أَبُو بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ- اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُسْنَ الْمَعِيشَةِ مَعِيشَةً أَتَقَوَّى بِهَا عَلَى جَمِيعِ حَوَائِجِي أعراضهم في طاعة الله و نصرة دينه، و لا ريب أن حقهم على الله و على الخلق أعظم الحقوق و إن كان بسبب جعله تعالى على نفسه، و يحتمل على بعد أن يكون" عليك" بمعنى- عندك- أي حقهم على الخلق عندك عظيم، و" من" في قوله- من معرفة- للبيان أو للتبعيض و حقه و وجوب طاعته فيما أمر به و نهى عنه، و الحظر هنا بمعنى المنع و الحبس و إن أتى بمعنى التحريم أيضا لكنه لا يناسب المقام، في القاموس حظر الشيء و عليه منعه و المال حبسه في الحظيرة، و المحظور المحرم (وَ مٰا كٰانَ عَطٰاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) أي مقصورا على طائفة دون أخرى. الحديث الثاني عشر: ضعيف على المشهور، و لا يضر ضعف سهل عندي و قد مر في ثاني الباب باختلاف في صدر السند و كان موثقا. الحديث الثالث عشر: كالسابق و معطوف عليه. " و حسن المعيشة" بضم الحاء، و يمكن أن يقرأ بالتحريك و المعيشة الحسنة هي الكفاف و هو ما يكفي للحوائج الضرورية و لا يزيد عنها زيادة توجب الطغيان و الاقتحام على العصيان و بين ذلك بقوله" معيشة أتقوى بها على جميع حوائجي" فقوله معيشة بالنصب عطف بيان لحسن المعيشة، و يحتمل الجر عطف بيان للمعيشة وَ أَتَوَصَّلُ بِهَا فِي الْحَيَاةِ إِلَى آخِرَتِي مِنْ غَيْرِ أَنْ تُتْرِفَنِي فِيهَا فَأَطْغَى أَوْ تَقْتُرَ بِهَا عَلَيَّ فَأَشْقَى- أَوْسِعْ عَلَيَّ مِنْ حَلَالِ رِزْقِكَ وَ أَفِضْ عَلَيَّ مِنْ سَيْبِ فَضْلِكَ نِعْمَةً مِنْكَ سَابِغَةً و الجمع المضاف يفيد العموم، و ذكر الجميع للمبالغة و" أتوصل بها في الحياة" أي في حياة الدنيا" إلى آخرتي" فهو طلب لما زاد عن حوائج الدنيا ليصرفه في وجوه البر تحصيلا لثواب الآخرة. ثم نفى الزيادة المطغية و أشار إلى الحالة المتوسطة المطلوبة بقوله" من أن تترفني فيها" بصيغة الخطاب على بناء الأفعال، و في القاموس ترف كفرح تنعم، و أترفته النعمة أطغته أو نعمته كترفته تتريفا، و فلان أصر على البغي و المترف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء و لا يمنع و المتنعم لا يمنع من تنعمه و الجبار، و تترف تنعم، و قال طغى كرضى طغيا و طغيانا بالضم و الكسر جاوز القدر و ارتفع و غلا في الكفر و أسرف في المعاصي و الظلم و الإقتار و التقتير و التضييق في النفقة، و الشقاء بالقصر و قد يمد الشدة و العسر و فعله كرضى و الشقاوة ضد السعادة فالمعنى فأتعب و يشتد على و أصير شقيا مرتكبا للحرام أو لا أصبر فأقول أو أظن ما يصير سببا لشقاوتي و الأول أظهر. و لما كانت المعيشة و هي ما يعاش به صادقة على الحرام أيضا احترز عنه بقوله" أوسع علي من حلال رزقك" تخصيصا لها بالفرد الحلال و المراد بالحلال هنا غير المعنى المتقدم و هو كل ما جوزته الشريعة قيل و لا دلالة فيه