مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ النُّطْفَةَ الَّتِي مِمَّا أَخَذَ عَلَيْهَا الْمِيثَاقَ فِي صُلْبِ آدَمَ أَوْ مَا يَبْدُو لَهُ فِيهِ وَ يَجْعَلَهَا فِي الرَّحِمِ حَرَّكَ الرَّجُلَ لِلْجِمَاعِ وَ أَوْحَى إِلَى الرَّحِمِ أَنِ افْتَحِي بَابَكِ حَتَّى يَلِجَ فِيكِ- قوله (عليه السلام):" فإذا كمل أربعة أشهر" المشهور بين الأطباء موافقا لما ظهر من التجارب أن التصوير في الأربعين الثالثة، و نفخ الروح قد يكون فيها، و قد يكون بعدها، و ربما يحمل على تحقق ذلك نادرا، و أما كتابة الميثاق فقيل: كناية عن مفطوريته على خلقة قابلة للتوحيد و سائر المعارف، و نسيان الميثاق كناية عن دخوله في عالم الأسباب المشتمل على موانع تعقل ما فطر عليه. الحديث الرابع: صحيح. قوله (عليه السلام):" أو ما يبدو له فيه" أي لم يؤخذ عليها الميثاق، أولا في صلب آدم، و لكن بدا له ثانيا بعد خروجه من صلبه أن يأخذ عليها الميثاق، و يحتمل أن المراد به ما فسر غير المخلقة به في الخبر الأول، فيكون مشاركا للأول في بعض ما سيذكر، كما أن القسم الأول أيضا قد يسقط قبل كما له، فلا يجري فيه جميع ما في الخبر، و يحتمل أيضا أن يراد بالأول من يصل إلى حد التكليف، و يؤخذ بما أخذ عليه من الميثاق، و بالثاني من يموت قبل ذلك. قوله (عليه السلام):" حرك الرجل" أي بإلقاء الشهوة عليه، و لعل الإيجاب على خَلْقِي وَ قَضَائِيَ النَّافِذُ وَ قَدَرِي فَتَفْتَحُ الرَّحِمُ بَابَهَا فَتَصِلُ النُّطْفَةُ إِلَى الرَّحِمِ فَتَرَدَّدُ فِيهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ تَصِيرُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ تَصِيرُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ تَصِيرُ لَحْماً تَجْرِي فِيهِ عُرُوقٌ مُشْتَبِكَةٌ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكَيْنِ خَلَّاقَيْنِ يَخْلُقَانِ فِي الْأَرْحَامِ مَا يَشَاءُ اللَّهُ فَيَقْتَحِمَانِ فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ مِنْ فَمِ الْمَرْأَةِ فَيَصِلَانِ إِلَى الرَّحِمِ وَ فِيهَا الرُّوحُ الْقَدِيمَةُ الْمَنْقُولَةُ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَ أَرْحَامِ النِّسَاءِ فَيَنْفُخَانِ فِيهَا رُوحَ الْحَيَاةِ وَ الْبَقَاءِ وَ يَشُقَّانِ لَهُ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ جَمِيعَ الْجَوَارِحِ وَ جَمِيعَ مَا فِي الْبَطْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ثُمَّ يُوحِي اللَّهُ إِلَى الْمَلَكَيْنِ اكْتُبَا عَلَيْهِ قَضَائِي وَ قَدَرِي وَ نَافِذَ أَمْرِي وَ اشْتَرِطَا لِيَ الْبَدَاءَ فِيمَا تَكْتُبَانِ فَيَقُولَانِ يَا رَبِّ مَا نَكْتُبُ فَيُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِمَا أَنِ ارْفَعَا رَءُوسَكُمَا إِلَى رَأْسِ أُمِّهِ فَيَرْفَعَانِ رُءُوسَهُمَا فَإِذَا اللَّوْحُ يَقْرَعُ جَبْهَةَ أُمِّهِ سبيل الأمر التكويني لا التكليفي، أي تنفتح بقدرته و إرادته تعالى، أو كناية عن فطرة إياها على الإطاعة طبعا كما قيل. قوله (عليه السلام):" فتردد" بحذف أحد التائين أي تتحول من حال إلى حال. قوله (عليه السلام):" فيقتحمان" أي يدخلان من غير استرضاء و اختيار لها. قوله (عليه السلام):" و فيها روح القديمة" أي الروح المخلوقة في الزمان المتقادم قبل خلق جسده، و كثيرا ما يطلق القديم في اللغة و العرف على هذا المعنى، كما لا يخفى على من تتبع كتب اللغة و موارد الاستعمالات، و المراد بها النفس النباتية أو الحيوانية أو