاه عن ذلك، أو علمه كيف ينبغي أن يقصد وقت الدعاء. و يؤيد هذه الوجوه ما روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يجعل فطوره في حيرة و يختم عليها لئلا يدخله غير الحلال. لكن يرد عليه أن الأنبياء و الأئمة (صلوات الله عليهم) كانوا يجيبون دعوة من دعاهم إلى طعامهم و يأكلون منه مع أنه كان مخلوطا غالبا. و يمكن أن يجاب بوجوه: (الأول) أنه تعالى خلق جميع الدنيا لهم، و هم أولى بأنفس الناس و أموالهم منهم، فلذا يحل لهم دون غيرهم. (الثاني) أن الله تعالى يصرف الشبهة و لا يأكلون إلا الحلال الصرف، و إن كان في بيوت غيرهم، كما روي أن المشركين أحضروا إطعاما حراما عند النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فلما رفع اللقمة و أراد أن يأكله صرف الله يده عن فمه إلى جهة أخرى و لم يقدر على أكله و أحضروا الحلال فقدر على أكله كما روي في تفسير الإمام (عليه السلام). (الثالث) أن يخص ذلك بما حصلوه بسعيهم و أكلوه في بيوتهم و غير ذلك نادر. (الرابع) إن يقال: ما يأكلونه في بيوت غيرهم إما أن يكون من أموال الكفار و هو عليهم حلال، أو من أموال المؤمنين و لا ريب أنهم راضون بذلك بطيب أنفسهم. ثم اعلم أنه اختلف الأصحاب في أنه هل بين الحلال و الحرام منزلة أم لا، و على تقديرها هل هي موصوفة بالحرمة أو الكراهة، ثم إنها ما هي فذهب جماعة إلى أنه لا منزلة بينهما فكلما دل الدليل على حرمته فهو حرام، و كلما لم يدل دليل على تحريمه فهو حلال إلا أن يرد نهي تنزيه عنه، و الحلال و الحرام ليسا إلا بظاهر الشريعة كالطهارة و النجاسة فإنهما تابعتان لظاهر الشرع، فما لم يعلم نجاسته فهو طاهر و إن كان نجسا عند من علم نجاسته و لا معنى للنجاسة الواقعية و لذا كان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كانوا يعاشرون مع المنافقين و يناكحونهم و لا يعلمون بما علموا بغير ظاهر الشريعة منهم، و التنزه عن الأشياء بمحض احتمال الحرمة و النجاسة غير مستحسن شرعا، و إلا لكان النبي و الأئمة (عليهم السلام) أولى بالعمل بذلك من غيرهم. و ذهب جماعة إلى أن بينهما منزلة و هي الشبهات كما ورد في الأخبار- حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم- لكن اختلفوا فذهب الأكثر إلى استحباب ترك الشبهات، و بعضهم إلى وجوبه، و الأول أظهر لأنه لو كان واجبا لكان داخلا في الحرام البين فالمراد بقوله هلك من حيث لا يعلم ارتكب ما هو حرام واقعا لكنه لما لم يعلم لم يكن إثما فالهلاك بمعنى ترك ما هو أولى و أخرى لكن ظاهر الخبر كما مر أن المراد به الاشتباه في الحكم من حيث تعارض الأدلة لا فيما حلال بظاهر الشريعة و فيه احتمال الحرمة الواقعية و لذا ذهب جماعة من المحدثين إلى حرمة الحكم بالحل و التحريم و وجوب الاجتناب عما لم يرد فيه أو في نوعه حكم بالحل كشرب التتن و القهوة و أمثالهما، و مع اشتمال كلامهم على التناقض، وجوه الرد عليهم كثيرة ليس هذا مقام ذكرها، و منهم من قال الواسطة بين الحلال و الحرام الشبهات التي فيه احتمال الحرمة، و إن كان بظاهر الشريعة حلالا، و اجتنابها مستحب و تتأكد الاستحباب بقوة احتمال الحرمة. قال الغزالي: اعلم أن الحرام كله خبيث و لكن بعضه أخبث من بعض، و الحلال كله طيب و لكن بعضه أطيب من بعض، فكما أن الطبيب يحكم على كل حلو بالحرارة و لكن يقول بعضها حار في الدرجة الأولى كالسكر، و بعضها في الثانية كالفانيذ، و بعضها في الثالثة كالدبس، و بعضها في الرابعة كالعسل، فكذلك الحرام، بعضه خبيث في الدرجة الأولى، و بعضه في الثانية أو الثالثة أو الرابعة و كذلك الحلال تتفاوت درجات صفاته و طيبه، و لنقتد بأهل الطب في الاصطلاح على أربع درجات تقريبا، و إن كان التحقيق لا يوجب هذا الحصر و يتطرق إلى كل من الدرجات تفاوت لا ينحصر، فكم سرك أقل حرارة من سكر و كذا