على أن الحرام من رزق الله لأن الظاهر أن الإضافة بيانية" و أفض علي من سيب فضلك" و في بعض النسخ- و أفضل على- و في القاموس فاض الماء يفيض فيضا و فيضانا كثر حتى سأل كالوادي و الشيء كثر أفاض الماء على نفسه أفرغه و الإناء ملأه حتى فاض، و قال السيب العطاء و العرف و مصدر ساب جرى و مشى مسرعا، و قال الراغب: كل عطية لا تلزم من يعطي يقال له فضل نحو قوله (وَ سْئَلُوا اللّٰهَ مِنْ فَضْلِهِ) و قوله (ذٰلِكَ فَضْلُ اللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ عَطَاءً غَيْرَ مَمْنُونٍ ثُمَّ لَا تَشْغَلْنِي عَنْ شُكْرِ نِعْمَتِكَ بِإِكْثَارٍ مِنْهَا تُلْهِينِي بَهْجَتُهُ وَ تَفْتِنِّي وَ اللّٰهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) و أقول: قد مر تحقيق أنواع الفضل، و قيل: الإضافة في قوله- من سيب فضلك- من باب جرد قطيفة، و من للابتداء أو التعليل، و تشبيه النعمة بالمطر مكنية و الإفاضة تخييلية و سيب الفضل ترشيح يعني أفرغ علي من فضلك الجاري على الخلق نعمة كاملة وافية للدنيا و الآخرة. " و عطاء غير ممنون" أي غير مقطوع أو غير ممنون علي يمن به أحد من خلقك ذكرهما المفسرون في قوله تعالى (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) و في القاموس غير محسوب و لا مقطوع، و في القاموس الشغل بالضم و بضمتين و بالفتح و بفتحتين ضد الفراغ و شغله كمنعه شغلا و يضم و أشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة و اشتغل به و شغل كعني عن شكر نعمتك أي هذه و غيرها و يندرج في الشكر عليها الإتيان بطاعاته و الاجتناب عن منهياته بإكثار منها الباء للسببية و أشار بذلك إلى أن مطلوبه هو الكفاف تأكيدا لما سبق تلهيني بهجة اللهو اللعب و الإعجاب و حب الباطل و الغفلة عن الحق، و ألهاه بعثه على اللهو و أوقعه فيه، و البهجة الحسن و النضارة و الفرح و السرور و الإضافة إلى السبب و الضمير للإكثار، و الجملة صفة له، و فيه إيماء إلى قوله تعالى أَلْهٰاكُمُ التَّكٰاثُرُ. " و تفتنني" في القاموس الفتنة بالكسر الخبرة و إعجابك بالشيء، فتنة يفتنه فتنا و فتونا و افتنه و الضلال و الإثم و الكفر، و الفضيحة و العذاب، و إذابة الذهب و الفضة و الإضلال و الجنون و المحنة و المال و الأولاد و اختلاف الناس في الآراء و فتنة يفتنه أوقعه في الفتنة كفتنه و افتنه فهو مفتن و وقع فيها لازم متعد كافتتن فيهما انتهى. و المراد هنا الإيقاع في الفتنة و الضلال عن الحق و الخروج عن الطاعة، و زهرات زهرته الزهرات بالفتحات جمع الزهرة، و في القاموس الزهرة بالفتح و زَهَرَاتُ زَهْوَتِهِ وَ لَا بِإِقْلَالٍ عَلَيَّ مِنْهَا يَقْصُرُ بِعَمَلِي كَدُّهُ وَ يَمْلَأُ صَدْرِي هَمُّهُ أَعْطِنِي يحرك النبات و نوره أو الأصفر منه و الجمع زهر و أزهار و جمع الجمع أزاهير، و من الدنيا بهجتها و نضارتها و حسنها و بالضم البياض و الحسن انتهى، و الإضافة للمبالغة و في بعض النسخ زهرته بالواو، و