ابن أبي الحديد قال: وكان في ألفاظ عمر وأخلاقه جفاء وعنجهية ظاهرة يحسب لها السامع أنه أراد بها ما لم يكن قد أراد، ويتوهم من يحكي له أنه قصد بها ظاهرا ما لم يقصد، فمنها الكلمة التي قالها في مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعاذ الله أن يقصد بها ظاهرها، ولكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته ولم يتحفظ منها، وكان الأحسن أن يقول مغمور أو مغلوب بالمرض، وحاشاه أن يعني بها غير ذلك. قال: وما روي من قول عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها ومن عاد إلى مثلها فاقتلوه قال: إعلم أن هذه اللفظة من عمر مناسبة للفظات كثيرة كان (رضي الله عنه) يقولها بمقتضى ما جبله الله تعالى عليه من غلظ الطينة وجفاء الطبيعة ولا حيلة له فيها، لأنه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها ولا ريب عندنا أنه كان يتعاطى أن يتلطف وأن يخرج ألفاظه مخارج حسنة لطيفة فينزع به الطبع الجاسي والغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللفظات ولا يقصد بها شرا ولا يريد به ذما ولا تخطئة كما قدمنا من قبل في اللفظة التي قالها في مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكاللفظات التي قالها عام الحديبية وغير ذلك، والله تعالى لا يجازي المكلف إلا بما نواه، ولقد كانت نيته من أطهر النيات وأخلصها لله تعالى. قال مؤلف هذا الكتاب: لقد غلا ابن أبي الحديد في عمر بن الخطاب وتعصب فيه أتم التعصب وخرج عن مذهب الاعتزال من أن فعال العباد منهم لا من الله ودخل في مذهب المجبرة أن العبد لا فعل له ولا قدرة له على فعله، وعندهم أن المكلف لا اختيار له في أفعاله كالحجر إن حركته تحرك، وإنما قلنا ذلك في ابن أبي الحديد لأنه قال في الاعتذار عن عمر في قوله لرسول الله (صلى الله عليه وآله) يهجر قالها عمر بمقتضى ما جبله الله تعالى عليه من غلظ الطينة وجفاء الطبيعة ولا حيلة له فيها لأنه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها وهذا بعينه قول المجبرة وليت شعري ما الذي أوجب خروجه من مذهبه وهل هذا إلا محض تعصب لعمر، أعوذ بالله تعالى من الحمية الجاهلية والعجب من ابن أبي الحديد بين تعصبه هنا لعمر وبين قوله في عمر وذمه له حيث جعل الخلافة شورى في ستة. قال ابن أبي الحديد في الشرح بعد طعن أبي لؤلؤة من أمر الشورى: فإن ذلك كان سبب كل فتنة وقعت وتقع إلى أن تنقضي الدنيا وقد شرحنا ما أدى إليه من أمر الشورى من الفساد بما حصل في نفس كل واحد من الستة من ترشيحه للخلافة. إلى هنا كلام ابن أبي الحديد بلفظه.
غاية المرام وحجة الخصام — الباب الثالث والسبعون في جرأة عمر بن الخطاب على رسول الله حين علم عمر أنه (صلى الله عليه و · والسبعون في جرأة عمر بن الخطاب على رسول الله حين علم عمر أنه (صلى الله عليه وآله) أراد أن ينص على علي (عليه السلام)