غيره. و كذلك نقول الورع عن الحرام على أربع درجات، (الأولى) ورع العدول و هو الذي يجب الفسق باقتمامه و تسقط العدالة به و يثبت اسم العصيان و التعرض للنار بسببه و هو الورع عن كل ما تحرمه فتاوى الفقهاء. (الثانية) ورع الصالحين، و هو الامتناع عما يتطرق إليه احتمال التحريم و لكن المفتي يرخص في التناول بناء على الظاهر، فهو من مواقع الشبهة على الجملة فسمي التحرج عن ذلك ورع الصالحين، و هو في الدرجة الثانية. (الثالثة) ما لا تحرمه الفتوى و لا شبهة في حمله، و لكن يخاف منه أداؤه إلى محرم، و هو ترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس، و هذا ورع المتقين. (الرابعة) ما لا بأس به أصلا و لا يخاف منه أن يؤدى إلى ما به بأس و لكنه يتناول بغير الله و غير نية التقوى به على عبادة الله، أو يتطرق إلى أسبابه المسهلة له كراهية أو معصية، و الامتناع منه ورع الصديقين، فهذه درجات الحلال جملة. و إما الحرام الذي ذكرناه في الدرجة الأولى و هو الذي يدخل المتورع عنه في العدالة، فهو أيضا على درجات في الخبث، فالمأخوذ بعقد فاسد حرام، و لكن ليس في درجة المغصوب على سبيل القهر، و في الأول الربا أغلظ عن غيرها، و في الثاني المأخوذ من فقير أو صالح أو من يتيم، أخبث و أغلظ من المأخوذ من قوي أو غني أو فاسق، و لو لا اختلاف درجات العصاة لما اختلف درجات النار، ثم شرع في الخوض في مراتب الشبهات و مشاراتها و تميزها عن الحلال و الحرام ثم قال قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): الحلال بين و الحرام بين و بينهما أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه و دينه، و من وقع في الشبهات واقع الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فهذا الحديث نص في إثبات الأقسام الثلاثة و المشكل منها القسم المتوسط الذي لا يعرفه كثير من الناس، و هو الشبهة فلا بد من بيانها و كشف الغطاء عنها، فإن ما لا يعرفه الكثير قد يعرفه القليل. فنقول: الحلال المطلق هو الذي انحل عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه، و انحل عن أسبابه ما يتطرق إليه تحريم أو كراهية، و مثاله الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك و يكون هو واقفا عند أخذه و جمعه من الهواء في ملك نفسه أو في أرض مباحة، و الحرام المحض ما فيه صفة محرمة لا يشك فيها كالسكر في الخمر و النجاسة في البول، أو حصل بسبب منهي عنه قطعا كالمحصل بالظلم و الغصب و الربا و نظائرها، فهذا طرفان ظاهران و يلحق بالطرفين ما تحقق أمره و لكن احتمل تغييره و لم يكن لذلك الاحتمال سبب يدل عليه فإن صيد البر و البحر حلال و من أخذ ظبية فيحتمل أن يكون قد ملكها ثم أفلت منه و كذلك السمكة يتصور أن يكون قد تزلق من الصياد بعد وقوعها في يده و شبكته، فمثل هذا الاحتمال لا يتطرق إلى ماء المطر المختطف من الهواء و لكنه في معنى ماء المطر و الاحتراز عنه وسواس فلنسم هذا الفن ورع الموسوسين حتى نلحق به أمثاله، و ذلك لأن هذا وهم مجرد لا دلالة عليه، نعم لو دل عليه دليل فإن كان قاطعا كما لو وجد حلقة في أذن السمكة أو كان محتملا كما لو وجد على الظبية جراحة يحتمل أن يكون كيا لا يقدر عليه إلا بعد الضبط، و يحتمل أن يكون جرحا فهذا موضع الورع، و إذا انتفت الدلالة من كل وجه فالاحتمال المعدوم دلالته كالاحتمال المعدوم في نفسه، و من هذا الجنس من يستعير فيغيب عنه المعير فيخرج منه و يقول لعله مات و صار الحق للوارث فهذا وسواس إذا لم يدل على موته سبب قاطع أو مشكك، إذا الشبهة المحذورة ما ينشأ من الشك، و الشك عبارة عن اعتقادين متقابلين نشأ من سببين، فما لا سبب له لا يثبت عقده في النفس حتى يساوي العقد المقابل له فيصير شكا. ثم أطال الكلام في مشارات الشبهة فجعلها على خمسة أقسام (الأول) الشك في