في القاموس الزهو المنظر الحسن و النبات الناضر و نور النبت و زهره و إشراقه، و الباطل و الكذب و الاستخفاف و الكبر و التيه و الفخر، و أقول أكثر المعاني مناسبة، و للإضافة وجوه مختلفة باختلاف المعاني، و على أي حال الضمير للإكثار و كأنه إشارة إلى قوله تعالى (وَ لٰا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىٰ مٰا مَتَّعْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ) فتفطن" و لا بإقلال علي منها" عطف على قوله- بإكثار- و لا زائدة للتأكيد أي لا تشغلني عن شكر نعمتك بإقلال علي منها يقصر بعملي كده و يملأ صدري همه الضمير المجرور في الموضعين عائد إلى الإقلال و يقصر كينصر و الباء في بعملي للتعدية و كده فاعل يقصر، و المراد بالعمل الطاعات، الكد الشدة و المشقة و الإلحاح في الطلب أي يجعل كدي و يسعني في الإقلال أي في طلب الرزق القليل أو الكد في طلب الرزق الناشئ من الإقلال طاعاتي قاصرة عن حد الكمال و يملأ صدري هم الإقلال أي حزنه أو اهتمامي و شغل خاطري في طلبه. و هذه الفقرات و إن كان فيها شوب التكرار لكنه مطلوب في الدعوات للإلحاح في الطلب، مع أنه (عليه السلام) طلب أولا حدا متوسطا من المعيشة، ثم طلب السعة في الرزق الحلال، و لما كان فيه عرض عريض يشمل ما كان مخلا بالطاعة و شكر النعمة استدرك ذلك لئلا يكون راحته في الدنيا مانعة لرفع درجته في الأخرى و قيل: قد طلب الكفاف من غير زيادة و نقصان في هذا القول و هو- لا تشغلني- إلى أخره للتحرز عن الحزن و ترك حقوق الله، و في القول السابق و هو من غير أن تترفني الحر للتحرز عن الضيق و الشدة و ترك حقوق الله و في القول السابق و هو مِنْ ذَلِكَ يَا إِلَهِي غِنًى عَنْ شِرَارِ خَلْقِكَ وَ بَلَاغاً أَنَالُ بِهِ رِضْوَانَكَ وَ أَعُوذُ بِكَ يَا إِلَهِي مِنْ شَرِّ الدُّنْيَا وَ شَرِّ مَا فِيهَا لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا عَلَيَّ سِجْناً وَ لَا فِرَاقَهَا عَلَيَّ حُزْناً أَخْرِجْنِي مِنْ فِتْنَتِهَا مَرْضِيّاً عَنِّي مَقْبُولًا فِيهَا عَمَلِي إِلَى دَارِ الْحَيَوَانِ وَ مَسَاكِنِ من غير أن تترفني الحر للتحرز عن الضيق و الشدة و ترك حقوق الناس بالطغيان و التكبر و نحوهما فلا تكرار، أعني من ذلك يا إلهي غنى عن شرار خلقك قيل من للبدلية و ذلك إلى الإقلال أو إلى كل من الإقلال و الإكثار، و قيل ذلك إشارة إلى حلال رزقك أو إلى سبب فضلك، و لكل وجه" و الشرار" جمع شرير كفصال جميع فصيل، و قيل: إنما طلب الغناء عن الشرار لأن الناس يحتاج بعضهم إلى بعض في أمير المبدأ و المعاد و المعاش و ليس لأحد منهم غنى عن الآخر بالكلية فغاية المرام طلب الغناء عن اللئام و الشرار دون الكرام و الأخيار. " و بلاغا أنال به رضوانك" قيل: نيل الرضوان بالطاعة، و الطاعة بالقدرة و القدرة بالبلاغ، و هو قدر ما يكفي في التعيش و البقاء من غير زيادة و نقصان، و لذلك طلبه لتحصيل الغايات المذكورة. قوله" و ما فيها" العطف