الإنسانية، و قيل: في عطف البقاء على الحياة دلالة على أن النفس الحيوانية باقية في تلك النشأة و أنها مجردة عن المادة، و أن النفس النباتية بمجردها لا تبقى. قوله (عليه السلام):" و يشقان" الواو لا يدل على الترتيب، فلا ينافي تأخر النفخ على الخلق الجوارح. قوله (عليه السلام):" فيرفعان رؤوسهما" في حل أمثال هذا الخبر مسالك، فمنهم من آمن بظاهره و وكل علمه إلى من صدر عنه، و هذا سبيل المتيقن، و منهم من يقول: ما يفهم من ظاهره حق واقع، و لا عبرة باستبعاد الأوهام فيما صدر عن أئمة فَيَنْظُرَانِ فِيهِ فَيَجِدَانِ فِي اللَّوْحِ صُورَتَهُ وَ زِينَتَهُ وَ أَجَلَهُ وَ مِيثَاقَهُ شَقِيّاً أَوْ سَعِيداً وَ جَمِيعَ شَأْنِهِ قَالَ فَيُمْلِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فَيَكْتُبَانِ جَمِيعَ مَا فِي اللَّوْحِ وَ يَشْتَرِطَانِ الْبَدَاءَ فِيمَا يَكْتُبَانِ- ثُمَّ يَخْتِمَانِ الْكِتَابَ وَ يَجْعَلَانِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ يُقِيمَانِهِ قَائِماً فِي بَطْنِ أُمِّهِ قَالَ فَرُبَّمَا عَتَا فَانْقَلَبَ وَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي كُلِّ عَاتٍ أَوْ مَارِدٍ وَ إِذَا بَلَغَ أَوَانُ خُرُوجِ الْوَلَدِ تَامّاً أَوْ غَيْرَ تَامٍّ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى الرَّحِمِ أَنِ افْتَحِي بَابَكِ حَتَّى يَخْرُجَ خَلْقِي إِلَى أَرْضِي وَ يَنْفُذَ فِيهِ أَمْرِي فَقَدْ بَلَغَ أَوَانُ خُرُوجِهِ قَالَ فَيَفْتَحُ الرَّحِمُ بَابَ الْوَلَدِ فَيَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكاً يُقَالُ لَهُ زَاجِرٌ فَيَزْجُرُهُ زَجْرَةً فَيَفْزَعُ مِنْهَا الْوَلَدُ فَيَنْقَلِبُ فَيَصِيرُ رِجْلَاهُ فَوْقَ رَأْسِهِ وَ رَأْسُهُ فِي أَسْفَلِ الْبَطْنِ لِيُسَهِّلَ اللَّهُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَ عَلَى الْوَلَدِ الْخُرُوجَ قَالَ فَإِذَا احْتُبِسَ زَجَرَهُ الْمَلَكُ زَجْرَةً الأنام، و منهم من قال: هذا على سبيل التمثيل، كأنه شبه ما يعلمه تعالى من حاله و من طينته، و ما يستحقه من الكمالات و ما يودع فيه عن مراتب الاستعدادات بمجيء الملكين و كتابتهما على جبهته و غير ذلك. و قال بعضهم: قرع اللوح جبهة أمه، كأنه كناية عن ظهور أحوال أمه و صفاتها و أخلاقها من ناصيتها و صورتها التي خلقت عليها، كأنه جميعا مكتوبة عليها، و إنما يستنبط الأحوال التي ينبغي أن يكون الولد عليها من ناصية أمها، و يكتب ذلك على وفق ما ثمة، للمناسبة التي تكون بينه و بينها، و ذلك لأن جوهر الروح إنما يفيض على البدن بحسب استعداده و قبوله إياه، و استعداد البدن تابع لأحوال نفسي الأبوين، و صفاتهما و أخلاقهما، لا سيما الأم المربية له على وفق ما جاء من ظهر أبيه فهي حينئذ مشتملة على أحواله الأبوية و الأمية أعني ما يناسبهما جميعا بحسب مقتضى ذاته، و جعل الكتاب المختوم بين عينيه كناية عن ظهور صفاته و أخلاقه من ناصيته و صورته التي خلق عليها، و أنه عالم بها وقتئذ بعلم بارئها بها لفنائه بعد، و فناء صفاته في ربه، لعدم دخوله بعد في عالم الأسباب و الصفات المستعارة و الاختيار المجازي، لكنه لا يشعر بعلمه، فإن الشعور بالشيء أمر و الشعور بالشعور أمر آخر. أُخْرَى فَيَفْزَعُ مِنْهَا فَيَسْقُطُ الْوَلَدُ إِلَى الْأَرْضِ بَاكِياً فَزِعاً مِنَ الزَّجْرَةِ
الكافي — كتاب العقيقة · بَابُ بَدْءِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَ تَقَلُّبِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