السبب المحلل و المحرم و قسمها إلى أربعة أقسام. الأول: أن لا يكون الحل معلوما من قبل ثم يقع الشك في المحلل فأوجب اجتنابها. الثاني: أن يعرف الحل و يشك في المحرم فحكم بالحل. الثالث: أن يكون الأصل التحريم و لكن طرأ ما يوجب تحليله بظن غالب فقال إن استند غلبة الظن إلى سبب معتبر شرعا فالمختار حله و اجتنابه من الوروع كان يرمي صيدا فيغيب ثم يدركه ميتا و ليس عليه أثر سوى سهمه. الرابع: أن يكون الحل معلوما و لكن يغلب على الظن طريان محرم بسبب معتبر في غلبة الظن شرعا، فيرفع الاستصحاب و يقضي بالتحريم، إذ بأن لنا أن الاستصحاب ضعيف و لا حكم له مع غالب الظن، ثم قال فقد اتضح من هذا حكم حلال شك في طريان محرم عليه أو ظن، و حكم حرام شك في طريان محلل عليه أو ظن، و بأن فرق بين ظن يستند إلى علامة في عين الشيء و بين ما يستند إليه، و كلما حكمنا في هذه الأقسام بحله فهو حلال في الدرجة الأولى، و الاحتياط تركه فالمقدم عليه لا يكون في زمرة المتقين و الصالحين بل زمرة العدول إلا ما ألحقناه برتبة الوسواس فإن الاحتراز منه ليس من الورع أصلا. (المثار الثاني) شك منشأه اختلاط الحلال بالحرام و عدم التمييز و بسط القول في ذلك، ثم قال (المثار الثالث) الشبهة التي تتعلق و تتصل بالسبب المحلل بمعصية إما في قراءته أو في لواحقه أو في سوابقه أو في عوضه، و كانت من المعاصي التي لا توجب فساد العقد و إبطال السبب المحلل، كالبيع في وقت النداء يوم الجمعة، و الذبح بالسكين المغصوب، و الاحتطاب بالفأس المغصوب، و البيع على بيع الغير، و كل نهي ورد في العقود و لم يدل على فساد العقد، كان الامتناع من جميع ذلك ورعا، و هذه الكراهة لها درجات، منها ما يقرب من الحرام و الورع منه مهم في الدين، و منها- ما ينتهي إلى نوع من المبالغة كاد ينتهي إلى ورع الموسوسين، و بينهما أوساط نازعة إلى الطرفين، و مثال اللواحق فهو كل تصرف يفضي في سياقه إلى معصية و أعلاه بيع العنب من الخمار، و بيع الغلمان من المعروف بالفجور بالغلمان، و بيع السيف من قاطع الطريق، و قد اختلف العلماء في صحة ذلك، و في حل الثمن المأخوذ منه. (المثار الرابع) الاختلاف في الأدلة إما لتعارض أدلة الشرع، أو لتعارض العلامات الدالة، أو لتعارض المشابه. (فالأول) كتعارض عمومين من الكتاب أو السنة، و الورع تركه، و اتقاء مواضع الخلاف مهم في الورع في حق المفتي و المقلد. (و أما الثاني) كان ينهب نوع من المتاع في وقت و يندر وقوع مثله من غير النهب و يرى مثلا في يد رجل من أهل الصلاح فيدل صلاحه على أنه حلال، و نوع المتاع على أنه حرام و كان تخير عدل بأنه حرام و آخر بأنه حلال أو تتعارض شهادة فاسقين، أو قول صبي و بالغ فإن ظهر ترجيح حكم به و الورع الاجتناب و إن لم يظهر ترجيح وجب التوقف. (و أما الثالث) كتعارض الأشياء في الصفات التي بها يناط الأحكام، و مثاله كان يوصي بمال للفقهاء، فيعلم أن الفاضل في الفقه داخل فيه، و أن الذي ابتدأ التعلم منذ يوم أو شهر لا يدخل فيه، و بينهما درجات لا تحصى فيقع الشك فيها، و المفتي يفتي بحسب الظن، و الورع الاجتناب، و هذا أغمض مثارات الشبهة و كذلك الصدقات المصروفة إلى المحتاجين فإن حد الحاجة غير معلوم. ثم قال بعد ذكر أمثلة كثيرة، فهذه اشتباهات تثور من علامات متعارضة تجذب إلى طرفين متقابلين، و كل ذلك من الشبهات يجب اجتنابها إذا لم يترجح جانب الحل بدلالة تغلب على الظن أو باستصحاب بموجب قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، ثم جر الكلام إلى تحقيق المختلط بالحرام، و فصل القول فيه بحسب اختلاف أحوال الملاك و الأموال ثم في أكل طعام الظلمة و السلاطين و قبول جوائزهم و الدخول عليهم و المشي على بساطهم. ثم ذكر في كل قسم ما تقتضيه قواعدهم المقررة فحكم في بعضها بوجوب الاجتناب و في بعضها بالاستحباب