للتفسير، أو المراد بشر الدنيا شر متاعها و زينتها الخادعة، أو شر النوازل و النوائب الموجعة و بشر ما فيها شر الفسقة و الظلمة" لا تجعل على الدنيا سجنا" بضنك العيش و كثرة المصائب و الفتن" و لا فراقها على حزنا" بشدة التعلق بها و الحب لها لجمع زخارفها و إنما فصل الفقرتين لكونهما مؤكدتين للسابق من الاستعاذة من شر الدنيا و شر ما فيها، أو ما طلبه من الكفاف محترزا من الإكثار و الإقلال" أخرجني من فتنتها" و هي كلما يشغل القلب عن ذكر الله أو محنة التكاليف و كثرة البلايا اللازمة للدنيا و إنما فصله لأنه تأكيد لما مر في الدعاء الجامع الشبيه بهذا الدعاء في التهذيب أجرني من فتنتها و اجعل عملي فيها مقبولا و سعى فيها مشكورا مرضيا، عنى الظرف نائب مناب الفاعل و هو ما بعده حالان عن مفعول أخرجني" إلى دار الحيوان" الْأَخْيَارِ وَ أَبْدِلْنِي بِالدُّنْيَا الْفَانِيَةِ نَعِيمَ الدَّارِ الْبَاقِيَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَزْلِهَا وَ زِلْزَالِهَا وَ سَطَوَاتِ شَيَاطِينِهَا وَ سَلَاطِينِهَا وَ نَكَالِهَا وَ مِنْ بَغْيِ مَنْ بَغَى عَلَيَّ فِيهَا متعلق بأخرجني، و في القاموس الحيوان محركة خلاف الموتان و المراد بها الجنة فإن الحياة الحقيقية فيها و في بعض النسخ إلى دار الخلود و مساكن الأخيار أي الجنة أو أعالي درجاتها. " و أبدلني بالدنيا الفانية" في القاموس بدل الشيء محركة الخلف منه و أبدله منه اتخذه بدلا منه، و قيل: قوله أبدلني من باب الحذف و الإيصال أي أبدل لي- و الباء- بمعنى من، و الحروف الجارة قد تقع بعض منها في موضع آخر و المطلوب هو التوفيق لرفع زوائد الدنيا و العمل بها يوجب نعيم الآخرة انتهى. و أقول: الباء للعوض و هو مثل قوله تعالى (وَ بَدَّلْنٰاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ) و قوله (عَسىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوٰاجاً) و قوله (لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) و قال في المصباح: أبدلته بكذا إبدالا نحيت الأول و جعلت الثاني مكانه، و بدلته تبديلا بمعنى غيرت صورته تغييرا، و بدل الله السيئات حسنات يتعدى إلى مفعولين بنفسه لأنه بمعنى جعل و صير و قد استعمل أبدل بالألف مكان بدل بالتشديد فعدي بنفسه إلى مفعولين لتقارب معناهما و في السبعة (عَسىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوٰاجاً) من أفعل و فعل اللهم إني أعوذ بك من أزلها و زلزالها في القاموس الأزل الضيق و الشدة، و بالكسر الكذب و الداهية، و قال: زلزلة زلزلة و زلزالا مثلثة حركة و الزلازل البلايا، و قال: سطا عليه و به سطوا و سطوة صال أو قهر بالبطش و قال: نكل به تنكيلا صنع به صنيعا يحذر غيره، أو نكله نحاه عما قبله، و النكال ما نكلت به غيرك كائنا ما كان، و بغى عليه بغيا علا و ظلمه و عدل عن الحق اللَّهُمَّ مَنْ كَادَنِي فَكِدْهُ وَ مَنْ أَرَادَنِي فَأَرِدْهُ وَ فُلَّ عَنِّي حَدَّ مَنْ نَصَبَ لِي حَدَّهُ وَ أَطْفِ عَنِّي نَارَ مَنْ شَبَّ لِي وَقُودَهُ وَ اكْفِنِي مَكْرَ الْمَكَرَةِ وَ افْقَأْ عَنِّي عُيُونَ الْكَفَرَةِ وَ اكْفِنِي و استطال" من كادني فكده" الكيد المكر و الخبث و الخديعة و الحلية، و المراد بكيده تعالى الجزاء من باب المشاكلة" و من أرادني" أي بالسوء" فأرده" بالدفع أو بإيصاله إليه و الجزاء له على نحو ما مر، و الفل بالفتح الكسر و الثلم و فعله كمد و الحد الحدة و السورة و طرف السيف و السكين و مثله و حددت السكين رققت حده و أحددته جعلت له حدا ففي الكلام استعارة مكنية و تخييلية و كذا الفقرة الآتية" و أطف عني نار من شب لي وقوده" قال في المصباح طفأت النار تطفأ بالهمز من باب تعب طفوءا على فعول خمدت و أطفأتها و أطفأت الفتنة إذا سكنتها على الاستعارة و قال شبت تشب توقدت و يتعدى بالحركة فيقال شببتها أشبها من باب قتل إذا أذكيتها، و قال وقدت النار وقدا من باب وعد و وقودا، و الوقود بالفتح الحطب و أوقدتها إيقادا و منه على الاستعارة (كُلَّمٰا أَوْقَدُوا نٰاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّٰهُ) أي كلما دبروا مكيدة و خديعة أبطلها، و توقدت النار و اتقدت و الوقد بفتحتين النار نفسها انتهى. و ضمير" وقوده" للموصول و لما عرفت أن شب يأتي لازما و متعد فيمكن أن يقرأ وقوده بفتح الواو بالنصب و بالرفع فتدبر، و أستعير النار للصفات الذميمة للعدو من الحقد و الحسد و الغضب و تدبير السوء" و اكفني مكر المكرة" أي ادفع عني مكرهم و كن كافيا لي في ذلك ففيه إظهار للعجز و تفويض للأمر إليه، و في المصباح كفى الشيء يكفي كفاية فهو كاف إذا حصل به الاستغناء عن غيره، و منه (كَفَى اللّٰهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتٰالَ) أي أغناهم عن القتال، و في القاموس فقأ العين و البثرة و نحوها كمنع كسرها أو قلعها أو نجفها أي كفقاها فانفقأت و تفقأت انتهى و تعديته بعن لتضمين معنى الدفع، و هو كناية عن صرف عيونهم عنه، أو إذلالهم أو هَمَّ مَنْ أَدْخَلَ عَلَيَّ هَمَّهُ وَ ادْفَعْ عَنِّي شَرَّ الْحَسَدَةِ وَ اعْصِمْنِي مِنْ ذَلِكَ بِالسَّكِينَةِ دفع ضرر عيونهم عنه، و في التهذيب عيون الكفرة الظلمة الطغاة الحسدة اللهم صل على محمد و آل محمد و أنزل علي منك سكينة إلى آخره. " و اكفني هم من أدخل على همه" هذه الفقرة يحتمل وجهين. الأول: أن يكون المراد بالهم الحزن و الغم و الإضافة إلى الموصول إضافة إلى السبب و إلى الضمير يحتمل أن يكون إضافة إلى السبب أيضا و أن تكون من إضافة المصدر إلى المحل كان يكون رجل مبتلى بالفقر مهتما بذلك ثم أخذ بالظلم مالا من غني فصيره فقيرا مبتلى ببلائه و صار غنيا بماله. و الثاني: أن يكون المراد بالهم القصد و على للضرر و المطلوب صرف قصده و إرادته عنه" و ادفع عني شر الحسدة" الحاسد يتمنى زوال النعمة عن الغير بالوصول إليه أو مطلقا و هو بتلك الخصلة الذميمة يتفكر في كيفية الإزالة و يتدبر في