و لا جدوى كثيرا في إيرادها، و ليس هنا مقام تحقيقها و ستأتي الكلام في جميع ذلك عند إيراد الأخبار المناسبة لها، لكن نذكر هنا قليلا من الأخبار المنافية لما عده من المحرمات و ما عده من ورع المتقين و الصديقين، لتعلم أن أكثرها من ورع الموسومين، لأنهم (عليهم السلام) كانوا أفضل الصديقين و لم يعملوا بها بل أمروا بخلافها. كما روي في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) في الثوب الذي أعير الذمي الذي يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير، قال صل فيه و لا تغسل من أجل ذلك فإنك أعرته إياه و هو طاهر و لم تستيقن أنه نجسه فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه. و في الصحيح عنه (عليه السلام) أنه لبس الثوب الذي عمله المجوسي الخبيث الشارب الخمر قبل الغسل. و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال ما أبالي أ بول أصابني أم ماء إذا لم أعلم. و في الموثق عن الصادق (عليه السلام) أنه قال كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر و ما لم تعلم فليس عليك. و لا يخفى أن النجس لا يحل شربه فإذا مأخذ النجاسة و الحل واحد. و التردد في أحدهما يوجب التردد في الآخر. و قد روي في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) أنه قال كل شيء يكون فيه حلال و حرام فهو حلال لك أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه و في الموثق عنه (عليه السلام) مثله- ثم قال- مثل الثوب قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك و لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة. و في الموثق عنه (عليه السلام) أنه سئل عن رجل أصاب ما لا من عمل بني أمية و هو يتصدق منه، و يصل قرابته، و يحج ليغفر له ما اكتسب، و هو يقول إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الخطيئة لا تكفر الخطيئة و لكن الحسنة تحط الخطيئة، فإن كان خلط الحلال بالحرام فاختلطا جميعا فلا يعرف الحلال من الحرام فلا بأس. و في الصحيح عن أبي بصير قال سألت أحدهما (عليهما السلام) عن شراء الخيانة و السرقة قال لا إلا أن يكون قد اختلط معه غيره فأما السرقة بعينها فلا إلا أن يكون من متاع السلطان فلا بأس بذلك. و في الحسن عن الحلبي عنه (عليه السلام) قال أتى رجل أبي فقال إني ورثت مالا و قد عرفت أن صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي و قد اعترف أن فيه ربا، و استيقن ذلك و ليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه، و قد سألت الفقهاء من أهل العراق و أهل الحجاز، فقالوا لا يحل أكله فقال أبو جعفر (عليه السلام) إن كنت تعلم أن فيه مالا معروفا ربا و تعرف أهله فخذ رأس مالك و رد ما سوى ذلك و إن مختلطا فكل هنيئا فإن المال مالك و اجتنب ما كان يصنع صاحبه فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قد وضع ما مضى من الربا و حرم عليهم ما بقي فمن جهله وسع له جهله حتى يعرف فإذا عرف تحريمه حرم عليه و وجبت فيه العقوبة إذا ارتكبه كما يجب على من يأكل الربا و في رواية أخرى عن الحلبي مثله. و كتب الصفار إلى أبي محمد (عليه السلام) رجل اشترى ضيعة أو خادما بمال أخذه من قطع الطريق أو سرقة هل يحل له ما يدخل عليه من ثمرة هذه الضيعة أو يحل له أن يطأ هذا الفرج الذي اشتراه من سرقة أو قطع الطريق، فوقع (عليه السلام) لا خير في شيء أصله حرام و لا يحل استعماله. و حمل على ما إذا اشتراه بعين المال الحرام، لرواية السكوني عن الصادق عن آبائه (عليهما السلام) قال لو أن رجلا سرق ألف درهم فاشترى بها جارية أو صدقها امرأة فإن الفرج له حلال و عليه تبعة المال. و أقول: الأحوط الاجتناب في الشقين، لصحة الخبر الأول، و ضعف الثاني و قد وردت الأخبار بجواز استيفاء الدين أو الجزية