كل سبب من أسبابها و يتوسل بكل شيء من كل وجه و ينبعث من ذلك شرور غير محصورة توجب خراب الديار و الأعمار و الأعمال من غير أن يكون للمحسود شعور بذلك، فالالتجاء إليه تعالى لدفع شره من أهم الأمور و أوجبها. " و اعصمني من ذلك بالسكينة" هذا يحتمل وجوها. الأول: أن يكون المعنى كما سألتك الاستعاذة عن شر الحاسدين لي أسألك أن تعصمني من أن أحسد غيري فإن ذلك أضر و الاستعاذة منه أهم و ذلك العصمة بأن تلقى في قلبي سكينة و طمأنينة بذكر الله فلا أتعرض لأحوال الخلق، أو بأن تلقى اليقين في قلبي" حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي" و لا يصير سلب النعمة عن المحسود سببا لزيادة رزقي و جاهي و غير ذلك و لا يصير حسدي سببا لسلب ذلك عنه، أو بسكون قلبي إلى نعيم الآخرة و إخراج حب الدنيا منه فإن أقوى بواعث الحسد حب الدنيا، و نزوع النفس إلى شهواتها فإذا عرف خسة لذات الدنيا وَ أَلْبِسْنِي دِرْعَكَ الْحَصِينَةَ وَ اخْبَأْنِي فِي سِتْرِكَ الْوَاقِي وَ أَصْلِحْ لِي حَالِي وَ صَدِّقْ قَوْلِي و شهواتها و رفعة نعيم الآخرة و درجاتها لا يبالي من أكل الدنيا. الثاني: أن يكون تأكيدا للفقرة السابقة أي و اعصمني من شر حسد الحاسدين باطمينان قلبي بالتوكل على الله و التفويض إليه و عدم الاعتناء بشأن الحسد فإن غالب تأثير الحسد في العين، و ورد أن علاجه التوكل، و قد جرب أن من لا يعتني بها لا تضره و من تزلزلت نفسه بها أثرت فيه، أو التوسل بذكره تعالى و الأدعية و التعويذات تدفعه، و هو المراد بالسكينة. الثالث: أن تكون الباء للملابسة أي تكون عصمتي من حسد الغير، أو الحسد للغير متلبسا بالسكينة إذ يمكن أن تكون العصمة عن الحسد أو شره مع تزلزل الخاطر و عدم طمأنينة النفس. الرابع: ما قيل أن المعنى اعصمني من ذلك بما يسكن قلبي من شره، و لعل المقصود بالفقرة الأولى سلب إرادة الحاسد من إيصال المكروه إليه و بالفقرة الثانية إعطاء المحسود ما يسكن قلبه و يأمن من وصول شر الحاسد إليه" و أجنني" على بناء الأفعال بالجيم و النون المشددة، في المصباح أجنة الليل و جن عليه من باب قتل ستره، و في بعض النسخ و أحيني بالحاء المهملة و الياء المثناة التحتانية من الحياة و قيل: في الإحياء إشارة إلى أن الشرور قاتلة مهلكة" و الستر" بالكسر و هو السائر و بالفتح المصدر و الأول أنسب و الوقاية من الشرور و المكاره" و أصلح لي في حالي" أي في نفسي" و بيني و بينك و بيني و بين خلقك" و في هذه العبارة الوجيزة طلب للخيرات الدنيوية و الأخروية كلها" و صدق قولي بفعالي" فإن الأعمال شواهد على صدق الأقوال فإن من ادعى الإيمان بالجنة و النار و لم يأت منه ما يقربه من الجنة و يبعده من النار فهذا فعله مكذب لدعواه و من إياك نعبد و إياك نستعين، و هو يعبد الشيطان و النفس و الهوى و يستعين يغيره سبحانه في كل ما يعرض فهذا بِفَعَالِي وَ بَارِكْ لِي فِي أَهْلِي وَ مَالِي
الكافي — كتاب الدعاء · بَابُ الدُّعَاءِ لِلرِّزْقِ