من ثمن الخمر و الخنزير، قالوا أما للمقضي حلال و إما للبائع حرام، و للأصحاب فيه تفصيل، و عد بعضهم هذا و أمثاله مما يستحب الاجتناب منه، و قالوا إنه من الشبهات و قد وردت أخبار صحيحة بجواز شراء الفراء من سوق المسلمين و إن كان ممن يستحل الميتة بالدباغ و عدوا الاجتناب عن هذا النوع من المستحبات و له وجه و قد ورد في أخبار كثيرة النهي عن التفتيش و السؤال فإن الخوارج إنما ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم و الدين أوسع من ذلك. لكن ورد في بعض الأخبار الاجتناب عن بعض هذه الأشياء، تنزها و استحبابا وعد من الورع، كالاجتناب عن سؤر الحائض، و قيل: كل متهم بعدم الاحتراز عن النجاسات، و روي عن سيد العابدين (عليه السلام) أنه كان يلقى فروة حال الصلاة و كان من فراء العراق فقيل له في ذلك، فقال إن أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة، و يزعمون أن دباغه ذكاته. و قد ورد الاحتياط في بعض الأمور كما روي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن رجلا سأل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن كسب الحجام فقال لك ناصح فقال نعم فقال اعلفه إياه و لا تأكله. و قد ورد فيمن له مال لا يفي بنفقة عياله أنه يأخذ الزكاة لعياله و لا يأكل هو منه، و أما أخذ أموال السلاطين و العمال فهو جائز بلا خلاف، و إن علمنا أنهم يظلمون بها الناس و يأخذون الزيادة على المقدار المستحق، سواء أخذوها باسم المقاسمة أو الخراج أو الزكاة أو غير ذلك، يرضى مالكه به أم لم يرض، و سواء كان إعطاؤهم على سبيل الجائزة و الصلة و نحوهما أو على وجه البيع و الشراء و سائر المعاوضات للنصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) بذلك. و قال بعض المتأخرين: يمكن اختصاص الحكم بسلاطين المخالفين، لورود الحكم في زمانهم و لأنهم يأخذون من المخالفين النواصب و هم يعتقدون جواز الأخذ و الرعية يعتقدون وجوب الإعطاء، بخلاف سلاطين الشيعة فإنهم يأخذون من الشيعة و الفرق المحقة، و مع اعتقاد الجميع عدم استحقاق الأخذ و وجوب الإعطاء. و هو ضعيف لعموم أكثر الأخبار و دلالة بعضها على أن للشيعة حقا في بيت و أرض الخراج يجوز لهم أخذه من الظالم و هذا الفرق الذي ادعوه غير ظاهر، و إن كان مقتضى الورع الاجتناب عن أخذ ذلك إلا مع ضرورة شديدة، أو كونه ممن له مدخل تام في إقامة شرائع الدين و مصالح المسلمين كالأئمة و قضاه الحق و المؤذنين غير المبتدعين و الجامعين لأخبار أهل البيت (عليهم السلام) و الناشرين لها و الساعين في رفع البدع و ترويج الدين و طلبة العلوم الدينية لله تعالى و أمثالهم. هذا كله إذا علم أنهم إنما يعطون من مال الخوارج، و أما إذا لم يعلم و يعطي الجائر شيئا لا يعلم من أين أخذه فلا بأس به، لما ورد في أخبار كثيرة أنه إذا اشتبه عليك الحلال و الحرام فأنت على حل حتى تعرف الحرام بعينه. و قد روي في الصحيح عن ابن ولادة قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما ترى في رجل يلي أعمال السلطان ليس له كسب إلا من أعمالهم، و أنا أمر به فأنزل عليه يضيفني و يحسن إلى و ربما أمر لي بالدراهم و الكسوة و قد ضاق صدري من ذلك فقال لي: كل و خذ منه فلك المهنأ و عليه الوزر. و في الصحيح عن أبي المعزى قال سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) و أنا عنده فقال أصلحك الله أمر بالعامل فيجزئني بالدراهم أخذها قال نعم. و في الحسن كالصحيح عنه (عليه السلام) قال جوائز العمال ليس بها يأس. و روي في خبر آخر أنه سرق من رجل مال و وعده عامل المدينة أن يعطيه عوضه فجوز الصادق (عليه السلام) أن يأخذ ذلك منه، و قد روي في أخبار كثيرة أن

الكافي — كتاب الدعاء · بَابُ الدُّعَاءِ لِلرِّزْقِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.